إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

سبحان الله والحمد لله والله أكبر
‏إظهار الرسائل ذات التسميات السياسه الشرعيه. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات السياسه الشرعيه. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 24 يناير 2012

مسئولية الحاكم أمام اللَّه

مسئولية الحاكم أمام اللَّه


إن الإسلام لا يعرف للخليفة مركزًا خاصًّا يحميه من النصح والتوجيه، ويعفيه من بعض ما يكون على أبناء الأمة من واجبات فهو ليس إلا رجلاً اختارته الأمة ليكون ممثلاً لها، ويتولى الإشراف على أمورها وتدبير شئونها، وألزمته أن لا يخرج على أحكام الشريعة الإسلامية، فكان من الطبيعي تحقيقًا للعدالة والمساواة واستجابة للمنطق أن يسأل الحاكم عن كل مخالفة للشريعة الإسلامية، سواء تعمد هذا العمل أو وقع منه نتيجة إهماله ما دام كل فرد في الأمة الإسلامية يسأل عن أعماله وأقواله المخالفة للشريعة الإسلامية، فالحاكم مسئول عن أفعاله وتصرفاته أمام اللَّه في الآخرة، مثله في ذلك مثل أي فرد عادي في الأمة.

ونجد أن مبدأ المسئولية في الآخرة ظاهرًا وواضحًا في نصوص القرآن الكريم وهو قول اللَّه تعالى: { كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ } [الطور:21]
وقوله تعالى: { يوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَينَهَا وَبَينَهُ أَمَدًا بَعِيدًا } [آل عمران:30].
وقوله تعالى:{ لِيجْزِي اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } [إبراهيم:51]، وغير ذلك من الآيات التي تبين أن كل إنسان مسئول عن أقواله وأفعاله أيا كان مركزه.

وعلى قدر اتساع سلطة الإنسان وامتداد قدرته تكون مسئوليته وكذلك على قدر ضعفه وعجزه يكون إعفاؤه من الواجب.
ولذلك نرى أن مسئولية كل فرد محدودة دائمًا بحدود سلطته وإمكانياته فهي بالنسبة لمن يلي من أمور المسلمين شيئًا تتسع على قدر اتساع سلطة الإنسان وامتداد قدرته؛ ولذا فمسئولية الحاكم أكبر من مسئولية المحكوم؛ لأن التكليف المنوط به أضخم، ومطالبته بالعمل على ما يحقق للناس مصالحهم، من حيث الخطط والمشروعات، وتوفير وسائل الحياة الكريمة لكل فرد من أفراد المجتمع الذي يتولى رعاية مصالحه الدينية والدنيوية وفق شريعة الإسلام.
وكما بينت الآيات الكريمة مسئولية الحاكم عن أقواله وأفعاله أمام اللَّه في الآخرة ـ نبه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عظم مسئولية ولاة الأمر فقال: «ما من عبد يسترعيه اللَّه رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم اللَّه عليه الجنة» .
وقوله: «أحب الناس إلى اللَّه يوم القيامة وأدناهم منه مجلسًا: إمام عادل وأبغض الناس إلى اللَّه وأبعدهم منه مجلسًا: إمام جائر».
وغير ذلك من الأحاديث التي تبين أن الإمام أو الحاكم مسئول أمام اللَّه مسئولية يلقى نتائجها يوم الحساب والجزاء، فإن نصح للأمة وعدل فيها وأدَّى ما عليه نحوها من واجبات أوجبها اللَّه عليه: فأنصف مظلومها، وحمى ضعيفها ورعى سائر شئونها ودافع عن حوزتها ـ جازاه اللَّه أحسن الجزاء، وكان له بذلك أعلى الدرجات مما لا يكون لأعظم العباد المعتكفين على عبادة اللَّه.

وإن ظلم وغش وأساء كان له من الجزاء ما ينال مثله المجرمون والقتلة والفاسقون وسائر الخارجين على حدود اللَّه، فالحاكم عندما يخاطب بأمر من أوامر اللَّه أو رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنه يجب عليه أن يقوم بتنفيذ هذا الأمر، والخضوع له، ووضع كل القواعد اللازمة لإنفاذه، لأن ذلك مما يقتضيه الأمر أو النهي، ومما هو مسئول عنه أمام اللَّه.
وإذا أراد الحاكم أن يأتي بالمسئولية على وجهها الصحيح فعليه أن يلتزم الأمور التالية:

أولاً: التزام التقوى، والورع، والخوف من اللَّه، وحب الآخرة، وعدم اتباع الهوى، وعليه بالعفة، والعبادة، والعدالة، والمساواة، وغيرها من الصفات المحمودة لا لأنه يحكمهم، بل لأنه أقوى منهم، فكلما كان الحاكم قادرًا على أن يسوق الناس بعصاه أو يقربهم بماله وجاهه فهم من الطائعين السامعين.

وإذا ضعف الحاكم واستطاع أحد منافسيه أن يتغلب عليه فإنه يستطيع تبعًا لذلك أن يتحكم في رقاب الرعية، وكأن الرعية تُعتبر خدمًا وعبيدًا لصاحب السلطة سواء أورث سلطانه أم اكتسبه. ولما كان الحاكم يستمد سلطانه من قوته لم تكن سلطة أي حاكم تساوي سلطة الآخر، ولم تكن هناك حدود مرسومة للحكام لا يتعدونها، بل كان للحاكم أن يأتي ما يشاء ويدع ما يشاء دون حسيب أو رقيب.

فرأينا ـ مثلاً ـ في الجاهلية من الحكام من بلغ الاستبداد به إلى حد أن كل من يحل بأرضه يصير عبدًا له، يأتمر بأمره، وينتهي إذا نهاه، فبلغ من جبروت كليب وائل أنه كان لا يسمح لأحد أن يتكلم في مجلسه، وبلغ الاستعباد أن يقهر عوف كل من حل بواديه حتى صار ذلك مثلاً لدى العرب (لا أحد بوادي عوف) ولكن رحمة من اللَّه بعباده أن جاءت الشريعة الإسلامية فاستبدلت بهذه الأوضاع البالية أوضاعاً جديدة تتفق مع الكرامة الإنسانية والحاجات الاجتماعية فجعلت أساس العلاقة بين الحكام والمحكومين تحقيق مصلحة الجماعة لا قوة الحاكم أو ضعف المحكومين، وتركت للجماعة حق اختيار الحاكم الذي يرعى مصلحتها ويحفظها، وجعلت لسلطة الحاكم حدود ليس له أن يتعداها، فإن خرج عليها كان عمله باطلاً.

ثانيا: عدم الاستعلاء على الناس بالحكم، فينبغي على الحاكم أن يقدم الرحمة والحلم والعفو على الغلظة والشدة في تصرفاته وأعماله، وأن يترك الترف وإظهار الأبهة في ملبسه ومسكنه وغير ذلك، وأن يجعل ولايته للتقرب إلى اللَّه تعالى بالتواضع، وعليه الاهتمام بأمور المسلمين والعمل على اكتساب رضاهم ومحبتهم بطريق يوافق الشرع ولا يخالفه.
منقول

طريقة العهد والوصية أو الاستخلاف

طريقة العهد والوصية أو الاستخلاف


وهو أن يعهد الإمام لشخص آخر بالإمامة بعد موته بعد مشاورة أهل الحل والعقد في ذلك، كما عهد أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ بالخلافة لعمر بن الخطاب من بعده، وكما عهد عمر ـ رضي الله عنه ـ بالخلافة للنفر الستة ليختاروا واحدًا منهم.

فقد ذكر ابن الجوزي في مناقب عمر بن الخطاب عن الحسن بن أبي الحسن رضي الله عنه قال: لما ثقل أبو بكر ـ رضوان الله تعالى عليه ـ واستبان له من نفسه، جمع الناس فقال: إنه قد نزل بي ما ترون، ولا أظني إلا لمأتي، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم، فأمِّروا عليكم من أحببتم فإنكم إن أمَّرتم عليكم في حياة مني كان أجدر ألاَّ تختلفوا بعدي، فقاموا في ذلك وحلوا عنه فلم تستقم لهم، فقالوا: أمِّر لنا يا خليفة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقال: فلعلكم تختلفون؟ قالوا: لا، قال: فعليكم عهد الله على الرضا؟ قالوا: نعم، قال: فأمهلوني أنظر لله ولدينه ولعباده، فأرسل أبو بكر إلى عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ، فقال: أشر علي برجل، والله إنك عندي لها لأهل موضع، فقال: عمر، فقال: اكتب فكتب حتى انتهى إلى الاسم فغشي عليه ثم أفاق، فقال: اكتب عمر» .

وهذه الطريقة هي التي اختارها كثير من العلماء منهم: أبو محمد علي بن حزم حيث قال: «إن عقد الإمامة يصح بوجوه:

أولها وأفضلها:
أن يعهد الإمام الميت إلى إنسان يختاره إمامًا بعد موته،وسواء فعل ذلك في صحته أو في مرضه أو عند موته إذ لا نص ولا إجماع على المنع من أحد هذه الوجوه، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي بكر، وكما فعل أبو بكر بعمر، وكما فعل سليمان بن عبد الملك بعمر بن عبد العزيز، وهذا هو الوجه الذي نختاره ونكره غيره، لما في هذا الوجه من اتصال الإمامة، وانتظام أمر الإسلام وأهله، ورفع ما يتخوف من الاختلاف والشغب مما يتوقع في غيره من بقاء الأمة فوضى، ومن انتشار الأمر، وارتفاع النفوس، وحدوث الأطماع» .

قلت: وقوله كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي بكر ـ يعني: أن رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ عهد بالخلافة لأبي بكر الصديق من بعده، وهذا محل خلاف بين العلماء سأحققه فيما بعد.

هذا وإن صنيع ابن خلدون يدل على أنه يفضل عقد الإمامة بالعهد على غيرها من الطرق الأخرى قال في مقدمته:
«اعلم أنا قدمنا الكلام في الإمامة ومشروعيتها، لما فيها من المصلحة، وأن حقيقتها النظر في مصالح الأمة لدينهم ودنياهم، فهو وليهم والأمين عليهم ينظر لهم ذلك في حياته ويتبع ذلك أن ينظر لهم بعد مماته ويقيم لهم من يتولى أمورهم، كما كان هو يتولاهم ويثقون بنظره لهم في ذلك، كما وثقوا به فيما قبل، وقد عرف ذلك من الشرع بإجماع الأمة على جوازه وانعقاده، إذ وقع بعهد أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ لعمر بمحضر من الصحابة وأجازوه وأوجبوا على أنفسهم به الطاعة لعمر ـ رضي الله عنه، وكذلك عهد عمر في الشورى إلى الستة بقية العشرة وجعل لهم أن يختاروا للمسلمين ففوض بعضهم إلى بعض حتى أفضى ذلك إلى عبد الرحمن بن عوف فاجتهد ونظر في المسلمين فوجدهم متفقين على عثمان وعلي، فآثر عثمان بالبيعة على ذلك لموافقته إياه على لزوم الاقتداء بالشيخين في كل ما يعن دون اجتهاده، فانعقد أمر عثمان لذلك وأوجبوا طاعته والملأ من الصحابة حاضرون للأولى والثانية ولم ينكر أحد منهم، فدل على أنهم متفقون على صحة هذا العهد عارفون بمشروعيته.

والإجماع حجة كما عُرف ولا يتهم الإمام في هذا الأمر، وإن عهد إلى أبيه أو ابنه لأنه مأمون على النظر لهم في حياته، فأولى أن لا يتحمل فيها تبعة بعد مماته خلافًا لمن قال باتهامه في الولد والوالد، أو لمن خصص التهمة بالولد دون الوالد فإنه بعيد عن الظِّنة في ذلك كله، لاسيما إذا كانت هناك داعية تدعو إليه من إيثار مصلحة أو وقوع مفسدة فتنتفي الظنَّة عند ذلك رأسًا كما وقع في عهد معاوية لابنه يزيد، وإن كان فعل معاوية مع وفاق الناس له حجة في الباب، والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بني أمية، إذ بنو أمية يومئذٍ لا يرضون سواهم، وهم عصابة قريش وأهل الملة أجمع وأهل الغلبة منهم فآثره بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولى بها وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصًا على الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع.

وإن كان لا يظن بمعاوية غير هذا فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك، وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق، فإنهم كلهم أجل من ذلك وعدالتهم مانعة منه، وفرار عبد اللَّه بن عمر من ذلك ـ أي: البيعة ليزيد ـ إنما هو محمول على تورعه من الدخول في شيء من الأمور مباحًا كان أو محظورًا، كما هو معروف عنه ولم يبق في المخالفة لهذا العهد الذي اتفق عليه الجمهور إلا ابن الزبير وندور المخالف معروف».

أما تولية عثمان ـ رضي اللَّه عنه ـ فقد روى البخاري في «صحيحه» عن عمرو بن ميمون حـديـثًا طـويلاً ثـم ذكـر: ...فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين! استخلف فقال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض: فسمى عليا، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعدًا، وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد اللَّه بن عمر وليس له من الأمر شيء، فإن أصابت الإمرة سعدًا فهو ذلك وإلا فليستعن به أيكم ما أُمِّر، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة...إلى أن قال الراوي: فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه واللَّه عليه والإسلام لينظرن أفضلكم في نفسه، فسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أتجعلونه إلي واللَّه علي أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابة من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والقدم في الإسلام ما قد علمت، فاللَّه عليك لئن أمَّرتك لتعدلن ولئن أمَّرتُ عُثمان لتسمعن ولتطيعن.

ثم خلا بالآخر فقال مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك أبايعك يا عثمان فبايعه، فبايعه علي وولج أهل الدار فبايعوه .

وقد أجمع الصحابة على جواز العهد، ولم يذكر عن أحد منهم خلاف ذلك. وروى الإجماع كثير من العلماء منهم: الماوردي في «الأحكام السلطانية» حيث قال: «وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله فهو مما انعقد الإجماع على جوازه، ووقع الاتفاق على صحته» .

قال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم: «حاصله أن المسلمين أجمعوا على أن الخليفة إذا حضرته مقدمات الموت وقبل ذلك يجوز له الاستخلاف، ويجوز له تركه، فإن تركه فقد اقتدى بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا، وإلا فقد اقتدى بأبي بكر ـ رضي اللَّه تعالى عنه ـ، وأجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف» .

====================
انظر :
*مناقب أمير المؤمنين ، لابن الجوزي 
* البداية والنهاية
*الفصل في الملل والأهواء والنحل
*الأحكام السلطانية ، للماوردي
*شرح النووي لمسلم
* مقدمة ابن خلدون
 منقول

النظام القضائي فى الإسلام

النظام القضائي فى الإسلام
لقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- حاكم الدولة وقاضيها الأول، وقد أمره الله تعالى بذلك بقوله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} [المائدة: 49].

        وقوله: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا}[النساء: 105].

        وكان صلى الله عليه وسلم يرسل نوابًا عنه إلى الأماكن البعيدة يتولون القضاء؛ فقد أرسل معاذ بن جبل -رضي الله عنه- إلى اليمن، وَعتَّاب بن أسيد -رضي الله عنه- إلى مكة، وكان قبل أن يرسل القضاة يتولاهم بالنصيحة والموعظة، وقد أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- عليًا بن أبي طالب -رضي الله عنه- ذات مرة، فقال: (يا علي، إذا جلس إليك الخصمان، فلا تَقْضِ بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء) [أحمد وأبوداود والترمذي].

المبادئ العامة للقضاء في الإسلام
        كانت المبادئ العامة للقضاء في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومن تبعه من الخلفاء الراشدين، والأمراء الخيرين غاية في السمو والارتقاء والعظمة، ومن مظاهر ذلك:

أولاً: القاضي يحكم وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية.

ثانيًا: التحذير من الظلم في القضاء؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم : (إن الله مع القاضي ما لم يَجُرْ (يظلم)، فإذا جار تبرأ منه، وألزمه الشيطان) [الحاكم والبيهقي].

        وقال صلى الله عليه وسلم : (من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جَوْره (ظلمه)، فله الجنة، ومن غلب جوره عدله فله النار) [أبو داود].

ثالثًا: ابتعاد القاضي عن كل ما قد يؤثر على حكمه بالعدل، فيراعى أن يكون في أحسن حالاته النفسية، بعيدًا عن الضيق والقلق والغضب والجوع والعطش، حتى لا يؤثر ذلك في عدالته، قال صلى الله عليه وسلم : (لا يحكم أحدكم بين اثنين وهو غضبان) [متفق عليه].

رابعًا: تحريم تقديم الرشوة للقاضي أو قبولها، وإذا قدمها المتهم، فللقاضي أن يعاقبه بما يراه مناسبًا، ولذلك فقد كان قضاة الإسلام لا يستضيفون الخصوم أو بعضهم، ولا يقبلون ضيافتهم ولا هداياهم، حتى لا يكون لذلك تأثير على قضاء القاضي، قال صلى الله عليه وسلم: (من استعملناه على عمل، فرزقناه رزقًا، فما أخذ بعد ذلك فهو غُلُول) [أبو داود].

        وقال صلى الله عليه وسلم: (لعن الله الراشي والمرتشي والرائش (أي الذي يعطي الرشوة، والذي يأخذها والوسيط بينهما)) [أبوداود والترمذي وابن ماجه وأحمد].

خامسًا: تحذير المتخاصمين من الكذب في الادعاء، فعن أنسٍ -رضي الله عنه- قال: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الكبائر، فقال: (الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور) [البخاري].

سادسًا: تحرِّي الصدق في عرض القضية، فقد قال صلى الله عليه وسلم لرجلين اختصما أمامه في ميراث طال عليه الزمن، وليس لأحد منهما بيِّنة: (إنكم تختصمون إليَّ، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض (أبلغ)، وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطامًا (الحديدة التي تحرك بها النار) في عنقه يوم القيامة). فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أما إذ قلتما، فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق (اقصدا)، ثم استهما (أي ليأخذ كل منكما ما تخرجه القرعة بعد القسمة)، ثم ليحلل كل واحدٍ منكما صاحبه) [الشيخان وأحمد].

        أي أن الناس يتحاكمون إلى القاضي، فيجتهد لهم، وقد لا يصيب الحق، فيقضي لأحدهم بشيء ليس من حقه، فحكم القاضي هنا لا يحل لهذا الشخص أخذ ما ليس من حقه.

سابعًا: تقديم الصلح على القضاء، وهذا من عظمة القضاء في الإسلام؛ لأن حكم القضاء يورث الضغائن والأحقاد، وما دام الصلح بين المسلمين جائزًا، فكان لابد أن يأخذ مكانه لإصلاح ما أفسده الشيطان بين الناس، قال صلى الله عليه وسلم: (والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا حرَّم حلالاً أو أحلَّ حرامًا) [أصحاب السنن].

        ورُوى عن عمر بن الخطاب أنه قال: ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء (أحكام القضاء) يورث الضغائن بينهم.

        ومن عظمة الإسلام أنه أباح للقاضي أن يشفع عند أحد المتخاصمين للآخر، فقد ورد أن كعب بن مالك طلب دينًا له كان عند أبي حدرَدٍ، وكانا في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في بيته، فنادى الرسول -صلى الله عليه وسلم- كعب بن مالك، فقال كعب: لبيك يا رسول الله. فأشار إليه بيده أن ضع الشطر من دينك (أي اترك نصف دينك لأخيك). قال كعب: قد فعلت يا رسول الله، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي حدرد: (قم فاقضه) [متفق عليه].

طرق إثبات الحق في القضاء الإسلامي
أولاً: شهادة الشهود؛ فيشهد على الحق شاهدان ممن ترضى شهادتهما، أو شهادة رجل وامرأتين، قال الله -عز وجل-: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة:282].

        وهذا في غير القضايا التي تتعلق بالعِرض والشرف، التي يلزم فيها أربعة شهود.

ثانيًا: الوثائق المكتوبة والأدلة الأخرى التي يستخدمها القاضي بذكاء للتوصل للحكم الصحيح.

ضوابط اختيار القضاة
        لا يتولى القضاء في الدولة الإسلامية إلا من توفرت فيه عدة شروط، منها:

أولاً: الإسلام والعقل والبلوغ، فلا يتولى قضاء المسلمين كافر أو مجنون أو فاسق أو طفل صغير، كما اشترطوا العلم بالكتاب والسنة، والذكاء الذي يساعده على التمييز بين الحق والباطل.

ثانيًا: العِلْم بآيات الأحكام وأحاديثها وأدلتها، وبأقوال الصحابة، وبالإجماع، وبما اختلف العلماء فيه، وأن يكون عالمًا باللغة العربية، وقادرًا على القياس والاستنباط.

ثالثًا: سلامة الحواس، مثل السمع والبصر واللسان؛ حتى يستطيع القاضي أن يلاحظ وأن يعبر بها، ولا غنى للقاضي عنها.

رابعًا: أن يكون القاضي متحليًا بمكارم الأخلاق، بعيدًا عن ارتكاب الكبائر، غير مصرّ على فعل الصغائر "العدالة".

خامسًا: أن يكون القاضي رجلاً، فلا يجوز أن يتولى القضاء امرأة؛ لأنها مهنة تحتاج إلى الصبر والمعاناة وعدم الانفعال، وطبيعة المرأة بعواطفها الرقيقة، وانفعالها السريع، وما يحدث لها من حيض ونفاس، وحمل ووضع وإرضاع، كل ذلك يجعلها غير مؤهلة للقضاء، كما أن طبيعة هذا المنصب تتطلب الاحتكاك بجمهور الناس، والشهود والخصوم، والوكلاء وأعوان القضاة، وذلك يتطلب الخلطة والانفراد بالأعوان، وهذا لا يليق بالمرأة، إلا أننا رأينا تولى المرأة القضاء فى مصر، وقد أجازها البعض.

        وعندما بلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أهل فارس جعلوا حاكمهم ابنة كسرى قال: (لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة) [البخاري].


سرعة الحكم في القضايا
        لا يجوز للقاضي تأجيل الحكم في قضية إلا في حالات ثلاث:

أولاً: للصلح بين المتخاصمين.

ثانيًا: إذا طلب أحد المتخاصمين مهلة ليأتي بمزيد من الأدلة المؤيدة لحقه.

ثالثًا: إذا كان لدى القاضي شك، يتطلب مزيدًا من البحث والتحرى والدقة.

الأجهزة المعاونة للقاضى:
أولاً: الشرطة:
        وهي من الوظائف الإسلامية القديمة، وكانت تساعد القاضي في تنفيذ الحكم الذي يصدره ضد المذنبين. ويبدأ تاريخ الشرطة بعهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الذي كان يتفقد أحوال الناس بنفسه في الليل ويطارد المنحرفين.

ثانيًا: جهاز الحسبة:
        وهم جماعة تقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بتكليف من الحاكم المسلم؛ فالمحتسب يمنع الغش في الأسواق، ويراقب الموازين، ويطوف على الخبازين والصناع ليلاحظ جودة المنتجات، ويراقب الأفراح والمآتم؛ ليمنع ما يحدث فيها من منكرات، ويحارب الربا، ويطالب بسداد الديون، ويأمر الناس بالصلوات الخمس في أوقاتها...إلخ. وإجمالاً فقد كانت وظيفة المحتسب من الوظائف المهمة التي لها تأثير في المجتمع، وتنظم التعاملات بين الناس وتحفظ حقوقهم وفق الشريعة السمحة.

ثالثًا: جهاز المظالم:
        وهذا الجهاز من مفاخر القضاء الإسلامي؛ فقد وضع هذا الجهاز لكل ما يعجز عنه القضاة من قضايا، كأن تكون القضية متصلة بكبار القوم أصحاب السلطة والنفوذ، فلا يستطيع القاضي فرض نفوذه والحكم ضدهم، فيكلف والي المظالم بأخذ الحق منهم لصاحبه، ولذلك فوالي المظالم لابد أن يكون على درجة عظيمة من الهيبة والتقوى وسعة العلم.

        وقد تطور ديوان المظالم بعد إنشائه، فأحيانًا كان الخلفاء أنفسهم يقومون بمهمة والي المظالم، وهذا مشهور عن الخلفاء الراشدين والخلفاء الأمويين والعباسيين.

        ومما يروى في ذلك أن الخليفة العباسي المأمون جلس للمظالم يومًا، فكان آخر من تقدم إليه امرأة، فدخلت عليه وقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال لها: وعليك السلام يا أمة الله، تكلمي في حاجتك. فأخبرته أن ابنه قد اغتصب منها أرضها، فحدد لها موعدًا تأتي فيه، ويحضر خصمها أمامها.

        فلما كان اليوم المحدد، أحْضرَ الخَصْمَ، فأجلسه ثم أمرها أن تذكر خصومتها، فظلت المرأة تتحدث بصوت عالٍ، فقال لها الفضل (وزير المأمون): على رِسْلِكِ (أي مهلاً)، إنه ابن أمير المؤمنين، فقال له المأمون: دعها فإن الحق أنطقها، والباطل أخرسه. ثم قضى لها بردِّ ضَيْعَتِها، وحبس ابنه. وهكذا كان لجهاز المظالم أثر كبير في رفع الظلم وانتشار العدل، وتطبيق الشريعة على الجميع، مهما كانت منزلتهم.
==========
علي بن نايف الشحود (بتصرف)

الأحد، 11 ديسمبر 2011

ترجيح طريقة الاختيار

ترجيح طريقة الاختيار




وحيث قد ذكرنا أن طريقة الاختيار أولى في نظري من طريقة العهد، وطريقة التغلب على السلطة بالقوة، فلابد من ذكر أمور نرجح بها هذه الطريقة:

الأمر الأول: أن اجتماع أهل الحل والعقد وأهل الفضل والصلاح وتشاورهم في اختيار الإمام من أروع صور الشورى بين المسلمين، وإن لم يكن هذا هو عين الشورى فماذا يكون؟

وأضيف إلى هذه الحقيقة أن يكون الاختيار أساسه الشورى كان هو رأي عمر نفسه، فقد روى عنه عبد الرزاق في «المصنف» أنه قال: «الإمارة شورى»، وروى عنه بسند قوله: «من دعا إلى إمارة نفسه أو غيره من غير شورى من المسلمين فلا يحل لكم إلا أن تقتلوه» وروى عنه ولده عبد اللَّه بن عمر أنه قال لأهل الشورى قبل وفاته: «من تأمر منكم من غير شورى من المسلمين فاقتلوه».

وإذا كانت الشورى هي طريقة اختيار الحاكم فإن ذلك يعني أن الأمة يجب أن يكون لها رأي فيمن يتولى شئون الحكم في الدولة الإسلامية، فمسئولية الاختيار راجـعة إلى الأمة نفسها، وقد كان حكم عمـر بن الخطاب ـ رضي اللَّه عنه ـ في ذلك واضحًا حين قرر أن من حاول أن يفرض نفسه أو غيره دون رضا المسلمين المبني على مشاورتهم ـ وجب أن يعاقب عقاب المفسدين في الأرض «فلا يحل لكم إلا أن تقتلوه».

وليس في أصول الإسلام ـ القرآن والسنة ـ ولا في المأثور عن الصحابة ـ رضي اللَّه عنهم ـ أن هناك وسيلة معينة لإجراء هذه الشورى، ولا نظامًا محددًا لتطبيقها؛ وذلك لأن هذا الأمر مما لا يجوز حمل الناس بشأنه على طريقة واحدة لا تتغير وإنما يجب أن تراعى فيه ظروف الزمان والمكان، وليس أدل على صحة هذا الفهم من أن أسلوب الشورى التي سبقت اختيار كل واحد من الخلفاء الأربعة الراشدين كان مختلفًا تأثرًا بالظروف التي سبقت وعاصرت اختيار كل خليفة، وقد تختلف أساليب الشورى وتتعدد صورها ويبقى مع ذلك الهدف واحدًا وواضحًا، وليس ثمة جدال في أن أسلوب الشورى اليوم لا يمكن أن يتفق مع أي من الأساليب التي اتبعت في اختيار الخلفاء الراشدين لكن ذلك ليس هو الأمر الأساس، إنما الأمر الأساس أن لا تفقد الأمة حقها في اختيار حاكمها وأن تمارس حقها في الشورى في ظل مختلف الظروف .

الأمر الثاني: أن الطريقة التي تم فيها عقد الإمامة لخليفة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأول رئيس للدولة الإسلامية بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كان بالاختيار أعني: عقد الإمامة لأبي بكر الصديق رضي اللَّه عنه فقد اجتمع الصحابة رضوان اللَّه عليهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة وقبل أن ينظروا في أي شيء في سقيفة بني ساعدة للنظر في اختيار من يخلف النبي صلى الله عليه وسلم في قيادة الأمة، وجرى التداول بينهم في هذا الشأن، فتعددت الاقتراحات، واختلفت الآراء فيمن يكون رئيسًا للدولة، فالأنصار يرون أنهم أحق بها لأنهم آووا النبي صلى الله عليه وسلم ونصروه وأيدوه في دعوته وبذلوا في سبيل نصرته كل غال ونفيس، والمهاجرون يرون أنهم أحق بها؛ لأنهم قوم النبي صلى الله عليه وسلم، وأول من اتبعه وهاجر معه وترك الأهل والوطن في سبيل نصرته صلى الله عليه وسلم ولما كان الهدف من ذلك الاجتماع وتلك الاقتراحات هو التوصل إلى ما فيه صلاح الأمة ـ وانتظام شأنها ـ اتفق المجتمعون على ترشيح أبي بكر الصديق واختياره إمامًا وخليفة لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولقد أجمع المسلمون عدا الرافضة على أن أبا بكر الصديق هو أولى الأمة بخلافة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، إلا أنه جرى خلاف بينهم:
هل كان عقد الإمامة له بالاختيار أو بعهد من النبي صلى الله عليه وسلم؟ فالقول المختار في هذه المسألة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعهد بالخلافة لأحد لا لأبي بكر، ولا لغيره، وإنما الصحابة ـ رضي اللَّه عنهم ـ نظروا فوجدوا خيرهم وأفضلهم وأحبهم إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أبا بكر، فاتفقوا على اختياره من بينهم، وقلدوه أمورهم، فهذا الرأي هو الذي عليه اتفق المحققون من أهل التواريخ والسير.

ومن أقوى ما يستدل به على هذا الرأي أن عقد الإمامة كان بالاختيار وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعهد له بها ـ اختلاف الصحابة فيمن يخلف الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان متقررًا لدى كل مسلم أن الصحابة ـ رضوان اللَّه عليهم ـ لا يعارضون أمرًا له صلى الله عليه وسلم، فلو كان قد عهد بالخلافة لأبي بكر لما وقع الخلاف المتقدم بينهم.

يوضح هذا أنه لما روي قوله صلى الله عليه وسلم:«الأئمة من قريش» انصاع لهذا النص الجميع، وسلموا ولم يبق في نفس أحد شيء من عقد الإمامة لأبي بكر الصديق، وقد روى عبد اللَّه بن عمر ـ رضي اللَّه عنهما ـ أنه قال: «لما أصيب عمر قيل له: استخلف يا أمير المؤمنين؟ قال: إن أستخلف فلقد استخلف من هو خير مني ـ يعني: أبا بكر ـ وإن لا أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني ـ يعني: رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ـ»(56) .
وهذا نص صريح من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي اللَّه عنه ـ على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يوص لأبي بكر بالخلافة، وقد روي عن عائشة رضي اللَّه عنها أنها سئلت: «من كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مستخلفًا لو استخلف؟» ، وهذا يوضح أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يستخلف أي أحد ولم يعهد لأحد بالخلافة.

وأهل الرأي الثاني يذهبون إلى أن عقد الإمامة لأبي بكر كان بعهد ووصية من الرسول عليه الصلاة والسلام وهذا يتنافى مع ما قدمت من أدلة، وما يحتج به أهل هذا الرأي من أدلة يزعمون أنها تدعم قولهم وتؤيده فسأناقشها بعد عرضها وأبين أنها لا تدل على ما ذهبوا إليه.

==============
انظر :
* الجامع لأحكام القرآن
*منهاج السنة النبوية
*فتح الباري

إمامة أبي بكر الصديق

إمامة أبي بكر الصديق



اختلف أهل العلم في نصية الإمامة لأبي بكر الصديق من النبي صلى الله عليه وسلم ومن أدلة من قال بنصية إمامته رضي الله عنه ما يلي:
الدليل الأول: ما رواه البخاري ومسلم في «صحيحيهما» عن جبير بن مطعم قال: أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن جئت فلم أجدك؟ كأنها تريد الموت، قال: «إن لم تجديني فآتي أبا بكر»(58).

الدليل الثاني: ما في «الصحيحين» عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا فإني أخاف أن يتمنى متمنٍ ويقول قائل: أنا أولى» ثم قال: «ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر».

وفي رواية: «فلا يطمع في هذا الأمر طامع».
وفي رواية قال: «ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر لأكتب لأبي بكر كتابًا لا يختلف عليه» ثم قال: «معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر» . 

الدليل الثالث: ما رواه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اقتدوا بالَّلذين من بعدي أبي بكر وعمر» .

الدليل الرابع: تقديم النبي صلى الله عليه وسلم (له في إمامة الصلاة أيام مرضه).

الدليل الخامس: قوله صلى الله عليه وسلم: «لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً» .

الدليل السادس: ما في «الصحيحين» عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: «بينما أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو فنـزعت منها ما شاء اللَّه ثم أخذها ابن أبي قحافة فنـزع منها ذنوبًا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف واللَّه يغفر له، ثم استحالت غربًا فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه حتى ضرب الناس بعطن» .

الدليل السابع: حديث أنس ـ رضي اللَّه عنه ـ قال: بعثني بنو المصطلق إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن سَلْه إلى من ندفع صدقاتنا بعدك؟ فأتيته فسألته فقال: «إلى أبي بكر».

هذا أقوى ما استدل به القائلون بأن عقد الإمامة لأبي بكر كان بالنص. 

ونحن إذا تأملنا هذه الأدلة ومحصناها متجردين من التعصب للرأي ـ وجدناها لا توصل إلى ما ذهبوا إليه، وغاية ما تدل عليه فضل أبي بكر وأولويته في الخلافة، وهذا محل اتفاق بين الجميع لم يقع فيه خلاف، إنما الخلاف الذي وقع: هل الرسول صلى الله عليه وسلم عهد بالخلافة أو لم يعهد بها له؟
أما الدليل الأول وهو أن امرأة أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن جئت فلم أجدك؟ ـ كأنها تريد الموت ـ قال: «إن لم تجديني فآتي أبا بكر»، فهو لا يدل على استخلاف الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر، لأنه يحتمل أن المرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم لتسأله عن مسألة علمية، أو تسأله عن حاجة دنيوية، وإذا كان الدليل محتملاً بطل الاستدلال به.

وأما استدلالهم بما في «الصحيحين» عن عائشة ـ رضي اللَّه عنها ـ وعن أبيها قالت: قال لي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى»، ثم قال: «يأبى اللَّه والمؤمنون إلا أبا بكر» وفي رواية: «فلا يطمع في هذا الأمر طامع» ، وفي رواية قال: «ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر لأكتب لأبي بكر كتابًا لا يختلف عليه»، ثم قال: «مَعاذ اللَّه أن يختلف المؤمنون في أبي بكر»
فمعارض:

أولاً: باحتمال أن يكون أراد صلى الله عليه وسلم أن يكتب لأبي بكر كتابًا يتعلق بشئون أهله من بعده أو بتوليته منصبًا دينيا كإمامة الصلاة أو غيرها.
وثانيا: وهو الأقوى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكتب لأبي بكر كتابًا.

أما استدلالهم بحديث حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر» فمُعارض بأنه لو دل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم نص على خلافة أبي بكر ـ للزمت الدلالة منه على أن الرسول صلى الله عليه وسلم نص على خلافة عمر، وهذا لم يقل به أحد ممن يعتد بقوله.

أما استدلالهم بتقديمه عليه الصلاة والسلام لأبي بكر في الصلاة ـ فلا يلزم منه أن يكون خليفة له في الإمامة العظمى لأن إمامة الصلاة تختلف عن الإمامة العظمى وليس كل من يصلح للقيام بإمامة الصلاة يصلح لتولي الإمامة.

وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً»، وقوله عليه الصلاة والسلام أيضًا يقول:«بينما أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو فنـزعت منها ما شاء اللَّه ثم أخذها ابن أبي قحافة فنـزع منها ذنوبًا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف واللَّه يغفر له، ثم استحالت غربًا فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه حتى ضرب الناس بعطن» ـ فغاية ما فيهما الدلالة على فضل أبي بكر الصديق ـ رضي اللَّه عنه ـ وهذا محل اتفاق لا خلاف فيه؛ فاتضح بيقين أن خلافة أبي بكر الصديق كانت بالاختيار والاتفاق من الصحابة ـ رضوان اللَّه عليهم ـ وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينص على أحد بالخلافة لا لأبي بكر ولا علي ولا العباس ولا غيرهم.

قال ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى في هذه المسألة، حيث قال في «منهاج السنة»: «التحقيق أن النبي صلى الله عليه وسلم دلَّ المسلمين على استخلاف أبي بكر وأرشدهم إليه بأمور متعددة من أقواله وأفعاله، وأخبر بخلافته إخبار راض بذلك حامد له» إلى أن قال: «فخلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها وثبوتها ورضا اللَّه ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم له بها، وانعقدت بمبايعة المسلمين له واختيارهم إياه اختيارًا استندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل اللَّه ورسوله بها وأنها حق وأن اللَّه أمر بها وقدرها، وأن المؤمنين يختارونها وكان هذا أبلغ من مجرد العهد بها، لأنه حينئذ يكون طريق ثبوتها العهد، وأما إذا كان المسلمون اختاروه من غير عهد ودلت النصوص على صوابهم فيما فعلوه ورضا اللَّه ورسوله بذلك كان دليلاً على أن الصديق كان فيه من الفضائل التي بان بها عن غيره ما علم المسلمون به أنه أحقهم بالخلافة فإن ذلك لا يحتاج إلى عهد خاص» ، ولو كانت الخلافة منصوصًا عليها لأبي بكر ـ رضي اللَّه عنه ـ من النبي صلى الله عليه وسلم لما أخذ أبو بكر بيدي عمر وأبي عبيدة بن الجراح في السقيفة وقوله: «قد اخترت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم» في القصة التي أوردها البخاري في كتاب الحدود، فلو أن هنالك عهدًا لما جاز لأبي بكر أن يحيد عنه.
===============
انظر :
*الفتح
*صحيح البخاري(  كتاب فضائل الصحابة )
* منهاج السنة النبوية
الـعهــد إلـى الأبـنـــاء




أصبح من المألوف منذ قيام الدولة الأموية إلى يومنا هذا عهد الآباء إلى الأبناء أو الإخوة. 

وقد اختلف أهل العلم في جواز ذلك إلى قولين:
 القول الأول: الجواز في ذلك لأنه أمير الأمة، والأعلم بالأصلح لها، وأمره نافذ عليهم ووجب عليهم السمع والطاعة له.

قال ابن خلدون في «مقدمته»: «ولا يتهم الإمام في هذا الأمر، وإن عهد إلى أبيه أو ابنه؛ لأنه مأمون النظر لهم في حياته، فأولى أن لا يتحمل فيها تبعة ما بعد مماته، خلافًا لمن قال باتهامه في الولد والوالد، أو لمن خصص اتهامه بالولد دون الوالد، فإنه بعيد عن الظنة في ذلك كله، لاسيما إذا كانت هناك داعية تدعو إليه من إيثار مصلحة أو توقع مفسدة فتنـتفي الظنة عند ذلك رأسًا، كما وقع في عهد معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون سواه...إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس» .

القول الثاني: عدم الجواز، وذلك لأن العهد كالشهادة فلا تقبل شهادة الرجل لأصوله ولا لفروعه.

الترجيح:
والذي يترجح عندي هو الرأي الثاني، فإن الخلفاء الراشدين كانوا أبعد عن هذا الأمر، فأبو بكر لم يعهد لابنه من بعده بل عهد إلى عمر ـ رضي اللَّه عنهم أجمعين ـ، وعمر لم يعهد إلى ابنه بل جعلها شورى بين الستة وجعله من أهل الشورى، وشدد على أنه ليس له من الأمر شيء فلا يتولى الخلافة، وكذلك عثمان لم يعهد إلى أحد من أقاربه، وعلي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه حين سأله رجل: ألا تعهد يا أمير المؤمنين؟ قال: لا؛ ولكني أترككم كما ترككم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

فوجب علينا الاقتداء بهؤلاء الأعلام والسير على نهجهم، وأخذ سنـتهم رضي اللَّه عنهم، ومن أجاز العهد للأبناء إنما اشترط رجحان وتيقن المصلحة وأمن الفتنة، وإلا فإن الإمامة لا تُورث وليست حكرًا على عائلة بعينها لا تخرج منها.

قال ابن خلدون: «وأما أن يكون القصد بالعهد حفظ التراث على الأبناء فليس من المقاصد الدينية، إذ هو أمر من اللَّه يخصُّ به من يشاء من عباده، وينبغي أن تحسن فيه النية ما أمكن خوفًا من العبث بالمناصب الدينية، والملك للَّه يؤتيه من يشاء» وشدد ابن حزم رحمه اللَّه على هذا الأمر فقال: «لا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أنه لا يجوز التوارث فيها».


==============
انظر:
*منهاج السنة النبوية
*مقدمة ابن خلدون

رأي الشيعة في الإمامة

رأي الشيعة في الإمامة


 الشيعة لغة: هم الصحب والأتباع. 

ويطلق في عرف الفقهاء والمتكلمين من الخلف والسلف على: أتباع علي بن أبي طالب وبنيه رضي اللَّه عنهم.

ومذهبهم جميعًا المتفقون عليه أن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة، ويتعين القائم بها بتعيينهم بل هي ركن الدين وقاعدة الإسلام، ولا يجوز لنبي إغفالُهُ، ولا تفويضه إلى الأمة، بل يجب عليه تعيين الإمام لهم، ويكون معصومًا من الكبائر والصغائر، وأن عليا ـ رضي اللَّه عنه ـ هو الذي عينه صلوات اللَّه وسلامه عليه بنصوص ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم لا يعرفها جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة، بل أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه، أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة.

وتنقسم هذه النصوص عندهم إلى جلي وخفي: 

فالجلي مثل قوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه»(أخرجه الترمذي: «كتاب المناقب» باب مناقب علي بن أبي طالب رضي الله عنه) قالوا: ولم تطرد هذه الولاية إلا من علي، ولهذا قال له عمر: أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة، ومنها قوله: «أقضاكم علي» ولا معنى للإمامة إلا القضاء بأحكام اللَّه وهو المراد بأولي الأمر الواجبة طاعتهم بقوله: ﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ﴾ [النساء: 59] والمراد الحكم والقضاء، ولهذا كان حَكَمًا في قضية الإمامة يوم السقيفة دون غيره، ومنها قوله: «من يـبايعني على روحه وهو وصي وولي هذا الأمر من بعدي؟» فلم يـبايعه إلا علي.

ومن الخفي عندهم بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا لقراءة سورة براءة في الموسم حين أنزلت؛ فإنه بعث بها أولاً أبا بكر ثم أوحي إليه: ليـبلغه رجل منك أو من قومك، فبعث عليا ليكون القارئ المبلغ، قالوا: وهذا يدل على تقديم علي، وأيضًا فلم يعرف أنه قدم أحدًا على (علي).

وأما أبو بكر وعمر فقدم عليهما في غزوتين أسامة بن زيد مرَّةً وعمرو بن العاص مرة أخرى، وهذه كلها أدلة شاهدة بتعين علي للخلافة دون غيره، فمنها ما هو غير معروف، ومنها ما هو بعيد عن تأويلهم، ثم منهم من يرى أن هذه النصوص تدل على تعيين علي وتشخيصه، وكذلك تنـتقل منه إلى من بعده وهؤلاء هم الإمامية، ويتبرءون من الشيخين حيث لم يقدما عليا ويـبايعاه بمقتضى هذه النصوص.

ثم اختلفت أقوال هؤلاء الشيعة في مساق الخلافة بعد علي: فمنهم من ساقها في ولد فاطمة بالنص عليهم واحدًا بعد واحد ـ على ما يذكر بعد ـ وهؤلاء يسمون: الإمامية نسبة إلى مقالتهم باشتراط معرفة الإمام وتعيينه في الإيمان، وهي أصل عندهم، ومنهم من ساقها في ولد فاطمة لكن بالاختيار من الشيوخ، ويشترط أن يكون الإمام منهم عالمًا زاهدًا جوادًا شجاعًا داعيا إلى إمامته، وهؤلاء هم الزيدية نسبة إلى صاحب المذهب، وهو زيد بن علي بن الحسين السبط، وقد كان يناظر أخاه محمدًا الباقر على اشتراط الخروج على الإمام، فيلزمه الباقر أن لا يكون أبوهما زين العابدين إمامًا لأنه لم يخرج ولا تعرض للخروج، وكان مع ذلك ينعي عليه مذاهب المعتزلة، وأخذه إياها عن واصل ابن عطاء، ولما ناظر الإمامية زيدًا في إمامة الشيخين، ورأوه يقول بإمامتهما ولا يتبرأ منهما ـ رفضوه ولم يجعلوه من الأئمة، وبذلك سموا رافضة.

ومنهم من ساقها بعد علي وابنيه السبطين على اختلافهم في ذلك إلى أخيهما محمد ابن الحنفية، ثم إلى ولده، وهم الكيسانية نسبة إلى كيسان مولاه، وبين هذه الطوائف اختلافات كثيرة تركناها اختصارًا .

====================
انظر :
* الفصل في المللو الأهواء والنحل

طريقة الاختيار والانتخاب

طريقة الاختيار والانتخاب

فأما الطريقة الأولى وهي الاختيار للإمام يقوم بها أهل الحل والعقد، وهي الطريقة التي تمت بها تولية أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب رضي اللَّه عنهما.
فقد روى البخاري في «صحيحه» عن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه قال: «..وأنه قد كان من خبرنا حين توفى اللَّه نبيه صلى الله عليه وسلم أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر:
انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟
فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم ألا تقربوهم اقضوا أمركم، فقلت: واللَّه لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمّل بين ظهرانيهم>
فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ فقالوا: يوعك، فلما جلسنا قليلاً تشهد خطيبهم فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد: فنحن أنصار اللَّه وكتيبة الإسلام، وأنتم رهط، وقد دفَّت دافَّة من قومكم _فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر_، فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت أداري منه بعض الحسد فلما أردت أن أتكلم .
قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أغضبه فتكلم فكان هو أحلم مني وأوقر، واللَّه ما ترك كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت.
فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم.
فأخذ بيدي ويد أبي عبيدة عامر بن الجراح وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان واللَّه أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني من ذلك إثم أحب إلي من أن أتأمَّر على قوم فيهم أبو بكر، اللَّهم إلا أن تسول إلي نفسي عند الموت شيئًا لا أجده الآن، فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار» .

فهؤلاء أهل الفضل والحل والعقد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، وبايعوا أبا بكر ـ رضي اللَّه عنه ـ ثم تلتها بيعة عامة في المسجد لباقي الناس كما أورده البخاري في «صحيحه» عن أنس بن مالك رضي اللَّه عنه.

أما قصة تولية علي بن أبي طالب ـ رضي اللَّه عنه ـ فقد أوردها ابن كثير في «البداية والنهاية» فقال:
«ذكر سيف بن عمر عن جماعة من شيوخه، قالوا: بقيت المدينة خمسة أيام بعد مقتل عثمان وأميرها الغافقي بن حرب يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر، والمصريون يلحون على علي وهو يهرب منهم إلى الحيطان، ويطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه، والبصريون يطلبون طلحة فلا يجيبهم، فقالوا فيما بينهم: لا نولي أحدًا من هؤلاء الثلاثة، فمضوا إلى سعد بن أبي وقاص .
فقالوا: إنك من أهل الشورى فلم يقبل منهم، ثم راحوا إلى ابن عمر فلم يقبل منهم، فحاروا في أمرهم، ثم قالوا: إن نحن رجعنا إلى أمصارنا بقتل عثمان من غير إمرة اختلف الناس في أمرهم ولم نسلم، فرجعوا إلى علي بن أبي طالب فألحوا عليه، وأخذ الأشتر النخعي بيده فبايعه، وذلك يوم الخميس الرابع والعشرين من ذي الحجة، وذلك بعد مراجعة الناس لهم في ذلك، وكلهم يقول: لا يصلح لها إلا علي، فلما كان يوم الجمعة وصعد المنبر بايعه من لم يبايعه بالأمس .

وقد اختلف في كيفية هذه الطريقة على أقوال:

القول الأول: أن الإمامة لا تصح إلا بإجماع فضلاء الأمة في أقطار البلاد.

القول الثاني: أن الإمامة تصح بعقد أهل حضرة الإمام والموضع الذي فيه قرار الأئمة.

القول الثالث: وإليه ذهب أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي إلى أن الإمامة لا تصح بأقل من عقد خمسة رجال.

وقد ناقش أبو محمد علي بن حزم هذه الآراء فقال:
«أما من قال: إن الإمامة لا تصح إلا بعقد فضلاء الأمة في أقطار البلاد فباطل؛ لأنه تكليف ما لا يطاق، وما ليس في الوسع، وما هو أعظم الحرج، واللَّه تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وقال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج:78].
ولا حرج ولا تعجيز أكثر من تصرف إجماع فضلاء من في المولتان والمنصورة إلى بلاد مِهره إلى عدن إلى أقاصي المصامدة إلى طنجة إلى الأشبونة إلى جزائر البحر إلى سواحل الشام إلى أرمينية إلى جبل الفتح إلى أسمار وفرغانة وأسروشنة إلى أقاصي خراسان إلى الجورجان إلى كابل المولتان، فما بين ذلك من المدن والقرى، ولابد من ضياع أمور المسلمين قبل أن يجمع جزء من مائة جزء من فضلاء أهل هذه البلاد، فبطل هذا القول الفاسد مع أنه لو كان ممكنًا لما لزم؛ لأنه دعوى بلا برهان».

وأما قول الجبائي وهو: «أن الإمامة لا تنعقد إلا بخمسة»، فقد ناقشه ابن حزم أيضًا حيث قال: «أما قول الجبائي فإنه تعلق بفعل عمر ـ رضي اللَّه عنه ـ في الشورى، إذ قلدها ستة رجال، وأمرهم أن يختاروا واحدًا منهم، فصار الاختيار منهم بخمسة فقط، وهذا ليس شيئًا لوجوه:

أولها: أن عمر لم يقل: إن تقليد الاختيار أقل من خمسة لا يجوز، بل قد جاء عنه أنه قال: إن مال ثلاثة منهم إلى واحد وثلاثة إلى واحد، فاتبعوا الثلاثة الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، فقد أجاز عقد ثلاثة.

ووجه ثان وهو: أن فعل عمر ـ رضي اللَّه عنه ـ لا يلزم الأمة حتى يوافق نص قرآن أو سنة، وعمر كسائر الصحابة ـ رضي اللَّه عنهم ـ لا يجوز أن يخصه وجوب اتباعه دون غيره من الصحابة رضي اللَّه عنهم.

والثالث: أن أولئك الخمسة رضي اللَّه عنهم قد تبرءوا من الاختيار، وجعلوه إلى واحد منهم يختار لهم وللمسلمين من رآه أهلاً للإمامة، وهو عبد الرحمن بن عوف وما أنكر ذلك أحدٌ من الصحابة الحاضرين ولا الغائبين إذ بلغهم ذلك، فقد صحَّ إجماعهم على أن الإمامة تنعقد بعقد واحد.

فإن قال قائل: إنما جاز ذلك لأن خمسة من فضلاء المسلمين قلدوه قيل له: إن كان هذا عندك اعتراضًا فالتزم مثله سواء بسواء فمن قال لك: إنما صح عقد أولئك الخمسة لأن الإمام الميت قلَّدهم ذلك، ولولا ذلك لم يجز عقدهم، وبرهان ذلك أنه إنما عقد لهم الاختيار منهم لا من غيرهم، فلو اختاروا من غيرهم لما لزم الانقياد لهم، فلا يجوز عقد خمسة أو أكثر إلا إذا قلدهم الإمام ذلك، أو من قال لك: إنما صح عقد أولئك الخمسة لإجماع فضلاء أهل ذلك العصر على الرضا بمن اختاروه، ولو لم يجمعوا على الرضا به لما جاز عقدهم، وهذا مما لا مخلص منه أصلاً فبطل هذا القول بيقين.

قلت: وما ذكره أبو محمد من أن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه كغيره من الصحابة بالأخذ بقوله غير صحيح، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر».
ولما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عليكم بسنتي وسنـة الخلفاء الراشدين المهديين من بعـدي تمسكوا بها» .

وقد روي عن أبي هاشم المعتزلي أنه يرى انعقاد الإمامة بواحد، مستدلاًّ بظاهر قصة مبايعة عمر ـ رضي الله عنه ـ لأبي بكر الصديق حيث قام وقال: اُمدد يدك أبايعك، وبأن عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ هو الذي عقد الإمامة لعثمان ـ رضي الله عنه ـ كما أيد رأيه هذا بأن قال: من المحتمل أن يموت إمام المسلمين ويفاجئهم العدو أو ينفتح عليهم ثغر، فلو عمدوا إلى التشاور والتداول والبحث عن أهل الفضل والصلاح والسير الحميدة ليعقدوا للإمام، لغلبهم العدو قبل أن يفرغوا من التداول والتشاور وتعيين الإمام، وهذا ليس بشيء؛ لأن مبايعة عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ لأبي بكر الصديق كانت بموافقة جُل الصحابة الحاضرين في السقيفة، أما مبايعة عبد الرحمن بن عوف لعثمان فكانت برضا أعضاء الشورى حيث وكلوا الأمر إليه وفوضوه في أن يختار الإمام الذي يرى فيه المقدرة على تحقيق مصالح المسلمين.

====================
انظر :
 * البداية والنهاية
*الفصل في الملل والأهواء والنحل
* الأحكام السلطانية ، للماوردي

تعيين الإمام بالنص

تعيين الإمام بالنص

قال الشيعة الإمامية  :
إن نصب الإمام لا يكون إلا بالنص أو الاختيار من الأمة، ولكنهم حرصاً منهم على حصر الإمامة في علي بن أبي طالب رضي الله عنه نقدوا مبدأ الاختيار، وقالوا: يجب على الله لطفاً منه نصب إمام بنص صريح في آياته، وما على النبي إلا أن يبلغ ما أنزل إليه، وقد فعل، فنص على أن علياً هو الخليفة من بعده.

وأطالوا في تأييد رأيهم بأدلة نقلية وعقلية وتاريخية .
أذكر بعضاً منها بإجمال وردّ أهل السنة عليها.

الأدلة الواردة في القرآن والسنة :

استدلوا بالآيات القرآنية الدالة على وجوب التزام أوامر الله والرسول، مثل: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} [الحجرات:1/49] {وربك يخلق ما يشاء ويختار ، ما كان لهم الخِيَرة} [القصص:68/28] {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخِيَرة من أمرهم} [الأحزاب:36/33] فليس للناس اختيار أمام أمر الله ، فمن يختاره للنبوة والإمامة، وجبت طاعته، وبما أن الإمامة من الوظائف الدينية الموكول أمرها إلى الله ، فتكون مما قضى الله ورسوله فيها بالنص.

لكن يلاحظ أن هذه الآيات ليست واردة في شأن الإمامة، وإنما تفيد النهي عن الاجتهاد بالرأي الشخصي حالة وجود نص على الحكم الشرعي في القرآن والسنة.

كذلك استدلوا بآيات من القرآن تفيد في زعمهم النص على إمامة علي، مثل قوله تعالى: {قل: لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} [الشورى:23/42] وقرابته: أهل بيته وهم علي وفاطمة وابناهما ، لكن ثقات العلماء يبينون أن هذه الآية نزلت قبل زواج علي بفاطمة.

وبرهنوا على مذهبهم من السنة بأحاديث أهمها:

1 - حديث غدير خم :

وهو الذي أخرجه الطبراني والنسائي وأحمد والحاكم عن زيد بن أرقم في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، وفيه: «يا أيها الناس، إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله» .
والواقع أن هذا الحديث غير صحيح، قال الإيجي: لا صحة للحديث، إذ لم ينقله أكثر أصحاب الحديث، بل إن علياً رضي الله عنه لم يكن يوم الغدير مع النبي صلّى الله عليه وسلم ، بل كان في اليمن، وإن سلِّم فرواته لم يرووا مقدمة الحديث  .
وقال ابن تيمية: مع افتراض أن النبي قاله يوم الغدير فإنه لم يرد به الخلافة قطعاً، ولكن الشيعة يزكون الحديث، ويعتبرونه صحيحاً لأنه يوافق مبدأهم  .
وقال الباقلاني: إن لكلمة (مولى) معاني كثيرة، فمنها المولى بمعنى الناصر، ومنها المولى بمعنى ابن العم، ومنها المولى بمعنى الموالي المحب، ومنها المولى بمعنى المكان والقرار، ومنها المولى بمعنى المعتِق المالك للولاء، ومنها المولى بمعنى المعتَق الذي مُلك ولاؤه، ومنها المولى بمعنى الجار، ومنها المولى بمعنى الصهر، ومنها المولى بمعنى الحلف. فهذا جميع ما يحتمله قوله مولى، وليس من معنى هذه اللفظة أن المولى إمام واجب الطاعة.
والذي قصده النبي بهذه الكلمة ـ على فرض صحتها ـ يحتمل أمرين.

أحدهما ـ من كنت ناصره على دينه وحامياً عنه بظاهري وباطني وسري وعلانيتي، فعلي ناصره على هذه السبيل.

والثاني ـ من كنت محبوباً عنده، وولياً له على ظاهري وباطني، فعلي مولاه، أي أن ولاءه ومحبته


من ظاهره وباطنه واجب، كما أن ولائي ومحبتي على هذه السبيل واجب  .

2 - حديث المنزلة :

حينما خلف النبي صلّى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه على المدينة بعد خروجه لغزوة تبوك.
قال المنافقون: إنما خلفه لأنه يبغضه، فبلغ ذلك علياً، فبكى واشتكى إلى النبي صلّى الله عليه وسلم قائلاً: «أتخلفني في النساء والصبيان؟!» فرد النبي: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي» وهذا حديث صحيح متواتر. فسَّره الشيعة بما يثبت خلافة علي؛ لأن تشبيه علي بهارون يثبت له كل منازل هارون فيما عدا النبوة. ومن منازله: الأخوة والوزارة، والخلافة، وولاية الأمر بعده لو عاش بعد موسى، وكونه شريكاً في أمره.

وقال أهل السنة: ليس الحديث حجة في الدلالة على إمامة علي، لكونه مخصوصاً بواقعة حال معينة: وهي الاستخلاف على المدينة، كما يستخلف كل قائد أحداً بعده في إدارة ولايته حال غيبته. ثم إن النبي صلّى الله عليه وسلم قد خلف علياً في أهله، وليست الخلافة في الأهل كالخلافة على البشر.
والاستخلاف المقيد بالغيبة لا يكون باقياً بعد انقضائها، كما لم يبق في حق هارون  .

وقد أجاب الباقلاني عنه بأنه لا يجب أن نفهم من هذا الحديث بأنه نص على خلافته بعده؛ لأن معناه أني أستخلفك على أهلي وعلى المدينة إذا توجهت إلى هذه الغزوة.
وهذا واضح من سياق الحديث الذي رواه سعد بن أبي وقاص قال: إن علياً لحق بالنبي صلّى الله عليه وسلم بعد أن استخلفه، وقال له: أتتركني مع الأخلاف؟! فأجابه الرسول صلّى الله عليه وسلم بقوله: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى،إلا أنه لا نبي بعدي» .

3 - حديث الراية يوم خيبر :

قال النبي صلّى الله عليه وسلم محدداً أوصاف علي لقيادته معركة خيبر: «لأعطين الراية غداً إلى رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرَّار غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على يده» وهو حديث صحيح رواه البخاري والترمذي والحاكم.
هذه الصفات أصبحت خاصة بعلي رضي الله عنه، مما يدل على أفضليته وبالتالي أحقيته للإمامة؛ لأن الإمامة للأفضل.
ورد أهل السنة على الاستدلال به بأنه لا ملازمة بين كونه محباً لله ولرسوله ومحبوباً منهما، وبين كونه إماماً، كما لا يلزم من إثباتهما له نفيهما عن غيره .
فقد قال الله تعالى في حق أبي بكر: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي بقوم يحبهم ويحبونه} [المائدة:54/5] وقال في حق أهل بدر: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص} [الصف:4/61].

الأدلة العقلية :

استدل الشيعة بأدلة عقلية كثيرة على وجوب النص على الإمام من قبل الله ، وهي في جملتها تتفق مع مبدئهم في عصمة الإمام، وتوجه النقد إلى طريقة تعيينه بالاختيار.

من هذه الأدلة قولهم  : لا يجوز إسناد أمر الإمامة إلى الناس؛ لأنها أهم أركان الدين، فالذي شرع الأحكام وجب عليه النص على من لا تتم الأحكام الشرعية إلا بنصبه لطفاً من الله ورحمة منه بعباده.

ولا يترك الاختيار للأمة؛ لأن الإمام خليفة الله أو لرسوله، وليس خليفة للأمة.

ثم إن ترك الإمامة لاختيار الناس يفضي إلى اختلاف الناس وانتشار الفتن وقيام التنازع والحروب والهرج والمرج، وكل ذلك فساد في الأرض، والله لا يحب الفساد.


وليس الاختيار مضمون النتائج، فقد يخطئ الناس في تعيين المستحق لهذا المنصب الخطير الذي هو نظير منصب النبوة لقيامه بحراسة شؤون الدين والدنيا؛ وذلك أن كل شخص سيختارحسب مصلحته الشخصية لا بمقتضى المصلحة الكلية والحكمة الإلهية، بل إنه لم يحدث أن قامت إمامة على الاختيار الحر والمشيئة المطلقة لجمهور المسلمين.

يظهر من هذه الأدلة ونحوها أنها هي الانتقادات الموجهة للنظام الديمقراطي بوجه عام لقيامه على مبدأ سلطة الأمة وأحقيتها في اختيار الإمام. ولا شك أن ذلك صحيح، ولكن الفلاسقة السياسيين ما زالوا يحاولون إصلاح الخلل الواقع في النظام الديمقراطي، كما أن الفقهاء المسلمين وضعوا ضوابط وشروطاً دقيقة في المرشح للخلافة سأذكرها، وفيما الضمانة الغالبة من الوقوع في خطأ الاختيار.

الأدلة التاريخية :

إن اعتقاد الشيعة بضرورة النص على الإمام كان رد فعل لوقائع التاريخ التي صدمت أمانيهم  ، وأدت إلى نكبة آل البيت التي تستثير عاطفة كل مسلم صادق بعيد عن التأثرات السياسية.

إنهم يفترضون أنه لا بد من أن يعين الرسول صلّى الله عليه وسلم خليفة من بعده، حتى لا تقع أمته في بحر من الفتن والاضطرابات والاختلافات التي أخبر عنها بقوله: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة..» ( رواه الطبراني في الكبير والبزار ورجاله رجال الصحيح ) ولو جاء التاريخ والأحاديث المدونة بغير ذلك، وجب أن نتشكك في وقائع التاريخ وصحة الأحاديث، ونتهمها بالكتمان وتشويه الحقيقة.

وأما أهل الحل والعقد الذين يختارون الإمام فكانوا مرتع النزاع والخصام والخلاف، بسبب اعتقاد كل واحد أنه أحق بزعامة الأمة. والواقع ـ كما يرون ـ أنه لم تتم بيعة لإمام بالاختيار أو الشورى أو رضا الأمة، إذ عين عمر بالنص من أبي بكر، وعثمان بالشورى بين ستة حددهم عمر ثم صارت القضية بولاية العهد.


ولكن يلاحظ أن التاريخ لا تتقرر أحكامه بالافتراض، والاحتمال المنطقي، وإنما يعتمد الخبر والرواية والنظر في مدى صحتها وصدقها وتمحيص الوثائق المنقولة. وما اعتمد عليه الشيعة من أخبار ناتج عن الفكرة المسيطرة على أذهانهم سابقاً بوجوب النص، واستخلاف علي رضي الله عنه بالذات.

والخلاصة:
أنه لم يثبت يقيناً نص صريح قطعي يدل على إمامة علي أو غيره، ولم يصح في ذلك شيء عند أحد من أئمة النقل  .

طرق تنصيب الحاكم

طرق تنصيب الحاكم

   لا يخفى أنّ إمامة المسلمين أمانةٌ عظمى ومسئوليّةٌ كبرى، لا قيام للدّين إلاّ بها، ولا تنتظم مصالح الأمّة إلاّ بسلطانٍ مطاعٍ، ولا يستطيع القيام بها إلاّ من كان على درجةٍ من التّأهيل تمكّنه من حملها، فمن قام بهذه المسئوليّة -في حدود القدرة والطّاقة- على خير وجهٍ، وأدى هذه الأمانة بصدقٍ وإخلاصٍ كان في عِدَادِ من يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه(١).

    وسياسة النّاس وَفْق شرعِ الله تعالى من أعظم واجبات إمام المسلمين، وهو مطلبٌ جوهريٌّ أساسيٌّ، لا تتحقّق متطلَّبات الرّعية وما تنشده من حفظ الدّين وإقامة العدل وإزالة الظّلم إلاّ تبعًا لتحقيق ذاك المطلب العزيز، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [النور: 41]، وصلاحُ الرّعيّة وفسادُها متوقِّفٌ على أولي الأمر، قال ابن تيميّة -رحمه الله-: «وأولو الأمر أصحاب الأمر وذووه؛ وهم الذين يأمرون النّاس؛ وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة وأهل العلم والكلام؛ فلهذا كان أولو الأمر صنفين: العلماء والأمراء، فإذا صلَحوا صلَح النّاس، وإذا فسَدوا فسَد النّاس»(٢).

    هذا، وإنّ من أعظم الأدلّة على وجوب نصبِ الإمام الأعظم وبذلِ البيعة له قولَه صلّى الله عليه وآله وسلّم: «وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِمَامُ جَمَاعَةٍ فَإِنَّ مَوْتَتَهُ مَوْتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ»(٣)، وقولَه: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»(٤)،
«وذلك أنّ أهل الجاهلية لم يكن لهم إمامٌ يجمعهم على دينٍ ويتألّفهم على رأيٍ واحدٍ، بل كانوا طوائفَ شتّى وفرقًا مختلفين، آراؤهم متناقضةٌ وأديانهم متباينةٌ، وذلك الذي دعا كثيرًا منهم إلى عبادة الأصنام وطاعة الأزلام»(٥)، ولأنّ المقصود من نصب الإمام الأعظم هو اجتماعُ الكلمة ولمُّ الشّمل، وإقامةُ الدّين وتنفيذُ أحكام الله تعالى، ورفعُ الظّلم ونشرُ العدل، وصيانة الأعراض واستتبابُ الأمن، وفضُّ المنازعات، والأخذُ على يد الظّالم وإنصافُ المظلوم، وجهادُ أعداء الإسلام، وحمايةُ حوزة البلاد وحفظُ بيضة المسلمين، وقمعُ الشّرّ والفساد، وأخذُ الحقوق الواجبة على ما اقتضاه الشّرع، ووضعُها في مواضعها الشّرعيّة، قال الجوينيّ -رحمه الله-: «ولا يرتاب من معه مَسْكةٌ من عقلٍ أنّ الذّبّ عن الحوزة، والنّضالَ دون حفظِ البيضة محتومٌ شرعًا، ولو تُرك النّاس فوضى لا يجمعهم على الحقّ جامعٌ، ولا يَزَعُهم وازعٌ، ولا يردعهم عن اتّباع خطوات الشّيطان رادعٌ، مع تفنُّن الآراء وتفرُّق الأهواء؛ لانتثر النّظام، وهلك العظام، وتوثّبت الطَّغام(٦) والعوامّ، وتحزّبت الآراء المتناقضة، وتفرّقت الإرادات المتعارضة، وملك الأرذلون سراةَ النّاس، وفُضّت المجامع، واتّسع الخرقُ على الرّاقع، وفَشَتِ الخصوماتُ، واستحوذ على أهل الدّين ذوو العرامات(٧)، وتبدّدت الجماعات، ولا حاجةَ إلى الإطناب بعد حصول البيان، وما يَزَعُ الله بالسّلطان أكثرُ مما يَزَعُ بالقرآن»(٨)، لذلك كانت الإمامةُ موضوعةً لخلافة النّبوّة في حفظ الدّين وسياسة الدّنيا، قال ابن خلدون -رحمه الله-: «إنّ نصْبَ الإمام واجبٌ قد عُرف وجوبه في الشّرع بإجماع الصّحابة والتّابعين، لأنّ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكرٍ رضي الله عنه وتسليمِ النّظر إليه في أمورهم، وكذا في كلّ عصرٍ من بعد ذلك، ولم تُترك النّاسُ فوضى في عصرٍ من الأعصار، واستقرّ ذلك إجماعا دالاًّ على وجوب نصب الإمام»(٩).

    هذا، وانعقاد الإمامة الكبرى يتمّ بإحدى الطّرق التّالية:

    • الطّريق الأوّل: الاختيار والبيعة من أهل الحلّ والعقد

    أهل الحلّ والعقد من قادة الأمّة الذين يتمتّعون بالعلم والرّأي والمشورة والتّوجيه مخوَّلٌ لهم اختيار إمام المسلمين -نيابةً عن الأُمَّة- وَفْق شروطِ ومعاييرِ الإمامة الكبرى، فإذا ما بايعه أهل الحلّ والعقد ثبتت له بذلك ولاية الإمام الأعظم، ولزمت طاعتُه، وحَرُمت مخالفتُه فيما يأمر به وينهى بالمعروف، وليس من شروط ثبوت الإمامة والطّاعة أن يكون كلُّ مسلم من جملة المبايعين له، وإنّما تلزم بيعةُ أهل الحلّ والعقد كلَّ واحدٍ ممّن تَنْفُذُ فيه أوامره ونواهيه، لأنّ المسلمين أمّةٌ واحدةٌ وجسدٌ واحدٌ، تجمعهم الأخوّة الإيمانية وتربطهم العقيدة الإسلاميّة، وهم في الحقوق والحرمات سواءٌ؛ لقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يَرُدُّ مُشِدُّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ، وَمُتَسَرِّيهِمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ، لاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلاَ ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ»(١٠).
قال الشّوكانيّ -رحمه الله-: «طريقها أن يجتمع جماعةٌ من أهل الحلّ والعقد فيعقدون له البيعة ويقبل ذلك، سواء تقدّم منه الطّلب لذلك أم لا، لكنّه إذا تقدّم منه الطّلب فقد وقع النّهي الثّابت عنه صلّى الله عليه وسلّم عن طلب الإمارة(١١)، فإذا بويع بعد هذا الطّلب انعقدت ولايتُه وإن أَثِمَ بالطّلب، هكذا ينبغي أن يقال على مقتضى ما تدلّ عليه السّنّة المطهّرة، ... والحاصل أنّ المعتبر هو وقوع البيعة له من أهل الحلّ والعقد، فإنّها هي الأمر الذي يجب بعده الطّاعةُ ويَثْبُتُ به الولاية وتحرم معه المخالفة، وقد قامت على ذلك الأدلّة وثبتت به الحجّة ... قد أغنى الله عن هذا النّهوض وتجشُّم السّفر وقطع المفاوز ببيعة من بايع الإمامَ من أهل الحلّ والعقد، فإنّها قد ثبتت إمامته بذلك ووجبت على المسلمين طاعتُه، وليس من شرط ثبوت الإمامة أن يبايعه كلّ من يصلح للمبايعة، ولا من شرط الطّاعة على الرّجل أن يكون من جملة المبايعين، فإنّ هذا الاشتراط في الأمرين مردودٌ بإجماع المسلمين: أوّلهم وآخرهم، سابقهم ولاحقهم»(١٢).

    وبهذا الطّريق تمّت مبايعة أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه، فثبتت خلافته بالبيعة والاختيار(١٣) في سقيفة بني ساعدة، قال القرطبيّ -رحمه الله-: «وأجمعت الصّحابة على تقديم الصّدّيق بعد اختلافٍ وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التّعيين»(١٤).

    • الطّريق الثّاني: ثبوت البيعة بتعيين وليّ العهد

    وذلك بأن يعهد وليّ الأمر إلى من يراه أقدر على مهمّة حماية الدّين وسياسة الدّنيا، فيخلفه مِن بعدِه، فإنّ بيعته على الإمامة تلزم بعهدِ مَن قبله، كمثل ما وقع مِن عهدِ أبي بكرٍ رضي الله عنه لعمر رضي الله عنه، فإنّ الصّدّيق رضي الله عنه لمّا حضرتْه الوفاة عَهِد إلى عمر رضي الله عنه في الإمامة، ولم ينكر ذلك الصّحابة رضي الله عنهم، وقد اتّفقت الأمّة على انعقاد الإمامة بولاية العهد، وقد عَهِدَ معاوية رضي الله عنه إلى ابنه يزيد وغيرهم، ويدلّ عليه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أعطى الرّاية يوم مؤتة زيد بن حارثة وقال: «فَإِنْ قُتِلَ زَيْدٌ أَوِ اسْتُشْهِدَ فَأَمِيرُكُمْ جَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ أَوِ اسْتُشْهِدَ فَأَمِيرُكُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ»(١٥)، فاستُشهدوا جميعًا، ثمّ أخذها خالد بن الوليد ولم يكن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تقدّم إليه في ذلك، والحديث دلّ على وجوب نصب الإمام والاستخلاف، قال الخطّابيّ: «فالاستخلاف سنّةٌ اتّفق عليها الملأ من الصّحابة، وهو اتّفاق الأمّة لم يخالف فيه إلاّ الخوارج والمارقة الذين شقّوا العصا وخلعوا ربقة الطّاعة»(١٦).

    • الطّريق الثّالث: ثبوت البيعة بتعيين جماعة تختار وليّ العهد

    وذلك بأن يعهد وليّ الأمر الأوّل إلى جماعةٍ معدودةٍ تتوفّر فيها شروط الإمامة العظمى، لتقوم باختيار وليّ العهد المناسب فيما بينهم يتوالَوْن عليه ويبايعونه، كمثل ما فعل عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، حيث عَهِدَ إلى نفرٍ من أهل الشّورى لاختيار واحد منهم، قال الخطّابيّ -رحمه الله-: «ثمّ إنّ عمر لم يُهملِ الأمر ولم يُبطلِ الاستخلاف، ولكنْ جعله شورى في قومٍ معدودين لا يعدوهم، فكلّ من أقام بها كان رضًا ولها أهلاً، فاختاروا عثمان وعقدوا له البيعة»(١٧)، ثمّ لمّا استُشهد عثمان رضي الله عنه بايعوا عليًّا رضي الله عنه.

    • الطّريق الرّابع: ثبوت البيعة بالقوّة والغلبة والقهر

    إذا غلب على النّاس حاكمٌ بالقوّة والسّيف حتّى أذعنوا له واستقرّ له الأمر في الحكم وتمّ له التّمكين، صار المتغلّبُ إمامًا للمسلمين وإن لم يستجمع شروط الإمامة، وأحكامُه نافذةٌ، بل تجب طاعته في المعروف وتحرم منازعته ومعصيته والخروج عليه قولاً واحدًا عند أهل السّنّة، ذلك لأنّ طاعته خيرٌ من الخروج عليه، لِما في ذلك من حقن الدّماء وتسكين الدّهماء، ولِما في الخروج عليه من شقّ عصا المسلمين وإراقة دمائهم، وذهاب أموالهم وتسلُّطِ أعداء الإسلام عليهم، قال الإمام أحمد -رحمه الله-: «ومن خرج على إمامٍ من أئمّة المسلمين وقد كان النّاس اجتمعوا عليه وأقرّوا له بالخلافة بأيّ وجهٍ كان بالرّضا أو الغلبة؛ فقد شقّ هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فإن مات الخارج مات ميتة جاهليّة، ولا يحلّ قتال السّلطان ولا الخروج عليه لأحدٍ من النّاس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السّنّة والطّريق»(١٨).

    وقد حكى الإجماع على وجوب طاعة الحاكم المتغلّب الحافظ ابن حجر في «الفتح»(١٩)، والشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب في «الدّرر السّنيّة»(٢٠).

    قلت: ومن الإمامة التي انعقدت بالغلبة والقوّة ولاية عبد الملك بن مروان، حيث تغلّب على النّاس بسيفه واستتبّ له الأمر في الحكم، وصار إمامًا حاكمًا بالغلبة، ومن ذلك ولاية بني أميّة في الأندلس: انعقدت لهم بالاستيلاء والغلبة، مع أنّ الخلافة قائمة في بغداد للعبّاسيّين.

    فهذه هي الطّرق التي تثبت بها الإمامة الكبرى فتنعقد بالاختيار والاستخلاف سواء بتعيين وليِّ عهدٍ مستخلَفٍ أو بتعيين جماعةٍ تختار من بينها وليّ عهد، وهما طريقان شرعيّان متّفقٌ عليهما، فإذا بايعه أهل الحلّ والعقد بالاختيار لزمت بيعتُهم سائرَ من كان تحت ولايته، كما تلزمهم البيعةُ الحاصلة بالاستخلاف، وكذا المنعقدة عن طريق القهر والغلبة، فالبيعة حاصلةٌ على كلّ أهل القطر الذي تولّى فيه الحاكم المستخلَف أو المتغلّب ممّن يدخلون تحت ولايته أو سلطانه.

    أمّا انعقاد الولاية أو الإمامة العظمى بأساليب النُّظُم المستوردة الفاقدة للشّرعيّة الدّينيّة -فبغضّ النّظر عن فساد هذه الأنظمة وحكمِ العمل بها- فإنّ منصب الإمامة أو الولاية يثبت بها ويجري مجرى طريق الغلبة والاستيلاء والقهر، وتنعقد إمامة الحاكم وإن لم يكن مستجمِعًا لشرائط الإمامة، ولو تمكّن لها دون اختيارٍ أو استخلافٍ ولا بيعةٍ، قال النّوويّ -رحمه الله-: «وأمّا الطّريق الثّالث فهو القهر والاستيلاء، فإذا مات الإمام، فتصدّى للإمامة من جمع شرائطها من غير استخلافٍ ولا بيعةٍ، وقهر النّاس بشوكته وجنوده، انعقدت خلافتُه لينتظم شملُ المسلمين، فإن لم يكن جامعًا للشّرائط بأنْ كان فاسقًا أو جاهلاً فوجهان، أصحُّهما: انعقادها لما ذكرناه، وإن كان عاصيًا بفعله»(٢١)، وعليه تلزم طاعتُه ولو حصل منه ظلمٌ وجَوْرٌ، ولا يطاع إلاّ في المعروف دون المعصية؛ لقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ»(٢٢)، وقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»(٢٣).
قال أبو الحسن الأشعريّ -وهو يعدّد ما أجمع عليه السلف من الأصول: «وأجمعوا على السّمع والطّاعة لأئمّة المسلمين وعلى أنّ كلّ من وَلِيَ شيئًا من أمورهم عن رضًى أو غلبةٍ وامتدّت طاعتُه من بَرٍّ وفاجرٍ لا يلزم الخروج عليهم بالسّيف، جار أو عدل»(٢٤)، وقال الصّابونيّ: «ويرى أصحاب الحديث الجمعةَ والعيدين، وغيرَهما من الصّلوات خلف كلّ إمامٍ مسلمٍ بَرًّا كان أو فاجرًا. ويَرَوْنَ جهاد الكفرة معهم وإن كانوا جَوَرَةً فَجَرَةً، ويَرَوْنَ الدّعاء لهم بالإصلاح والتّوفيق والصّلاح وبَسْطِ العدل في الرّعيّة، ولا يَرَوْنَ الخروج عليهم وإن رَأَوْا منهم العدول عن العدل إلى الجَوْرِ والحيف، ويَرَوْنَ قتال الفئة الباغية حتّى ترجع إلى طاعة الإمام العدل»(٢٥)، وقال ابن تيميّة -رحمه الله-: «فأهل السّنّة لا يطيعون ولاة الأمور مطلقًا، إنّما يطيعونهم في ضمن طاعة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، كما قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النّساء: 59]»(٢٦)، وقال -رحمه الله- أيضًا: «مذهب أهل الحديث تركُ الخروج بالقتال على الملوك البغاة، والصّبرُ على ظلمهم إلى أن يستريحَ بَرٌّ أو يُستراحَ من فاجرٍ»(٢٧)، وقال النّوويّ –رحمه الله-: «لا تُنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلاّ أن تَرَوْا منهم منكرًا محقَّقًا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأَنْكِروه عليهم وقولوا بالحقّ حيث ما كنتم، وأمّا الخروج عليهم وقتالُهم فحرامٌ بإجماع المسلمين، وإن كانوا فَسَقَةً ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرتُه، وأجمع أهل السّنّة أنّه لا ينعزل السّلطان بالفسق»(٢٨).

    أمّا إن تولّى الكافرُ الحُكْمَ: فإن توفّرت القدرة والاستطاعة على تنحيته وتبديله بمسلمٍ كفءٍ للإمامة مع أمن الوقوع في المفاسد وجبت إزالته إجماعًا، لأنّ الله تعالى قال: ﴿وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59]، والكافر لا يُعدّ من المسلمين، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاَةَ»(٢٩)، وقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ»(٣٠)، وقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «لاَ، مَا صَلَّوْا»(٣١)، قال ابن حجر -رحمه الله-: «وملخَّصه أنّه ينعزل بالكفر إجماعًا، فيجب على كلّ مسلم القيام في ذلك: فمن قَوِيَ على ذلك فله الثّواب، ومن داهن فعليه الإثم»(٣٢).

    فإن عجزوا عن إزالته وإقامة البديل، أو لا تنتظم أمور السّياسة والحكم بإزالته في الحال خشيةَ الاضطراب والفوضى وسوء المآل؛ فالواجب الصّبر عليه وهم معذورون، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التّغابن: 16]، وقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «فَإذا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»(٣٣)، وهذا أحقّ موقفًا من الخروج عليه؛ لأنّ «دَرْءَ المَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ المَصَالِحِ»؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وتُلْحَق هذه الصّورة بالمرحلة المكّيّة التي كان عليها النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وأصحابه قبل الهجرة، فقد كانوا تحت ولاية الكفّار، وقد أُمروا فيها بالدّعوة إلى الله تعالى وكفّ الأيدي عن القتال والصّبر حتّى يفتح الله عليهم أمرهم ويفرّج كربهم وهو خير الفاتحين والمفرّجين، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: 77].

    هذا، وجديرٌ بالتّنبيه أنّه إذا تعدّد الأئمّة والسّلاطين فالطّاعة في المعروف إنّما تجب لكلّ واحدٍ منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي تنفذ فيه أوامره ونواهيه، وضمن هذا السّياق يقول الشّوكانيّ -رحمه الله-: «وأمّا بعد انتشار الإسلام واتّساع رقعته وتباعُد أطرافه، فمعلومٌ أنّه قد صار في كلّ قطرٍ أو أقطارٍ الولايةُ إلى إمامٍ أو سلطانٍ، وفي القطر الآخَرِ أو الأقطار كذلك، ولا ينفذ لبعضهم أمرٌ ولا نهيٌ في قطر الآخر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته، فلا بأس بتعدُّد الأئمّة والسّلاطين، ويجب الطّاعة لكلِّ واحدٍ منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر، فإذا قام من ينازعه في القطر الذي قد ثبتت فيه ولايته وبايعه أهله كان الحكم فيه أن يُقتل إذا لم يتبْ، ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعتُه ولا الدّخول تحت ولايته لتباعُد الأقطار، ...

    فاعرفْ هذا فإنّه المناسب للقواعد الشّرعيّة، والمطابق لما تدلّ عليه الأدلّة، ودَعْ عنك ما يقال في مخالفته، فإنّ الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلاميّة في أوّل الإسلام وما هي عليه الآن أوضَحُ من شمس النّهار، ومن أنكر هذا فهو مباهتٌ لا يستحقّ أن يخاطب بالحجّة لأنّه لا يعقلها»(٣٤).
==============
   ١- في حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري في «الأذان» باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد (660)، ومسلم في «الزكاة» (1/ 457) رقم (1031) عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، ...»، الحديث.

    ٢- «مجموع الفتاوى» لابن تيميّة (28/ 170).

    ٣- أخرجه الحاكم في «مستدركه» (1/ 77) رقم (259، 403)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وصحّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (2/ 677) رقم (984).

    ٤- أخرجه مسلم في «الإمارة» (1851) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

    ٥- «العزلة» للخطّابي (57-58).

    ٦- الطَّغام: أراذل الناس وأوغادهم، ويطلق -أيضا- على الأحمق [انظر: «القاموس المحيط» للفيروز آبادي (1463)].

    ٧- العرامة: الشدّة والشراسة والقوّة والجهل والأذى [انظر: «القاموس المحيط» للفيروز آبادي (1467)، «لسان العرب» لابن منظور (12/ 395)].

    ٨- «غياث الأمم» للجويني (23-24).

    ٩- «المقدّمة» لابن خلدون (171).

    ١٠- أخرجه أبو داود في «الجهاد» باب في السريّة تردّ على أهل العسكر (2751) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، وصحّحه الألباني في «إرواء الغليل» (7/ 266) رقم (2208).

    ١١- من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لاَ تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، ...» [أخرجه البخاري في «الأحكام» باب من لم يسأل الإمارة أعانه الله عليها (7146)، ومسلم في «الأيمان» (1652)].

    ١٢- «السيل الجرّار» للشوكاني (4/ 511-513).

    ١٣- ومن العلماء من يرى أنّ خلافته ثبتت بالنصّ والإشارة من النبي صلّى الله عليه وسلّم [انظر: «شرح العقيدة الطحاويّة» لابن أبي العزّ الحنفي (533)].

    ١٤- «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (1/ 264).

    ١٥- أخرجه أحمد في «مسنده» (1/ 204)، من حديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما. وصحّحه أحمد شاكر في تحقيقه ﻟ«مسند أحمد» (3/ 192)، والألباني في «أحكام الجنائز» (209).

    ١٦- «معالم السنن» للخطّابي (مع سنن أبي داود) (3/ 351).

    ١٧- المصدر السابق، الجزء والصفحة نفسها.

    ١٨- «المسائل والرسائل» للأحمدي (2/ 5).

    ١٩- «فتح الباري» لابن حجر (13/ 7) وقد حكاه عن ابن بطّال -رحمه الله-.

    ٢٠- «الدرر السنيّة في الأجوبة النجديّة» (7/ 239).

    ٢١- «روضة الطالبين» للنووي (10/ 46).

    ٢٢- أخرجه البخاري في «الأحكام»، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية (7145)، ومسلم في «الإمارة» (1840)، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

    ٢٣- أخرجه أحمد في «مسنده» (1/ 131)، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وصحّحه أحمد شاكر في تحقيقه ﻟ«مسند أحمد» (2/ 248)، والألباني في «صحيح الجامع» (7520).

    ٢٤- «رسالة إلى أهل الثغر» للأشعري (296).

    ٢٥- «عقيدة السلف» للصابوني (92).

    ٢٦- «منهاج السنّة» لابن تيميّة (2/ 76).

    ٢٧- «مجموع الفتاوى» لابن تيميّة (4/ 444).

    ٢٨- «شرح النووي على مسلم» (12/ 229).
    ويمكن مراجعة المصادر التالية: «الاعتقاد» للبيهقي (242-246)، «اعتقاد أئمة الحديث» للإسماعيلي (75-76)، «الشريعة» للآجرّي (38-41)، «مقالات الإسلاميّين» للأشعري (1/ 348)، «الإبانة» للأشعري (61)، «الشرح والإبانة» لابن بطّة (276-278)، «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزّ (2/ 540-544)، «العقيدة الواسطية» مع شرحها للهرّاس (257-259).

    ٢٩- أخرجه مسلم في «الإمارة» رقم (1855)، من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه.

    ٣٠- أخرجه البخاري في «الفتن» باب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم «سَتَرَوْنَ بَعْدِي أُمُورًا تُنْكِرُونَهَا» (7056)، ومسلم في «الإمارة» رقم (1709)، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

    ٣١- أخرجه مسلم في «الإمارة» رقم (1854)، من حديث أمّ سلمة رضي الله عنها.

    ٣٢- «فتح الباري» لابن حجر (13/ 123).

    ٣٣- أخرجه البخاري في «الاعتصام بالكتاب والسنّة»، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (7288)، ومسلم في «الحج» رقم (1337)، واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

    ٣٤- «السيل الجرّار» للشوكاني (4/ 512).

أهل الحل والعقد

 أهل الحل والعقد

هم العلماء المختصون (أي المجتهدون) والرؤساء ووجوه الناس الذين يقومون باختيار الإمام نيابة عن الأمة. قال الماوردي: وإن لم يقم بها (أي الإمامة)


أحد، خرج من الناس فريقان: أحدهما ـ أهل الاختيار، حتى يختاروا إماماً للأمة. والثاني ـ أهل الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة، وليس على من عدا هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة حرج ولا مأثم .

ب ـ شروطهم :

يتحدد أولو الحل والعقد بالصفات أو الشروط المطلوبة فيهم، وهي كما ذكر الماوردي ثلاثة هي :

أولاً ـ العدالة الجامعة لشروطها. والعدالة: هي ملكة تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة .
والمراد بالتقوى: امتثال المأمورات الشرعية، واجتناب المنهيات الشرعية.

ثانياً ـ العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على الشروط المعتبرة فيها.

ثالثاً ـ الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للإمامة أصلح، وبتدبير المصالح أقوى وأعرف.

وهذه الشروط يقرها المنطق وتمليها المصلحة، وتوجبها المدنية الحقة، ويفهم منها أن هذه الهيئة بمثابة مجلس الشيوخ في عرفنا الحاضر، على أن يكون أعضاؤه من ذوي الكفاءات العلمية، لا المالية المادية، أو الطبقية، أو كونهم من أهل المدينة لا الريف. لذا قال الماوردي: وليس لمن كان في بلد الإمام على غيره من أهل البلاد فضل مزية تقدم بها على غيره  .
ويلاحظ أن أهل الحل والعقد في السياسة لا يقتصر على ( المجتهدين ) الذي يتولون مهمة استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها، وإنما يشمل فئات أخرى لها ميزاتها في المجتمع.

جـ ـ عددهم :

لا نرى مجالاً صحيحاً للكلام في تحديد عدد أهل الحل والعقد؛ لأن المعول عليه هو ثقة الأمة بهم، وكونهم يمثلون الأمة فيما ترغب وتريد وتتوافرفيهم شروط معينة، فلا يمكن تحديدهم. لكن لمجرد العلم والاطلاع أذكر ما قاله الفقهاء في هذا الشأن، وقد استعرض الماوردي آراءهم، فقال  : اختلف العلماء في عدد من تنعقد به الإمامة منهم، على مذاهب شتى:

1 - قالت طائفة: لا تنعقد إلا بجمهور أهل العقد والحل من كل بلد ليكون الرضاء به عاماً، والتسليم لإمامته إجماعاً، وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر رضي الله عنه على الخلافة باختيار من حضرها، ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها.

2 - وقالت طائفة أخرى: أقل من تنعقد به منهم الإمامة خمسة يجتمعون على عقدها، أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة استدلالاً بأمرين:

أحدهما ـ أن بيعة أبي بكر رضي الله عنه انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها، ثم تابعهم الناس فيها، وهم عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، وأسيد بن حضير، وبشر بن سعد، وسالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنهم.

والثاني ـ أن عمر رضي الله عنه جعل الشورى في ستة ليعقد لأحدهم برضا الخمسة.

وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين من أهل البصرة.

3 - وقال آخرون من علماء الكوفة: تنعقد بثلاثة يتولاها أحدهم برضا الاثنين ليكونوا حاكماً وشاهدين، كما يصح عقد النكاح بولي وشاهدين.

4 - وقالت طائفة أخرى: تنعقد بواحد؛ لأن العباس قال لعلي رضوان الله عليهما: امدد يدك أبايعك، فيقول الناس: عم رسول الله صلّى الله عليه وسلم بايع ابن عمه، فلا يختلف عليك اثنان؛ ولأنه (أي إىجاب العقد) حكم، وحكم واحد نافذ.

=============
انظر :
* الأحكام السلطانية: للماوردي

الخميس، 17 نوفمبر 2011

المعيار الثاني: في عزل الإمام

عــزل الإمـــام (الرئيس أو الحاكم ) في السياسة الشرعية
المعيار الثاني: في عزل الإمام
ظهور رغبة الخليفة في عدم القيام بواجباته الشرعية بشكل واضح بحيث لا يكون ثمة شك في كفره، فإنه في هذه الحالة يخرج من الخلافة ولا تجب له طاعة ولا نصرة.

ويدخل ضمن هذه الصورة استبعاد ولي الأمر ما لخليفة الإسلام من توجيه الحياة العامة والخاصة للجماعة وكل صورة تشابهها ويمكن أن ينتهي فيها المسلم العادي إلى الحكم بكفر الخليفة لأن الرسول أمر المسـلمين بطاعة ولاة الأمور ما لم يروا منهم كفرًا بواحًا لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت المروي في «الصحيحين»: «وأن لا تنازعوا الأمر أهله»، قال: «إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان».

ولا تثار هنا فكرة الفتنة إذ لا فتنة أكبر من ظهور كفر الخليفة أو ولي الأمر أو استبعاد الإسلام من حياة الجماعة «الخليفة توليته وعزله» (ص270_273) صلاح دبوس.

وهذا أمر مجمع عليه بين المسلمين ـ أعني وجوب عزل الإمام بالكفر مهما كان الأمر الذي أوجب كفره أي عمليًّا كان أو اعتقاديًّا ـ.

ومما يوجب الحكم بكفر الإمام الحكم بغير ما أنزل الله كما قال تعالى: { وَمَن لَّمْ يحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}  [المائدة:44]، فإذا رضي الإمام بأن تحكم الأمة بقانون وضعي سواء سمي قانونًا أو دستورًا أو نظامًا وجعل ذلك القانون بديلاً لحكم الله ورسوله فهو كافر يجب خلعه والخروج عليه ولا تبقى له طاعة ولا بيعة في عنق أحد من رعيته بعد كفره.
منقول


« كَفَّارَةُ المَجْلِسِ »

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ » .