| أنت والدنيا
|
|
|
| عن ابن عمر ـ رضى الله عنهما ـ قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال : "كن في الدنيا كأنك غريب ، أو عابر سبيل " ، وكان ابن عمر ـ رضى الله عنهما ـ يقول : إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك . رواه البخاري (1).
دروس وعبر من كلام سيد البشر
التصوف الإسلامي
أولا : سبق وأن تعرضنا للحديث عن حقيقة الزهد ، ولا بأس أن نشير هنا إشارة بسيطة إلى لازم الزهد وهو عدم الحرص وطول الأمل ؛ فالمؤمن الصادق لا ينظر إلى الحياة الدنيا إلا كوسيلة فحسب ، ولا يطلبها إلا تحقيقا لأهدافه الأخروية . . لا حرصا على ملذاتها ، وركونا إليها وأملا في سرابها الخادع ، وذلك للأسباب الموضوعية التالية ، والتي لا يتدبرها إلا عاقل :
1ـ لأن الإنسان إنسان بروحه فهي مناط التكليف لا بجسمه وثيابه ونياشينه ، ومن ثم فلا يسعى إلى خدمة هذه الكتلة المادية وإشباع رغباتها وتلبية احتياجاتها غير الضرورية . . ثم هو يطمع في الثناء والجزاء بل يعمل على تهذيب روحه وعقل شهواتها وكبح جماحها وتطويعها لأمر ربها ، ولله در الإمام محمد بن إدريس الشافعي حيث يقول :
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته .. أتطلب الربح بما فيه خسران
أقبل على النفس واستكمل فضائلها .. فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
وفي هذا روى أبو هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "تعس عبد الدينار وعبد الدرهم ، وعبد الخميصة إن أعطى رضى ، وإن لم يعط سخط ، تعس وانتكس. . . . " (2).
2ـ ولأن ملكية الإنسان للمال ليست ملكية حقيقية بل هي ملكية إضافية ، قال تعالى : {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } [ الحديد :7] عن عبد الله بن الشخير رضى الله عنه ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ : { ألهاكم التكاثر } [ سورة التكاثر ] قال : "يقول ابن آدم : مالي مالي ، وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت " (3).
3ـ كما يدرك أن كثرة المال ابتلاء من المولى ـ عز وجل ـ ، فقد تطغى بعض النفوس بما فتح الله عليها وأمدها من مال ، وإن كان لا يمنع العكس عن أبي الدرداء رضى الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما طلعت شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين " يأيها الناس هلموا إلى ربكم ، فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى " (4).
وذي حادثة أخرى تبين أن من الناس من يصلحه الفقر ويفسده الغنى فعن نقادة الأسدي رضى الله عنه قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل يستمنحه ناقة فرده ، ثم بعثني إلى رجل آخر يستمنحه ، فأرسل إليه بناقة فلما أبصرها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم بارك فيها وفيمن بعث بها " قال نقادة : فقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : وفيمن جاء بها ؟ قال : " وفيمن جاء بها " ثم أمر بها فحلبت فدرت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم أكثر مال فلان ـ للمانع الأول ـ واجعل رزق فلان يوما بيوم " للذي بعث بالناقة (5) .
4ـ وفوق هذا فسيسأل عما ملك وإن قل من أين اكتسبه وبأي طريق جمعه وفيهم أنفقه ؛ لقول الحق سبحانه : { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } [ التكاثر :8] ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : "إن أول ما يسأل عنه العبد من النعيم أن يقال له : ألم نصح لك بدنك ونروك من الماء البارد ؟ ! " (6).
وروى ابن جرير عن أبي هريرة رضى الله عنه قال : بينما أبو بكر وعمر جالسان إذ جاءهما النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " ما أجلسكما ههنا ؟ " قالا : والذي بعثك بالحق ما أخرجنا من بيوتنا إلا الجوع ، قال : "والذي بعثني بالحق ما أخرجني غيره " فانطلقوا حتى أتوا بيت رجل من الأنصار ، فاستقبلتهم المرأة . فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : "أين فلان؟ " فقالت : ذهب يستعذب لنا الماء ، فجاء صاحبهم يحمل قربته ، فقال : مرحبا ما زار العباد شئ أفضل من نبي زارني اليوم ، فعلق قربته بكرب نخلة ، وانطلق فجاءهم بعذق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "ألا كنت أجتنيت ؟ " فقال : أحببت أن تكونوا الذين تختارون على أعينكم ، ثم أخذ الشفرة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : "إياك والحلوب" فذبح لهم يومئذ ، فأكلوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "لتسألن عن هذا يوم القيامة أخرجكم الجوع ، فلم ترجعوا حتى أصبتم هذا ، فهذا من النعيم " (7).
5ـ العاقل لا يقيم للدنيا وزنا فما هو عند الله أهون من الجيفة النتنة ، بله من أن يعبدها ويفنى شبابه في خدمتها وجمعها من الحرام والحلال.
ولقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم الدنيا لصحابته بما يقزز النفوس ، عن جابر رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق ، والناس في كنفتيه ، فمر بجدي أسك ميت ، فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال : "أيكم يحب أن هذا بدرهم ؟ " فقالوا : ما نحب أنه لنا بشئ ، وما نصنع به ؟ قال : "أتحبون أنه لكم ؟ " قالوا : والله لو كان حيا لكان عيبا فيه لأنه أسك ، فكيف وهو ميت ؟ فقال : " والله للدنيا أهون على الله ، من هذا عليكم " (8).
وعن سهل بن سعد رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء " (9).
6ـ ولنا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى والدليل الأقوى على أن بهرجة الدنيا لا وزن لها ولا قيمة مقابل النعيم الأبدي والخير السرمدي ، وحتى نقف على جانب من حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم نورد هذه المجموعة من الأحاديث النبوية :
ـ فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال : ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من طعام ثلاثة أيام تباعا حتى قبض .
ـ وفي رواية قال أبو حازم : أرأيت أبا هريرة يشير بإصبعه مرارا يقول : والذي نفس أبي هريرة بيده ما شبع نبي الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام تباعا من خبز حنطة حتى فارق الدنيا (10).
ـ وعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال : إن فاطمة ـ رضى الله عنها ـ ناولت النبي صلى الله عليه وسلم كسرة من خبز شعير فقال لها : "هذا أول طعام أكله أبوك منذ ثلاثة أيام"(11).
ـ وعن أبي أمامة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "عرض على ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا ، قلت : لا يا رب ، ولكن أشبع يوما ، وأجوع يوما " ، وقال : ثلاثا أو نحو هذا : "فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك وإذا شبعت شكرتك وحمدتك " (12).
ـ وعن أبي هريرة رضى الله عنه أنه مر بقوم بين أيديهم شاة مصلية فدعوه فأبى أن يأكل ، وقال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير(13).
ـ وعن عروة عن عائشة ـ رضى الله عنها ـ أنها كانت تقول : والله يا ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال ، ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين ، وما أوقد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار . فقلت : يا خالة ، فما كان يعيشكم ؟ قالت : الأسودان التمر والماء إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار وكانت لهم منايح فكانوا يرسلون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانها فيسقيناه (14).
ـ وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال : نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فقام وقد أثر في جبه قلنا : يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء ؟ فقال : "مالي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها " (15).
ـ وعن عمرو بن الحارث رضى الله عنه قال : ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته درهما ولا دينارا ، ولا عبدا ، ولا أمة ، ولا شيئا إلا بلغته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه ، وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة (16).
ثانيا : يورث الحرص وطول الأمل نتائج سلبية خطيرة : ـ
أولا : يسبب قلة الحياء من المولى ـ عز وجل ـ ، فقد روى عن عائشة ـ رضى الله عنها ـ قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والناس حوله : "أيها الناس استحيوا من الله حق الحياء " فقال رجل : يا رسول الله إنا لنستحيى من الله تعالى ، فقال : "من كان منكم مستحييا فلا يبيتن الليلة إلا وأجله بين عينيه ، وليحفظ البطن وما وعى ، والرأس وما حوى ، وليتذكر الموت والبلى ، وليترك زينة الدنيا " (17).
ثانيها : وطول الأمل ونسيان الأجل أمارة على الشقاء والعياذ بالله كما بين ذلك صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أنس رضى الله عنه : "أربعة من الشقاء : جمود العين ، وقسوة القلب ، وطول الأمل ، والحرص على الدنيا " (18).
وثالثها : يسبب الحرص قسوة القلب التي تناولنا البحث فيها بشئ من التفضيل في بعض الأحاديث السابقة .
الفقهية
" . . . . أو عابر سبيل " .
قال تعالى : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل } [ التوبة :60] .
فتعطى الزكاة الواجبة إذا لابن السبيل الذي تغرب في غير معصية شريطة أن يكون حرا ، مسلما ، غير هاشمي يحتاج إلى ما يوصله إلى بلده ، ولو كان غنيا ببلده لكنه لم يجد مقرضا ، ويصدق الغريب في ادعائه الغربة بلا يمين ، وتنزع منه الزكاة إن جلس في بلد الغربة وكان غنيا في بلده .
الاجتماعية
شأن الغريب عن أهله ووطنه ، وكذا عابر السبيل الذي نزل في طريقه بمكان ما للاستراحة وليجدد قوته ، الإعراض عن كل ما يلهيه عن مقصده أو يطيل في غربته ، وذا هو حال المؤمن الكيس ، فلا ينافس الناس متاع الدنيا الزائل ، ولا يخاصم في سبيل عرضها الحائل.
ومن ثم فتذكر الموت خير واعظ ، ومن لم يعظه هادم اللذات كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا واعظ له ، عن ابن عمرو ـ رضى الله عنهما ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أكثروا ذكر هادم اللذات ـ يعني الموت ـ فإنه ما كان في كثير إلا قلله ، ولا قليل إلا جزأه " (19).
لقد سما الصحابة الكرام عن بهرج الحياة الدنيا ، وآثروا ما يبقى على ما يفنى ، فنبذوا الخلاف فيها والتنازع عليها ، بل وآثر كل منهم صاحبه على نفسه ، فأثنى عليهم ربهم بقوله تعالى : { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } [ الحشر : 9]
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي ، والنسائي عن أبي هريرة رضى الله عنه قال :
أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أصابني الجهد ، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئا، فقال عليه الصلاة والسلام : "ألا رجل يضيف هذا الرجل الليلة رحمه الله؟".
فقال أبو طلحة : أنا يا رسول الله ، فذهب إلى أهله ، فقال لامرأته : أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : والله ما عندي إلا قوت الصبية ، قال : إذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأطفئي السراج ونطوي الليلة لضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلت ، ثم غدا الرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عليه الصلاة والسلام : "لقد عجب الله الليلة من فلان وفلانة وأنزل فيهما : { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} [ الحشر :9].
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر صحابته بفتح الأمصار واغتنام الغنائم ، وفي نفس الوقت يحذرهم من الافتتان بها ، عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال : نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجوع في وجوه أصحابه فقال : "أبشروا ، فإنه سيأتي عليكم زمان يغدي على أحدكم بالقصعة من الثريد ويراح عليها بمثلها " قالوا : يا رسول الله : نحن يومئذ خير ؟ قال : "بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ " (20).
ويبين لهم أنها السبب في إهلاك الأمم السابقة ، عن عمرو بن عوف الأنصاري رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح رضى الله عنه إلى البحرين يأتي بجزيتها فقدم بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبسم حين رآهم ثم قال : " أبشروا وأملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم ، ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم ، فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم " (21).
والتنافس والتطاحن نتيجة للحرص القاتل على الدنيا يضران بالأمة ويهددان أمنها وأخلاقها واستقرارها ، ويبتران العلاقات الاجتماعية والروابط الأسرية ، ويزعزعان كيان الأمة بأكملها ؛ فتصبح الروابط المادية فوق أي اعتبار ، وتوزن العلاقات الاجتماعية بميزان المصلحة ، وتكال المحبة ، والإخاء ، والرحمة ، والأبوة ، والبنوة ، والزوجية بمكيال الدينار والدرهم .
عن كعب بن عياض قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إن لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال" (22).
وعن أبي سنان الدؤلي أنه دخل على عمر بن الخطاب رضى الله عنه وعنده نفر من المهاجرين الأولين ، فأرسل عمر إلى سفط أتى به من قلعة العراق ، فكان فيه خاتم فأخذه بعض بنيه فأدخله في فيه ، فانتزعه عمر منه ، ثم بكى عمر رضى الله عنه ، فقال له من عنده : لم تبكي وقد فتح الله عليك ، وأظهرك على عدوك وأقر عينك ؟ ! فقال عمر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "لا تفتح الدنيا على أحد إلا ألقى الله ـ عز وجل ـ بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ، وأنا أشفق من ذلك " (23).
ـ وعن جابر بن عبد الله ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم "(24).
وقريب من هذا ما رواه عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، واتقوا الفحش فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش ، وإياكم والشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم ، أمرهم بالظلم فظلموا ، وأمرهم بالفجور ففجروا ، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا " (25).
ـ وعن كعب بن مالك رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه"(26).
النفسية
1ـ إن للشيطان ـ أعاذنا الله منه ـ دراسة وافية عن نفسية البشر ، ومعرفة كاملة بمكامن الضعف والثغرات الخطيرة التي يدلف منها الإنسان لاستهوائه ، ومن بين هذه الثغرات الأمل وعبره ينفث سمومه ووساوسه لإغواء الناس تحقيقا للعهد الذي أخذه على نفسه حين أقسم برب العزة ألا يدخر جهدا في سبيل صد العباد عن صراط ربهم المستقيم ، قال تعالى حكاية عن وسوسة إبليس لوالدي البشرية ـ آدم وحواء ـ : { فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين . وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين . فدلاهما بغرور } [الأعراف:20ـ 22] .
وها هو نفسه يكشف عن هدفه ووسائل تحقيق ذلك الهدف الخبيث كما بينها لنا القرآن الكريم أيضا :
{ إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا . لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا . ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فلغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا . يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا . أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا } [النساء :117 ـ 121] .
فعلى المؤمن أن يسد هذه المنافذ وأن يشدد الحراسة على هذه الثغور النفسية حتى لا يؤتى من قبلها فتــزلق به الأماني.
2ـ الحرص على الدنيا يورث الغفلة عن النعم ، والنعم ابتلاء ومصيرها إلى الزوال ، فلا يلبث الغافل أن يندم عليها ولات حين مناص فلا ينفع السخط ولا التأفف ، بل يزيدان الغافل الحرج والحسرة فلا يفتأ أن يأكل يده ، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ " . وفي صحيح الحاكم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل وهو يعظه : "اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك "
وتوالت الآيات القرآنية في وصف النادمين كقوله تعالى :
{ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون . أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين . أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين . أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين } [الزمر :55 ـ 58 ] .
وقوله تعالى : { حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون . لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون } [ المؤمنون : 99 ـ 100].
وقوله عز وجل : { وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين . ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون } [ المنافقون :10 ، 11 ] .
والندم يورث القلق والأرق وأمراضا عصبية أخرى لا يكون الإنسان في أمان منها إلا إذا اغتنم فراغه وصحته ، وشبابه وحياته في صالح دينه ودنياه قبل أن يجهز عليه أضدادها.
فقه الدعوة
ـ
1ـ أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنكبي عبد الله بن عمر في بداية حديثه له ، ووصيته إليه ؛ إيناسا له وإعلاما بمزيد محبته ، وجمعا لفكره
وذي صلة الداعية بمدعويه التي تضمن فعاليتها في النفوس وتأثيرها في القلوب ، فهو القريب إليهم لا ينظر إليهم نظرة استعلاء واستهجان من أبراج عالية وضع نفسه فيها ، أو رفعته المنابر والأرائك إليها ، شأن بعض المحسوبين على الدعوة اليوم .
2ـ من مقولة سيدنا ابن عمر رضى الله عنه : إذا أمسيت فلا تنتظر . . . المستخلصة من الحديث النبوي نستفيد أن دعوة الداعية يجب أن تنطلق من منطلقها الأساسي : القرآن والسنة النبوية الشريفة .
تطبيق
ـ
قد يبدو لبعض منا التعارض بين ذم طول الأمل والحث على العمل ، والحقيقة الجلية ألا تعارض قط ؛ لأن المرء منا مركب من قبضة الطين ونفخة الروح .
والإسلام بوسطيته يعدل بين هذه وتلك ، وما ذم طول الأمل إلا علاج نبوي شريف لمن انساق وراء شهواته فمالت به إلى كفة المادة على حساب الجانب الأسمى ، ويبرز هذا قويا فيما أثر عن عمر بن الخطاب ـ رضى الله تعالى عنه ـ : اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا .
وعدم الموازنة بين شطري الإنسان إفساد في الأرض كما حذر منه الصالحون من بني إسرائيل : { إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين . وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين } [ القصص :76 ـ 77 ] .
****
المراجع والهوامش
1ـ كن في الدنيا : أي في حال إقامتك فيها .
كأنك غريب : مشبها نفسك وأنت بين أهلك بحال الغريب.
أو عابر سبيل : للتنويع أو للترقي ؛ لأن عابر السبيل أقل استقرارا من سابقه .
وكان ابن عمر يقول : أي من شدة تأثره بهذا الحديث كان كثيرا ما يقول لغيره .
إذا أمسيت : دخلت في المساء .
فلا تنتظر الصباح : بل اعتقد أن الموت أقرب إليك من الصباح .
وخذ من صحتك : من زمن صحتك أوقاتا للطاعات تنفعك .
لمرضك : لزمن مرضك الذي تعجز فيه عن العمل.
ومن حياتك : أي خذ من أيام حياتك أعمالا صالحة تنفعك .
لموتك : لما بعد موتك حيث تنقطع الأعمال والآمال .
2ـ رواه البخاري .
3ـ رواه مسلم ، والترمذي ، والنسائي.
4ـ رواه أحمد .
5ـ رواه ابن ماجه بسند حسن .
6ـ أخرجه الترمذي ، وابن حبان .
7ـ أخرجه ابن جرير ، ورواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة بنحوه .
8ـ رواه مسلم .
9ـ رواه الترمذي ، وابن ماجه .
10ـ رواه البخاري ومسلم .
11ـ رواه أحمد والطبراني.
12ـ رواه الترمذي .
13ـ رواه البخاري والترمذي .
14ـ رواه البخاري ومسلم .
15ـ رواه الترمذي وابن ماجه .
16ـ رواه البخاري .
17ـ رواه الطبراني في الأوسط.
18ـ رواه البزار .
19ـ رواه الطبراني بإسناد حسن .
20ـ رواه البزار بإسناد جيد.
21ـ رواه البخاري ومسلم .
22ـ رواه الترمذي .
23ـ رواه أحمد بإسناد حسن ، والبزار ، وأبو يعلي .
24ـ رواه مسلم والإمام أحمد .
25ـ رواه أحمد وأبو داود .
26ـ رواه الترمذي |
منقول
فرائض لا تضيعوها |
|
عن أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر رضى الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحد حدودا فلا تبحثوا عنها" حديث حسن رواه الدارقطني وغيره (1).
تخريج الحديث : ـ
(هذا الحديث من رواية مكحول عن أبي ثعلبة الخشني وله علتان :
إحداهما : أن مكحولا لم يصح له السماح عن أبي ثعلبة ، كذلك قال أبو شهر الدمشقي وأبو نعيم الحافظ وغيرهما .
والثانية : أنه اختلف في رفعه ووقفه على أبي ثعلبة ، ورواه بعضهم عن مكحول عن قوله لكن قال الدارقطني : الأشبه بالصواب المرفوع.
قال : وهو أشهر ، وقد حسن الشيخ (2) ـ رحمه الله ـ هذا الحديث وكذلك حسنه قبله الحافظ أبو بكر السمعاني في أماليه ، وقد روى معنى هذا الحديث مرفوعا من وجوه أخر ) (3)
ترجمة الراوي : ـ
هو أبو ثعلبة الخشني ـ جرثوم بن ناشر ـ من قبيلة خشينة ، وهي بطن من قضاعة بن مالك بن حمير ، وهو مشهور بكنيته ، كان ممن بايع تحت الشجرة ، وضرب له صلى الله عليه وسلم بسهمه يوم خيبر وأرسله إلى قومه فأسلموا ، وكان يقول : إني أرجو ألا يخنقني الله كما أراكم تخنقون عند الموت ؛ وحقق الله رجاءه ، فبينما هو في صلاته قبض وهو ساجد سنة خمس وتسعين ، ومروياته أربعون حديثا .
دروس وعبر من كلام سيد البشر
ـ
العقائدية : ـ
أ ـ من أصول العقيدة الصحيحة الإيمان بعالم الغيب جملة وتفصيلا ؛ لقوله تعالى : { الذين يؤمنون بالغيب } [ البقرة : 3] هذا الغيب المتمثل في جميع السمعيات كالملائكة مثلا ، والساعة وما تشمل عليه من بعث ، وحشر ، وصراط ، وميزان ، وجنة ، ونار ، وحوض.
ولا سبيل لنا إلى معرفة ذلك إلا بالوحي الذي يجب أن نقف عنده وليس للمسلم أن يخوض في هذا العالم الرهيب ، ولن يصل لشئ مهما أجهد نفسه .
ولقد أهدر البعض أوقاتهم في الحديث عن أشكال الملائكة ، ووصف كلاليب جهنم ، ومأكولات ، وفرش الجنة ، . . . و . . . وقصورها ، ودورها .
ب ـ كما لا يجوز البحث في الذات العلية ؛ لأن العقل البشري أعجز من تصور ذلك ، والبحث في هذا المجال يبعث الحيرة والشك ثم يرتقي الشك إلى التكذيب . عن أنس رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "قال الله ـ عز وجل ـ : إن أمتك لا يزالون يقولون : ما كذا ؟ ما كذا ؟ حتى يقولوا : هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله " ! " (4).
قال إسحاق بن راهويه : لا يجوز التفكير في الخالق ويجوز للعباد أن يتفكروا في المخلوقين بما سمعوا فيهم ، ولا يزيدون على ذلك ؛ لأنهم إن فعلوا تاهوا ، قال : وقال الله عز وجل : { وإن من شئ إلا يسبح بحمده } [الإسراء:44]
ولا يجوز أن يقال : كيف تسبيح القصاع والأخونة ، والخبز المخبوز ، والثياب المنسوجة وكل هذا قد صح العلم فيهم أنهم يسبحون ، فذلك إلى الله أن يجعل تسبيحهم كيف شاء ، وكما شاء ، وليس للناس أن يخوضوا في ذلك إلا بما علموا ولا يتكلموا في هذا وشبهه ، إلا بما أخبر الله ولا يزيدون على ذلك ، فاتقوا الله ولا تخوضوا في هذه الأشياء المتشابهة ، فإنه يلهيكم الخوض فيه عن سنن الخلق .
الفقهية : ـ
اعتبر القرآن الكريم جملة ما أذن في فعله ، سواء كان عن طريق الوجوب أو الندب أو الإباحة حدود الله ، ومن ثم نهى عن تجاوزها وارتكاب ما نهى عنه ؛ لأنه تعد لتلك الحدود ، قال تعالى : { وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه } [ الطلاق :1] .
إذا من طلق أيام الحيض طلاقا ثلاثا ، مثلا فقد تعدى حدود الله . كما اعتبر القرآن من أمسك بعد أن طلق بغير معروف ، أو سرح بغير إحسان ، أو أخذ مما أعطى المرأة شيئا على غير وجه الفدية التي أذن الله فيها متعديا لحدود الله : {تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون } [ البقرة:229].
وبعد أن فصل الكتاب العزيز أحكام الوراثة ، وبين من له حق الوراثة ومقدار حق كل ، عقب بقوله : { تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار } إلى قوله : { ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين } [ النساء :13 ، 14].
وقد تطلق الحدود ويراد به نفس المحارم كقوله صلى الله عليه وسلم : "مثل القائم على حدود الله والمداهن فيها كمثل قوم اقتسموا سفينة " وأرادوا بالقائم على حدود الله : المنكر للمحرمات الناهي عنها .
وقد تسمى العقوبات المقدرة في الشريعة الإسلامية حدودا كما يقال : حد الزنا ، وحد السرقة ، وحد شرب الخمر ، وهذا هو المعروف من أسماء الحدود في اصطلاح الفقهاء ؛ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة : "أتشفع في حد من حدود الله ؟ ! " يعني به قطع يد السارقة .
وقد حمل بعضهم قوله صلى الله عليه وسلم : "وحد حدودا فلا تعتدوها " على هذه العقوبات الزاجرة عن المحرمات ، وقال : المراد النهى عن تجاوز هذه الحدود وتعديها عن إقامتها على أهل الجرائم .
ولا بأس أن نذكر باقتضاب تلك الحدود التي بينتها الشريعة الإسلامية :
أولا : حد الخمر : فمن ثبت شربه للخمر باعترافه أو بشهادة عدلين فقد وجب عليه الحد وهو ثمانون جلدة على ظهره ؛ لإقامة الني صلى الله عليه وسلم الحد على شاربها بالضرب في فناء المسجد ، كما ورد في الصحيحين.
ثانيا : حد القذف : والقذف هو الرمي بالفاحشة ـ الزنا ـ وهو ثمانون جلدة بالسوط ؛ لقوله تعالى : { فاجلدوهم ثمانين جلدة} [ النور : 4 ] .
ثالثا : حد الزنا : ويختلف باختلاف حال الزاني نفسه ، فإن كان غير محصن ـ يعني غير متزوج ـ كان حده الجلد والتغريب فيجلد مائة ويغرب عاما عن بلده ؛ لقوله تعالى : { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } [النور:2].
وأما إن كان محصنا ، فحده الرجم حتى الموت ؛ لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم فقد رجم الغامدية ، وماعزا ، ورجم اليهوديين (5).
رابعا : حد اللواط : القتل ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " (6).
إلا أنه اختلف في كيفية القتل ، فمن الصحابة من أحرقهما ـ أي الفاعل والمفعول به ـ بالنار ، ومنهم من قتلهما رجما بالحجارة ، أما ابن عباس فقال فيهما : ينظر أعلى بناء في القرية ويرمى بهما منه منكسين ثم يتبعان بالحجارة .
خامسا : حد السرقة : القطع لقوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم } [ المائدة :38].
سادسا : حد المحاربين : المراد بالمحاربين هنا هم قطاع الطرق لأخذ أموال المارة وأرواحهم بقوة السلاح وحدودهم مبينة في هذه الآية الكريمة : { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض } [ المائدة :33] .إلى آخر الحدود المقررة كحد الساحر ، والمرتد ، والزنديق ، وتارك الصلاة .
فقه الدعوة
ـ
من شيمة العلماء العارفين التوقف عند دلالات النصوص الواردة ، والتورع في الفتيا ، وعدم الخوض في الأحكام التوقيفية بالرأي ؛ فهذه أمثلة تبين حذر الأئمة وصالح السلف من الدخول تحت قوله تعالى : { ولا تقولوا فما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب } [ النحل 116] فهذا الإمام أحمد رضى الله عنه يضرب أروع مثل في الورع حين يتوقف في إطلاق لفظ الحرام لاختلاف النصوص أو لاختلاف الصحابة في شئ . ولكن هذا لا يعني توقفه في معنى التحريم ، سئل مرة عن النفير متى يجب ؟ فقال : أما إيجابه فلا أدري ، ولكن إذا خافوا على أنفسهم فعليهم أن يخرجوا .
وقال في متعة النساء : لا أقول : هي حرام ولكن ننهى عنه ، وقال في الجمع بين الأختين بملك اليمين : لا أقول : هو حرام ولكن ننهى عنه .
قال الربيع بن خيثم : ليتق أحدكم أن يقول : أحل كذا ، وحرم كذا ، فيقول الله : كذبت لم أحذ كذا ، ولم أحرم كذا .
وقال ابن وهب : سمعت مالك بن أنس يقول : أدركت علماءنا يقول أحدهم إذا سئل : أكره هذا ولا أحبه ، ولا يقول : حلال ولا حرام .
قال ابن المبارك : أخبرنا سلام بن أبي مطيع عن أبي دخيلة عن أبيه قال : كنت عند ابن عمر فقال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الزبيب والتمر، يعني أن يخلطا ، فقال لي رجل من خلفي : ما قال ؟ فقلت : حرم صلى الله عليه وسلم التمر والزبيب ، فقال عبد الله بن عمر : كذبت ، فقلت : ألم تقل : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فهو حرام ؟ فقال : أنت تشهد بذلك ؟ ! قال سلام : كأنه يقول : نهى النبي صلى الله عليه وسلم فهو أدب ، فأين نحن منهم وهم العلماء الفقهاء ؟ ! وأين دعاتنا من هذا الأدب ؟ !
تطبيق
ـ
إننا نعاني من المتنطعين في هذا العصر الذين يتعمقون في البحث عن المسكوت عنه أكثر مما نعانيه من أعداء الإسلام الكائدين له ؛ لأن كثرة البحث في هذا المجال تنم عن شيئين :
أولا : ضيق الأفق والفكر المتحجر والذهن الخامد لدى ذلك المجتمع، ولله در خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز حيث أرسل يوما إلى أحد ولاته أمرا ، فأرسل الوالي يستوضحه ببعض التفصيلات ، فتجهم الخليفة وكتب إليه من فوره : أما بعد : فأراك لو أرسلت إليك: أن اذبح شاة ووزع لحمها على الفقراء ، لأرسلت إلى تسألني : ضأنا أم معزا ؟ فإن أجبتك أرسلت إلى تسألني : كبيرة أم صغيرة ؟ فإن أجبتك أرسلت تسأل : بيضاء أم سوداء ؟ ! إذا أرسلت إليك بأمر فتبين وجه الحق فيه ثم امضه .
ثانيا : أوهى وسيلة للمراوغة والتلكؤ والمماطلة شأن بني إسرائيل مع موسى عليه السلام : { وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين . قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون . قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين . قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي . . . } [ البقرة :67 ـ 70].
مما سبب التشديد عليهم وهلاكهم ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : "فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم " .
لقد كثر الحديث اليوم في ماهية اللحوم المستوردة وخاض في أحكامها كل من هب ودب ؛ لذا رأيت ذكر ما ورد في صحيح البخاري عن عائشة ـ رضى الله عنها ـ أن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أنذكر اسم الله عليه أم لا ؟ فقال : "سموا عليه أنتم وكلوا " قالت : وكانوا حديثي عهد بالكفر .
وروى عبد الرزاق بإسناده عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال لمن نزل من المسلمين بفارس : إذا اشتريتم لحما فاسألوا ، فإن كان ذبيحة يهودي أو نصراني فكلوا . وهذا لأن الغالب على أهل فارس المجوس وذبائحهم محرمة.
وحديث سلمان الفارسي فيه السؤال عن الجبن ، والسمن ، والفراء ، فإن الجبن كان يصنع بأرض المجوس ونحوهم من الكفار ، وكذلك السمن والفراء كذلك تجلب من عندهم وذبائحهم ميتة ، وهذا مما استدل به على إباحة الميتة وأنفحتها وعلى إباحة طعام المجوس ، وفي ذلك كله خلاف مشهور.
ويحمل على أنه إذا اشتبه الأمر لم يجب السؤال والبحث عنه ، كما قال ابن عمر ـ رضى الله عنهما ـ لما سئل عن الجبن الذي تصنعه المجوس فقال : ما وجدته في سوق المسلمين اشتريته ولم أسأل عنه .
وذكر عند عمر الجبن وقيل : إنه يوضع فيه أنافح الميتة ، فقال : سموا الله وكلوا .
وقال الإمام أحمد : أصح حديث فيه هذا الحديث : يعني جبن المجوس ، وقد روى من حديث ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم ، أتى بجفنة في غزوة الطائف فقال : "أين تصنع هذه ؟ " قالوا : بفارس ، فقال صلى الله عليه وسلم : "ضعوا فيها السكين وقطعوا ، واذكروا اسم الله وكلوا " خرجه الإمام أحمد (7).
وليس لنا ما نذكره بعد إيراد ما سبق غير أنني ألفت انتباه القارئ إلى خطورة الفصل في هذه القضية الشائكة دون اللجوء إلى البحوث المفصلة في هذا الشأن .
****
المراجع والهوامش
ـ
1ـ فرض : أوجب.
فرائض : أمور مقدرة محدودة بأوقات معينة .
فلا تضيعوها : لا تفرطوا فيها بالترك ، أو بالتأخير والتقصير.
حدودا : جمع حد ، وهو في اللغة : الحاجز بين شيئين . وفي الاصطلاح : هو المقدار الذي جعله الله مبينا لما شرع من الأحكام ، فلا تتعدى ما بينه الله لنا وحده في الطلاق والعدة والميراث ، والصوم ، والزكاة . . . إلخ . ويدخل في عموم الحد أيضا الحدود المشروعة للزجر.
تنتهكوها : أي فلا ترتكبوها مقتحمين لها غير مبالين بها .
سكت عن أشياء : فلم يفرضها ولم يحرمها.
رحمة لكم : أي لأجل رحمته بكم .
غير نسيان : لأحكامها : { لا يضل ربي ولا ينسى } [ طه : 52].
فلا تبحثوا عنها : بالسؤال عن حكمها ، واكتفوا بما بينت لكم أحكامه فقد يكون السؤال نفسه سببا للتشديد والتضييق ، كما هو الشأن مع بني إسرائيل.
2ـ يحيى بن شرف الدين النووي.
3ـ جامع العلوم والحكم لابن رجب البغدادي ص 261.
4ـ صحيح مسلم.
5ـ أخرجاه في الصحيحين .
6ـ رواه أبو داود ، والترمذي وغيرهما .
7ـ ص 269 من جامع العلوم والحكم . |
لا ضرر ولا ضرار |
|
عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا ضرر ولا ضرار " حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسندا ، ورواه مالك في الموطأ مرسلا ، عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فأسقط أبا سعيد ، وله طرق يقوي بعضها بعضا . (1).
تخريج الحديث : ـ
حديث أبي سعيد لم يخرجه ابن ماجه ، وإنما خرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي من رواية عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة : حدثنا الدراوردي عن عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا ضرر ولا ضرار ، من ضار ضره الله ، ومن شاق شق الله عليه " .
وقال الحاكم : صحيح الإسناد على شرط مسلم ، وقال البيهقي : تفرد به عثمان عن الدراوردي ، وخرجه مالك في الموطأ عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلا.
وأما ابن ماجه فخرجه من رواية فضيل بن سليمان : حدثنا موسى بن عقبة ، حدثنا إسحاق بن يحيى بن الوليد عن عبادة بن الصامت ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن لا ضرر ولا ضرار .
ترجمة الراوي : ـ
هو أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان بن عبيد ، وقيل : عبد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر ، وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري ، وكان أبوه من الصحابة الكرام الذين شهدوا معركة أحد واستصغر يومها فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه كان من بين الذين خرجوا ليتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجوعه من الغزوة فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : "سعد بن مالك ؟ " فقال : نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، فدنا منه وقبل ركبته ، فقال : "آجرك الله في أبيك " ؛ لأنه كان من شهداء أحد ، وكان أبو سعيد من نجباء الصحابة ومن حفاظهم وعلمائهم شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتى عشرة غزوة أولها الخندق ، وكان من الرواة المشهورين وهو معدود من أهل الصفة ، روى عنه أنه قال : أصبحت وليس عندنا طعام وقد ربطت حجرا من الجوع ، فقالت امرأتي : ائت النبي صلى الله عليه وسلم فاسأله فقد أتاه فلان فأعطاه وفلان فأعطاه فقلت : لا ، حتى لا أجد شيئا ، فطلبت فلم أجد شيئا فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فأدركت من قوله : " من يستغن يغنه الله ، ومن يستعفف يعفه الله " قال : فما سألت أحدا بعده وما زال الله يرزقنا حتى ما أعلم أهل بيت من الأنصار أكثر أموالا منا .
قلت : كان أبو سعيد من حفاظ الصحابة وعلمائهم حيث بلغت مروياته ألفا ومائة وسبعين حديثا ، اتفق البخاري ومسلم منها على ستة وأربعين ، وانفرد البخاري بستة عشر ، ومسلم باثنين وخمسين ، توفى بالمدينة سنة أربع وسبعين عن عمر يناهز أربع وتسعين سنة ودفن رضى الله عنه بالبقيع .
دروس وعبر من كلام سيد البشر
ـ
الأصولية : ـ
"لا ضرر ولا ضرار " .
استنبط الأصوليون من هذا الحديث قاعدة أصولية شهيرة ، وهي : (الضرر يزال ) وفرعوا عليها كثيرا من المسائل كالرد بالعيب ، وثبوت الخيار في البيع ، ودفع الصائل ، وقتال المشركين والبغاة ، وفسخ النكاح بالعيوب.
ويتعلق بهذه القاعدة ست قواعد :
الأولى : الضرورات تبيح المحظورات ؛ ولذا جازأكل الميتة للمضطر ، والخمر للغاص.
الثانية : ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها ، فلا يأكل المضطر إلا ما يسد رمقه ، قال تعالى : { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه } [ البقرة :173].
الثالثة : الضرر لا يزال بضرر يساويه ، فلا يأكل مضطر طعام مضطر آخر.
الرابعة : إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما ضررا .
الخامسة : درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
السادسة : قد تنزل الحاجة العامة والخاصة منزلة الضرورة فتبيح المحظور، والعامة كجواز الإجازة مع عدم المنافع وقت العقد . والجعالة مع ما فيها من الجهالة .
الفقهية : ـ
1ـ المضارة في الوصية :ـ
قال تعالى : { من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار } [ النساء:12] وفي الحديث عن أبي هريرة مرفوعا : "إن العبد ليعمل بطاعة الله ستين سنة ثم يحضره الموت فيضار في الوصية فيدخل النار " ثم تلا : { تلك حدود الله } إلى قوله : { ومن يعض الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين } [ النساء :13 ـ 14] .
والإضرار في الوصية يتمثل في صورتين :
ـ الصورة الأولى : تخصيص بعض الورثة بزيادة على نصيبه الذي قدره الله وفرضه ، وبهذا يتضرر بقية الورثة وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم : "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " .
الصورة الثانية : ويحدث الضرر إذا وصى الموصي بأكثر من ثلث لأجنبي غير وارث لأنه ينقص حقوق الورثة ، ومن هنا فوصيته غير ناجزة ما لم يجزها الورثة قال عليه السلام : " . . . . الثلث والثلث كثير " .
2ـ المضارة في الرجعة في النكاح : ـ
كان الطلاق في الجاهلية بلا حدود وكان الرجال يستغلونه تعسفا وتلاعبا بالمرأة ، فأنزل الله تعالى : { الطلاق مرتان } [ البقرة :229] وسبب نزول هذه الآية كما ذكره ابن كثير : أنه كان الرجل في الجاهلية يطلق امرأته ما شاء من الطلاق ثم يراجعها قبل أن تنقضي عدتها ولو طلقها ألف مرة كان له الحق في مراجعتها ، فعمد رجل لأمرأته فقال لها : لا آوبك ولا أدعك تحلين ، قالت : وكيف؟ قال : أطلقك فإذا دنا مضى عدتك راجعتك ، فشكت المرأة أمرها للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله : { الطلاق مرتان } الآية .
وقال تعالى : { فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه } [ البقرة :231]، وقال : {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا } [ البقرة :228].
وذهب مالك إلى أن من راجع امرأته قبل انقضاء عدتها ثم طلقها من غير مسيس أنه إن قصد بذلك مضارتها بتطويل لم تستأنف العدة وبنت على ما مضى منها ، وإن لم يقصد بذلك استأنفت عدة جديدة .
وقيل : تبين مطلقا وهو قول عطاء وقتادة والشافعي في القديم وأحمد في رواية ، وقيل : تستأنف مطلقا وهو قول الأكثرين منهم أبو قلابة والزهري والثوري وأبو حنيفة والشافعي في الجديد ، وأحمد في رواية وإسحاق وأبو عبيدة وغيرهم.
3ـ المضارة في الإياء :
وهو أن يحلف الرجل على امتناعه من وطء زوجته ومدته أربعة أشهر ؛ لقوله تعالى : { للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم . وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم } [ البقرة :226 ، 227]، فإن فاء ورجع إلى الوطء كان ذلك توبته وإلا طلق وفق مذهب إمامنا مالك رضى الله عنه ، وهو قول على وابن عمر رضى الله عنهما .
وكما أن الزوج لو أطال السفر من غير عذر وطلبت امرأته قدومه فأبى فقال مالك وأحمد وإسحاق : يفرق الحاكم بينهما .
4ـ المضارة في الرضاع :
قال تعالى : { لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده } [ البقرة :233] قال مجاهد : لا يمنع أمه أن ترضعه ليحزنها بذلك . وقال عطاء وقتادة والزهري وسفيان والسدي وغيرهم : إذا رضيت ما يرضى به غيرها فهي أحق به .
ويدخل في قوله تعالى : { ولا مولود له بولده } أن المطلقة إذا طلبت إرضاع ولدها بأجر مثلها لزم الأب إجابتها إلى ذلك ، وسواء وجد غيرها أو لم يوجد ، هذا منصوص الإمام أحمد ، فإن طلبت زيادة على أجرة مثلها زيادة كثير ووجد الأب من يرضعه بأجرة المثل لم يلزم الأب إجابتها إلى ما طلبت لأنها تقصد المضارة .
5ـ المضارة في البيع : ـ
خرج الإمام أبو داود من حديث على بن أبي طالب أنه خطب الناس فقال : إنه سيأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يديه ولم يؤمر بذلك . قال تعالى : { ولا تنسوا الفضل بينكم } [ البقرة :237] ويبايع المضطرون وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر.
تطبيق
ـ
1ـ طالت أيدي الكثير من مسلمي العصر إلى المحرمات ، وسمحت لنفسها أن تتخطى حدودها غير مكترثة بما تفعل محتجة بالقاعدة الأصولية : الضرورات تبيح المحظورات ، متناسية القاعدة الشائعة القائلة : ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها ، فلا يجوز الاسترسال في الشرب بالنسبة للغاص الذي لم يجد ما يدفع به غصته غير الخمر.
نعم ، يجوز للمضطر ، والمضطر هنا هو الغاص الذي خاف على نفسه الهلاك ، ولم يجد ماء ونحوه أن يشرب جرعة تزيل ما به حفاظا على روحه ، وفي هذا ينص الشيخ خليل بن إسحاق المالكي في مصنفه: وجاز لإكراه وإساغة لا دواء
كما لا يجوز الأكل من الجيفة وغيرها أكثر من سد الرمق بالنسبة للمضطر ؛ لقوله تعالى : { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه } [ البقرة :173].
2ـ في أيامنا هذه أصبح التجاور في كثير من الأحيان لا معنى له فلا يتخذ الجار حيطته وحذره أكثر مما يتخذها من جاره في سكناه أو في معمله ، أو في مزرعته ، في حين أن الإسلام ينزع الإيمان من رقبة من لا يأمن جاره بوائقه كما نص على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم .
والإسلام في تشريعاته عمل على أن لا يضار أحد أحدا بأي حال من الأحوال ، وأوجه المضارة بين الجار وجاره كثيرة غير أننا نورد بعضها في الأمثلة التالية:
أ ـ كأن يكون غرض المضار صحيح بحيث يتصرف في ملكه بما فيه مصلحة له فيتعدى ذلك إلى ضرر غيره .
فإن كان على غير الوجه المعتاد مثل أن يؤجج في أرضه نارا في يوم عاصف فيحترق ما يليه فإنه متعد بذلك وعليه الضمان .
وإن كان على الوجه المعتاد ففيه للعلماء قولان مشهوران : أحدهما : لا يمنع من ذلك وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما . والثاني : المنع وهو قول أحمد ووافقه إمامنا مالك في بعض الصور ، فمن صور ذلك أن يفتح كوة في بنائه العالي مشرفة على جاره ، ومنها أن يحفر بئرا بالقرب من بئر جاره فيذهب ماؤها فإنها تطم في ظاهر مذهب مالك وأحمد .
ومنها أن يكون له ملك في أرض غيره يتضرر صاحب الأرض بدخوله إلى أرضه فإنه يجبر على إزالته ليندفع به ضرر الدخول ، خرجه أبو داود في سننه من حديث أبي جعفر محمد بن علي أنه : حدث سمرة بن جندب أنه كان له عذق من نخل في حائط رجل من الأنصار ومع الرجل أهله ، وكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به وشق عليه فطلب إليه أن يقابله فأبى ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فطلب إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعه فأبى ، فطلب إليه أن يناقله فأبى ، قال : "فهبه له ولك كذا وكذا " أمرا رغبه فيه ، فأبى فقال : أنت مضار ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : "اذهب فاقلع نخله ".
ب ـ الصورة الثانية : أن يضار الجار جاره من الانتفاع بملكه والارتفاق به ، فإن كان ذلك يضر بمن انتفع بملكه فله المنع كمن له جدار واه لا يحمل أن يطرح عليه خشب .
وأما إن لم يضر به فهل يجب عليه التمكين ويحرم عليه الامتناع أم لا ؟
ذهب الإمام مالك ـ رحمه الله ـ إلى المنع ، وذهب أحمد في طرح الخشب على جدار دار جاره إلى أنه لا يجوز ، ووافقه الشافعي في القديم وإسحاق وأبو ثور وداود وابن المنذر وعبد الملك بن حبيب المالكي ، وحكاه مالك عن بعض قضاة المدينة .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبه على جداره " قال أبو هريرة : ما لي أراكم عنها معرضين ، والله لأرمين بها بين أكتافكم ، وقضى عمر بن الخطاب رضى الله عنه على محمد بن مسلمة أن يجري ماء جاره في أرضه ، وقال : لتمرن به ولو على بطنك.
والإجبار على إجراء الماء في أرض جاره إذا أجراه في قناة في باطن أرضه كما هو عليه مذهب أبي ثور.
المراجع والهوامش
ـ
1ـ لا : النافية للجنس واسمها بعدها وخبرها محذوف ويقدر تقديران :
ـ فإن قدر ـ جائزان ـ كان الكلام إخبارا منه صلى الله عليه وسلم بأن الضرر والضرار غير جائزين شرعا .
ـ وإن قدر ـ موجودان ـ كان المقصود منه النهى أي لا توجد والضرر والضرار ، وعلى التقديرين فالحديث يدل على تحريم الضرر والضرار.
الضرر : أن تلحق الأذى بغيرك ابتداء : في نفسه ، أو عرضه ، أو ماله ، وقيل : الضرر : أن يدخل على غيره ضررا بما ينتفع هو به ، وقيل أيضا: الضرر أن يضر به من لا يضره .
الضرار : أن تلحق الأذى بمن ألحقه بك على سبيل المقابلة ؛ وهذا لا يحرم إلا إذا زاد عن حقه في القصاص .
وقيل : أن يدخل على غيره ضررا بلا منفعة له به كمن منع ما لا يضره ويتضرر به الممنوع ، ورجح هذا القول طائفة منهم ، ابن عبد البر وابن الصلاح وقيل فيه أيضا : الضرر أن يضر به من لا يضره |
 |
البينة على من ادعى |
|
ـ
عن ابن عباس ـ رضى الله تعالى عنهما ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لو يعطي الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم ، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر" حديث حسن ، رواه البيهقي وغيره هكذا . وبعضه في الصحيحين (1).
دروس وعبر من كلام سيد البشر
ـ
الاجتماعية : ـ
تدور الأحكام الشرعية كلها على حظ الكليات الست : المال ، الدين ، الروح ، العقل ، النسل ، العرض.
ويولي الإسلام عناية كبرى بالعرض ـ بالخصوص ـ حيث شرع الكثير من الأحكام الفقهية التي تضمن للمرء شرفه وتصون عرضه انطلاقا من مبدأ التكريم الذي حظى به الإنسان دون بقية المخلوقات الأخرى . قال تعالى : { ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } [ الإسراء : 70] .
والإسلام يتحدى جميع الفلسفات والنظم الاجتماعية أن ترعى حرمة الإنسان كإنسان كما يحترمها هو ! .
ومهما أجهد المحللون الاجتماعيون أنفسهم ، ما استطاعوا الوصول إلى ما حققه الإسلام سبيلا ؛ لأن جهدهم قاصر ، واجتهاداتهم يجانبها الصواب في كثير من الأحيان ، ولا زال الإنسان في الغرب كالآلة تقاس كرامته بقدر إنتاجه ، أو بما يملك في حين أننا نجد ديننا يوجب هذه الحدود :
1ـ حد الرجم والجلد : في حق الزاني بحالتيه المحصن وغير المحصن صونا للأعراض وحفظا للأنساب .
2ـ حد القذف : فالذي يتهم محصنة غافلة ، أو عفيفا طاهرا بهذه الريبة ـ تهمة الزنا ـ يعتبر متعد على الكرامة والشرف ، وبموجبه يجلد صاحبه تأديبا له وتعزيرا وتبرئة للمعتدى عليه .
3ـ حرمة الغيبة والبهتان والإفك : ـ في الإسلام ـ تضع سدا منيعا لشخصية كل مسلم .
وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث : "البينة على من ادعى " يعتبر المدعي في موقف ضعف فلا يجوز له أن يتحامل على من ادعى عليه وليس للقاضي بأي حال من الأحوال أن يسقط من كرامته أو يوجهه اللوم له أو يوبخه .
وما دام موقف المدعي كذلك اشترط الرسول الكريم صلى الله عليه وسم أن يعزر دعواه ببينة ساطعة وحجة واضحة ؛ بل والأبعد من هذا فإن لإمامنا في هذا قولا طريفا ورأيا حكيما ، قال مالك : إنما تجب اليمين على المنكر إذا كان بين المتداعيين نوع مخالطة خوفا من أن يتبذل السفهاء على الرؤساء بطلب أيمانهم . وعنده : ولو ادعى على رجل أنه غصبه أو سرق منه ولم يكن المدعي عليه متهما بذلك لم يستحلف المدعي عليه . بل عنده أن المدعي عليه إن كان من أهل الفضل أو ممن لا يشار إليه بذلك أدب المدعي.
الاقتصادية : ـ
لنظر كيف حفظ الإسلام الأموال ورعاها وصانها من الضياع والتلف فحد حدودا إذا أقيمت في المجتمع الإسلامي تفشي الأمن على الأموال والمودعات ، وهذا ما يدفع بعجلة التكافل الاجتماعي ويحقق الأمن الغذائي والرخاء الاقتصادي عموما .
من تلك الحدود القطع ليد السارق ، والقتل للغاصب المحارب ، وها هو الإسلام يقعد قاعدة تشريعية جليلة بموجبها يطمئن المالك على ملكه ؛ لأن محض الدعاوى العارية من البينة الصادقة والدليل القوي لا يلقى لها الإسلام أدنى اعتبار في حالة حلف المدعي عليه طبعا .
القانونية : ـ
إن التقدم التشريعي الذي أحرزه نظام القضاء في الإسلام منذ أربعة عشر قرنا لم تحقق أوربا معشاره . وعلى سبيل المثال لا الحصر إليك هذا التباين الكبير في النظر إلى المتهم .
فالإسلام ينظر إلى أن المتهم برئ ما لم تثبت إدانته بالبينة ، ومن ثم فلا يسعى القضاء الإسلامي إلى استنطاقه بالقوة وأخذ اعترافاته عنوة تحت أسواط التعذيب والتنكيل . بينما تنظر بعض القوانين الأرضية إلى المتهم وكأنه مدان حتى تثبت براءته ، إن لم نقل : ولو ثبتت ! .
فقه الدعوة
ـ
إن مؤهلات الدعوة إلى الإسلام لا تقف عند الفقه في الشريعة والبلاغة في العربية ، والفصاحة في اللسان ، بل تتطلب ذكاء وفطنة لا أقول : ألمعية ؛ لأنه ـ أي الداعية ـ يخاطب أناسا ويدعو فئات تتفاوت ثقافاتهم وتتفاوت مستوياتهم الفكرية ، وربما اعترضته خصومات وخلافات ، فلا يدري بم يحكم إلا إذا كان عالما بالشريعة الإسلامية ، ولا لمن يحكم إلا إذا كان حكيما في طرحه لاستفساراته ، وذكيا في متابعاته وملاحظاته ولله در ابن فرحون الذي أفاض القول في هذا في كتابه (تبصرة الحكام ) .
وللعبرة أسوق هذا المثال الذي جاء في الحلية في ترجمة عكرمة قال : كانت القضاة في زمن بني إسرائيل ثلاثة فمات أحدهم فولى مكانه غيره ، ثم قضوا ما شاء الله أن يقضوا ، ثم بعث الله تعالى لهم ملكا يمتحنهم فوجد رجلا يسقي بقرة على ماء وخلفها عجلة ، فدعاها وهو راكب فرسا فتبعتها العجلة فتخاصما ، فقالا : بيننا القاضي فجاءا إلى القاضي الأول ، فدفع إليه الملك درة كانت معه وقال له : احكم بأن العجلة لي ، وقال : بماذا أحكم ؟ قال : ارسل الفرس والبقرة والعجلة ؛ فإن تبعت الفرس فهي لي ، فأرسلها فتبعت الفرس فحكم له بها .
وأتى إلى القاضي الثاني فحكم له كذلك وأخذ درة ، وأما القاضي الثالث فدفع له الملك درة وقال له : احكم بها ، فقال : إني حائض ! فقال الملك : سبحان الله أيحيض الذكر ؟ ! فقال القاضي سبحان الله أتلد الفرس بقرة ؟ ! وحكم بها لصالحه .
تطبيق
ـ
1ـ بعض من أغناهم الله سبحانه أغواهم الشيطان ، فسخروا ما يملكون وما يتمتعون من سمعة وجاه للادعاء على الذين لا حول لهم ولا قوة ظلما وعدوانا واستكبارا في الأرض ، قال تعالى : { تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علنا في الأرض ولا فسادا } [ القصص : 83] واستعانوا في تلفيق دعاويهم وتحقيق مآربهم بمن يمتهنون المحاماه استرزاقا أولئك الذين يتفننون في حبك العبارات وسبكها ليجعلوا الباطل حقا ، والحق باطلا ، ولا يكونون مع الحق ، وهذا الذي يفترض فيهم بل الكثير الكثير منهم يدور مع الدينار حيث دار ، ولله در القائل :
ما لقومي اليوم قد جاروا 00 وعلى الدينار داروا
وله صلوا وصاموا 00 وله حجوا وزاروا
لو رأوه فوق الثريا 00 ولهم ريش لطاروا
2ـ إننا نرى أناسا اتخذوا الله عرضة لأيمانهم ولا ذمة لهم ولا دين ؛ تراه من أول الراكعين الساجدين بالمساجد الصوامين القوامين ، ولكن إذا ما اعترضه يمين وترتب عليه قسم ليأخذ متاعا من الدنيا لا يتورع أبدا في أن يحلف عشرات المرات غير مبال بغضب الله والعياذ بالله . جاء في الصحيحين عن الأشعث بن قيس قال : كان بيني وبين رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " شاهداك أو يمينه" قلت : إذا يحلف ولا يبالي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من حلف على يمين يستحق بها مالا هو فيها فاجر لقى الله وهو عليه غضبان " فأنزل الله تصديق ذلك ، ثم قرأ هذه الآية : { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم } [ آل عمران :77] .
****
المراجع والهوامش
ـ
1ـ الدعوى : لغة : الطلب ، وشرعا : إخبار بحق لك على غيرك عند حاكم.
المدعي : من خالف قوله الظاهر.
المدعي عليه : عكسه . |
 |
البينة على من ادعى |
|
ـ
عن ابن عباس ـ رضى الله تعالى عنهما ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لو يعطي الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم ، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر" حديث حسن ، رواه البيهقي وغيره هكذا . وبعضه في الصحيحين (1).
دروس وعبر من كلام سيد البشر
ـ
الاجتماعية : ـ
تدور الأحكام الشرعية كلها على حظ الكليات الست : المال ، الدين ، الروح ، العقل ، النسل ، العرض.
ويولي الإسلام عناية كبرى بالعرض ـ بالخصوص ـ حيث شرع الكثير من الأحكام الفقهية التي تضمن للمرء شرفه وتصون عرضه انطلاقا من مبدأ التكريم الذي حظى به الإنسان دون بقية المخلوقات الأخرى . قال تعالى : { ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا } [ الإسراء : 70] .
والإسلام يتحدى جميع الفلسفات والنظم الاجتماعية أن ترعى حرمة الإنسان كإنسان كما يحترمها هو ! .
ومهما أجهد المحللون الاجتماعيون أنفسهم ، ما استطاعوا الوصول إلى ما حققه الإسلام سبيلا ؛ لأن جهدهم قاصر ، واجتهاداتهم يجانبها الصواب في كثير من الأحيان ، ولا زال الإنسان في الغرب كالآلة تقاس كرامته بقدر إنتاجه ، أو بما يملك في حين أننا نجد ديننا يوجب هذه الحدود :
1ـ حد الرجم والجلد : في حق الزاني بحالتيه المحصن وغير المحصن صونا للأعراض وحفظا للأنساب .
2ـ حد القذف : فالذي يتهم محصنة غافلة ، أو عفيفا طاهرا بهذه الريبة ـ تهمة الزنا ـ يعتبر متعد على الكرامة والشرف ، وبموجبه يجلد صاحبه تأديبا له وتعزيرا وتبرئة للمعتدى عليه .
3ـ حرمة الغيبة والبهتان والإفك : ـ في الإسلام ـ تضع سدا منيعا لشخصية كل مسلم .
وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث : "البينة على من ادعى " يعتبر المدعي في موقف ضعف فلا يجوز له أن يتحامل على من ادعى عليه وليس للقاضي بأي حال من الأحوال أن يسقط من كرامته أو يوجهه اللوم له أو يوبخه .
وما دام موقف المدعي كذلك اشترط الرسول الكريم صلى الله عليه وسم أن يعزر دعواه ببينة ساطعة وحجة واضحة ؛ بل والأبعد من هذا فإن لإمامنا في هذا قولا طريفا ورأيا حكيما ، قال مالك : إنما تجب اليمين على المنكر إذا كان بين المتداعيين نوع مخالطة خوفا من أن يتبذل السفهاء على الرؤساء بطلب أيمانهم . وعنده : ولو ادعى على رجل أنه غصبه أو سرق منه ولم يكن المدعي عليه متهما بذلك لم يستحلف المدعي عليه . بل عنده أن المدعي عليه إن كان من أهل الفضل أو ممن لا يشار إليه بذلك أدب المدعي.
الاقتصادية : ـ
لنظر كيف حفظ الإسلام الأموال ورعاها وصانها من الضياع والتلف فحد حدودا إذا أقيمت في المجتمع الإسلامي تفشي الأمن على الأموال والمودعات ، وهذا ما يدفع بعجلة التكافل الاجتماعي ويحقق الأمن الغذائي والرخاء الاقتصادي عموما .
من تلك الحدود القطع ليد السارق ، والقتل للغاصب المحارب ، وها هو الإسلام يقعد قاعدة تشريعية جليلة بموجبها يطمئن المالك على ملكه ؛ لأن محض الدعاوى العارية من البينة الصادقة والدليل القوي لا يلقى لها الإسلام أدنى اعتبار في حالة حلف المدعي عليه طبعا .
القانونية : ـ
إن التقدم التشريعي الذي أحرزه نظام القضاء في الإسلام منذ أربعة عشر قرنا لم تحقق أوربا معشاره . وعلى سبيل المثال لا الحصر إليك هذا التباين الكبير في النظر إلى المتهم .
فالإسلام ينظر إلى أن المتهم برئ ما لم تثبت إدانته بالبينة ، ومن ثم فلا يسعى القضاء الإسلامي إلى استنطاقه بالقوة وأخذ اعترافاته عنوة تحت أسواط التعذيب والتنكيل . بينما تنظر بعض القوانين الأرضية إلى المتهم وكأنه مدان حتى تثبت براءته ، إن لم نقل : ولو ثبتت ! .
فقه الدعوة
ـ
إن مؤهلات الدعوة إلى الإسلام لا تقف عند الفقه في الشريعة والبلاغة في العربية ، والفصاحة في اللسان ، بل تتطلب ذكاء وفطنة لا أقول : ألمعية ؛ لأنه ـ أي الداعية ـ يخاطب أناسا ويدعو فئات تتفاوت ثقافاتهم وتتفاوت مستوياتهم الفكرية ، وربما اعترضته خصومات وخلافات ، فلا يدري بم يحكم إلا إذا كان عالما بالشريعة الإسلامية ، ولا لمن يحكم إلا إذا كان حكيما في طرحه لاستفساراته ، وذكيا في متابعاته وملاحظاته ولله در ابن فرحون الذي أفاض القول في هذا في كتابه (تبصرة الحكام ) .
وللعبرة أسوق هذا المثال الذي جاء في الحلية في ترجمة عكرمة قال : كانت القضاة في زمن بني إسرائيل ثلاثة فمات أحدهم فولى مكانه غيره ، ثم قضوا ما شاء الله أن يقضوا ، ثم بعث الله تعالى لهم ملكا يمتحنهم فوجد رجلا يسقي بقرة على ماء وخلفها عجلة ، فدعاها وهو راكب فرسا فتبعتها العجلة فتخاصما ، فقالا : بيننا القاضي فجاءا إلى القاضي الأول ، فدفع إليه الملك درة كانت معه وقال له : احكم بأن العجلة لي ، وقال : بماذا أحكم ؟ قال : ارسل الفرس والبقرة والعجلة ؛ فإن تبعت الفرس فهي لي ، فأرسلها فتبعت الفرس فحكم له بها .
وأتى إلى القاضي الثاني فحكم له كذلك وأخذ درة ، وأما القاضي الثالث فدفع له الملك درة وقال له : احكم بها ، فقال : إني حائض ! فقال الملك : سبحان الله أيحيض الذكر ؟ ! فقال القاضي سبحان الله أتلد الفرس بقرة ؟ ! وحكم بها لصالحه .
تطبيق
ـ
1ـ بعض من أغناهم الله سبحانه أغواهم الشيطان ، فسخروا ما يملكون وما يتمتعون من سمعة وجاه للادعاء على الذين لا حول لهم ولا قوة ظلما وعدوانا واستكبارا في الأرض ، قال تعالى : { تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علنا في الأرض ولا فسادا } [ القصص : 83] واستعانوا في تلفيق دعاويهم وتحقيق مآربهم بمن يمتهنون المحاماه استرزاقا أولئك الذين يتفننون في حبك العبارات وسبكها ليجعلوا الباطل حقا ، والحق باطلا ، ولا يكونون مع الحق ، وهذا الذي يفترض فيهم بل الكثير الكثير منهم يدور مع الدينار حيث دار ، ولله در القائل :
ما لقومي اليوم قد جاروا 00 وعلى الدينار داروا
وله صلوا وصاموا 00 وله حجوا وزاروا
لو رأوه فوق الثريا 00 ولهم ريش لطاروا
2ـ إننا نرى أناسا اتخذوا الله عرضة لأيمانهم ولا ذمة لهم ولا دين ؛ تراه من أول الراكعين الساجدين بالمساجد الصوامين القوامين ، ولكن إذا ما اعترضه يمين وترتب عليه قسم ليأخذ متاعا من الدنيا لا يتورع أبدا في أن يحلف عشرات المرات غير مبال بغضب الله والعياذ بالله . جاء في الصحيحين عن الأشعث بن قيس قال : كان بيني وبين رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " شاهداك أو يمينه" قلت : إذا يحلف ولا يبالي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من حلف على يمين يستحق بها مالا هو فيها فاجر لقى الله وهو عليه غضبان " فأنزل الله تصديق ذلك ، ثم قرأ هذه الآية : { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم } [ آل عمران :77] .
****
المراجع والهوامش
ـ
1ـ الدعوى : لغة : الطلب ، وشرعا : إخبار بحق لك على غيرك عند حاكم.
المدعي : من خالف قوله الظاهر.
المدعي عليه : عكسه . |
 |
تغيير المنكر |
|
عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان " رواه مسلم (1).
تخريج الحديث : ـ
هذا الحديث خرجه مسلم من رواية قيس بن مسلم عن طارق بن شهبان عن أبي سعيد ، ومن رواية إسماعيل بن رجاء عن أبيه عن أبي سعيد .
دروس وعبر من كلام سيد البشر
ـ
الفقهية : ـ
يشترط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما يلي : ـ
1ـ أن يكون المنكر مجمعا عليه أو مختلفا فيه ، ومقترفه يرى تحريمه ، أما إذا كان يرى حله ، أو يقلد من يقول بذلك فلا . ففي شرح العلامة الدرديري ما نصه : ويشترط في النهى عن المنكر أيضا : أن يكون مجمعا عليه ، أو مختلفا فيه ، ومرتكبه يرى تحريمه ، لا إن كان يرى حله أو يقلد من يقول بالحل.
2ـ أن يكون متفقا عليه : ففي ( شرح المواق ) ما نصه : وكان سيدي ابن سراج يقول : إذا جرى الناس على شئ له مستند صحيح ؛ وكان للإنسان مختار غيره لا ينبغي أن يحمل الناس على مختاره فيدخل عليهم شغبا في أنفسهم ، وحيرة في دينهم ؛ إذ من شرط التغيير أن يكون متفقا عليه . اهـ .
وانظر قول عياض في ( الإكمال) : لا ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يحمل الناس على مذهبه ، وإنما يغير ما اجتمع على إحداثه وإنكاره . وشرح هذا أيضا محيى الدين النووي في منهاجه ، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه وليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نص القرآن أو السنة أو الإجماع ونحو هذا في جامع الذخيرة للقرافي ، ونحوه في قواعد عز الدين.
3ـ أن يكون المنكر مخالفا للقرآن أو السنة أو الإجماع (2).
4ـ ألا يكون إنكار المنكر يؤدي إلى التحريم .
5ـ أن يكون إنكار المنكر والأمر بالمعروف في حالة الوجوب ؛ لأنه قد يكون مندوبا فحسب ، كما فصل ذلك العلامة البيجوري ـ رحمه الله ـ في (شرح الجوهرة) فقال : فيندب الأمر بالمندوب ، والنهي عن المكروه ، ويجب الأمر بالواجب والنهى عن الحرام ، فالمكروه لا يشدد في النهى عنه كما يشدد في النهى عن الحرام طبعا.
الاجتماعية : ـ
أ ـ الإسلام عكس النظم الاجتماعية الأخرى التي يسود فيها قانون الغاب ، والسيادة مكرة على الأقوياء سواء كانت القوة مالية ، أو إعلامية ، أو حزبية ، بل يحرص النظام الاجتماعي الإسلامي على أن يكون البقاء فيه للأصلح والأطهر؛ لأنه مجتمع نظيف طاهر لا مكان فيه للأمراض الاجتماعية الخطيرة ، ولا يعيش بينه مجرم محترف.
ولعل الفضل في ذلك كله لا يعود إلى الحدود والقصاص قبل فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ لأنها هي التي تكتشف المرض وتقاومه في مهده قبل استفحاله وانتشاره .
ب ـ من أهم الأسباب في إفلاس النظم الاجتماعية الأرضية إهمالها لقاعدة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر التي هي خاصية من خصائص النظام الاجتماعي الإسلامي ، والإسلام بهذه القاعدة يشرف الإنسان ويكرمه ويرفعه إلى درجة سامقة ، ألا وهي درجة الاستخلاف في الأرض فهو المنكر لما أنكره الله ، والمتقبل لما يعترف به الإسلام .
إذا فالمسلم له كلمته وله وزن في هذا الكون ؛ لأنه يمثل عدالة الله ، وهذا غاب عن ملائكة الرحمن حين قال الله لهم : { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون } [ البقرة :30] .
ج ـ إن الإنكار بالقلب لا يقف عند حد الانقباض في النفس والاستياء ، بل له
وقعه وسلطانه إن فسر هذا التفسير القرآني : { وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم } [ النساء : 140].
إنه المقاطعة الجماعية لأرباب الفسق والفجور ، وها هو القرآن الكريم يصور لنا الحالة النفسية الحرجة ، والمأزق المتأزم الذي وقع فيه الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك مع رسول الله وهم : كعب ، وهلال ، ومرارة . قال تعالى : {وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه } [ التوبة :118] ، لقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى مقاطعتهم وعدم مجالستهم حتى كان الواحد منهم يفشي السلام لأقرب أقربائه فلا يرد عليه ، وهجرتهم نساؤهم وأهلوهم وأهملوهم حتى تاب الله عليهم .
د ـ الأمة التي تتغاضى عن المنكرات ، وتعايش أرباب المعاصي وتتعامل معهم بلا تحفظ أمة تحارب الله ورسوله ، وهي مشتركة مع فجارها بسكوتها وإقرارها ، قال تعالى : { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } [الأنفال: 25 ] ، وصدق الشاعر في قوله :
بنو ثقيف ألا فانهوا سفيهكم 00 إن السفيه إذا لم ينه مأمور
وهي بذلك تسعى في خرابها ، وتعمل على تقويض بنائها كما فعلت من قبل بنو إسرائيل . قال ربنا سبحانه : { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون } [ المائدة :78 ، 79 ] .
هـ ـ لقد ضمن الإسلام حرية الفرد إذا لم تكن على حساب حريات الآخرين ، كما راعى حرمة بيته وصانها من أن تكون عرضة للمداهمات والتسور والتجسس ، قال تعالى : { ولا تجسسوا } [ الحجرات : 12].
إذا فالتجسس كما قلت على عورات الناس والتطلع إلى أسرارهم حرام في الإسلام ، اللهم ما استثناه الماوردي : من ذلك ما إذا أخبره من يثق بقوله : إن رجلا خلا برجل ليقتله ، أو امرأة ليزني بها ؛ فإنه يجوز له في مثل هذه الحالة أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذرا من فوات ما لا يستدركه .
وللمتهالكين على القوانين الغربية المبهورين بالمجتمعات الأوربية أسوق ما ذكر عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه مشى بالليل فرأى نارا في بيت فأتى إليها فإذا قوم يشربون ، وشيخ بينهم فاقتحم عليهم وقال : يا أعداء الله أمكن الله منكم . فقال الشيخ : ما نحن بأعظم منك ذنبا يا أمير المؤمنين ؛ إن عصينا الله في واحدة فقد عصيته أنت في ثلاث . فقال له عمر : وما هن ؟ فقال : تجسست وقد قال الله تعالى : { ولا تجسسوا } [ الحجرات :12] ، وأتيت البيوت من ظهورها وقد أمر الله تعالى بإتيانها من أبوابها ، ودخلت بيتا غير بيتك من غير استئذان ولا تسليم وقد أمر الله تعالى بذلك ؛ فاحتشم عمر وقال : صدقت ، استغفر لي ! فقال الشيخ : غفر الله لنا ولك .
وقد كان الحسن البصري يقول : إياكم والتجسس ، فوالله لقد أدركت ناسا لا عيوب لهم فتجسسوا على عيوب الناس ، فأحدث الله لهم عيوبا .
فقه الدعوة
1ـ الدعوة إلى دين الله وإلى نبذ الشركاء والطواغيت ليست حرفة يحترفها من يحترفها تكسبا واسترزاقا ، وليست منصبا يتفاخر به المتفاخرون ، ويتباهون بمقعده الوثير ومرتبه الوفير ، بل هي مسؤولية كبرى وأمانة عظمى .
الداعية المخلص أعرف الناس بثقلها وجسيم تبعاتها ؛ لذا يسعى هذا الصنف دوما أن يكونوا شموعا تحترق لتضئ على البشرية ، ويفجرون من أجسادهم ينابيع الدماء الزكية لتسقي شجرة العقيدة الإسلامية ، ولله در ذلك الداعية المخلص حين قال :
وددت أن الخلق كلهم أطاعوا الله وأن لحمي قرض بالمقاريض .
كما كان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز يقول لأبيه : وددت أني غلت بي وبك القدور في الله تعالى .
ما كانت هذه التضحيات لتكون لولا أن سيد الدعاة ورسول الهداة عليه السلام جسد هذا الفداء في أروع صوره حين كانت الدماء تنهمر من وجهه الشريف يوم أحد ، ومع كل هذا ظل يدعو لأعدائه : " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون " صلي عليك الله يا علم الهدى .
2ـ إن سلاح الداعية ليس هو السيف ، بل هو الحكمة . قال تعالى : {ادع إلى ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } [ النحل :125] وكثير ما يكون للحكمة والأسلوب المهذب أبلغ الأثر في تغيير المنكر وصرف فاعله عن وجهته بالرفق ، وهذا غالبا ما يجدي مع ذوي الهيبة والوقار وأرباب الحكم والسلطان . روى أن رجلا من الصحابة أكثر شرب الخمر بالشام فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضى الله عنه فكتب له : { حم . تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم . غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير } [ غافر :1 ـ 3 ] ، فترك الرجل الخمر وتاب ، وحكى التاج السبكي عن أبيه أنه كان يجتمع ببعض الأمراء ، وكان الأمير يلازم الحرير فقال : يا أمير بكم الذراع من هذا ؟ فقال : بدينار ، فقال : في الصوف ما يساوي كل ذراع منه دنانير ومماليك وخدمات يشاركونك في لبس الحرير ولا يليق بشهامتك أو يساورك فاعدل إلى الصوف ؛ فإنه أعلى وأغلى مع ما فيه من السلامة من العقاب الأخروي فاستحسن كلامه ، ولو قال له ابتداء : هذا حرام لم يفد.
3ـ انطلاقا من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان أو أمير جائر " (3) .
وقف العلماء والدعاة المخلصون في وجه الجور والظلم وكانوا بجرأتهم كالسد في وجه السيل العرم . وذي بعض الأمثلة :
ـ أخرج مسلم في حديث طارق قال : أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان ، فقام إليه رجل فقال : الصلاة قبل الخطبة ، فقال : قد ترك ما هنالك ، فقال أبو سعيد : أما هذا فقد قضى ما عليه ، ثم روى هذا الحديث ـ الذي هو موضوع البحث .
ـ والدارس للتاريخ الإسلامي يجد الكثير من هذه المواقف الفياضة بالشجاعة الإيمانية كمواقف سعيد بن المسيب مع الحجاج بن يوسف الثقفي ، والإمام مالك مع الخليفة المنصور ، والعز بن عبد السلام الملقب بسلطان العلماء ، وابن باديس ومواقفه الصريحة من الاستعمار الفرنسي . . . وغيرهم كثير.
تطبيق
ــ
1ـ يعاني الفرد المسلم اليوم في كثير من المجتمعات الإسلامية انفصاما خطيرا في شخصيته نظرا للتباين الكبير بين مبادئه ومعتقداته وبين ما يجري حوله ، بين ما يقول وما يفعل ، بين ما يتصوره عن الإسلام وما يلمسه في المسلمين ، بين ما يسمعه بالمسجد أو المدرسة وما يتعامل به في المتجر والمصنع والبيت والشارع ، يعيش في دوامة هذا التناقض بينه وبين المجتمع الذي يعيش فيه ، بل وربما بين ما بداخله وما بخارجه ، ومنشأ هذا في اعتقادي الرضا بالمنكر وتجاهل المعروف وعدم الأمر به ، ومن ثم عدم ائتمار الآمر بالمعروف وانتهاء الناهي : {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون } [البقرة :44]
2ـ الكثير من مجلات العالم الإسلامي وصحفه شيطان أخرس ، إذ تخوض هذه الوسائل الإعلامية في كل مجال الدين الإسلامي ، اللهم إلا بعض الفقرات في بعض أعمدة تكرس الشريعة الإسلامية في الأخلاق فحسب ، وربما تطرقت إلى الخلافات الفقهية والعراكات الكلامية ، ولكنها عما يجري في عالمنا الإسلامي عمياء ، وعن واقع المسلمين وما يحاك للدعوة الإسلامية من الغرب والشرق خرساء بكماء .
إننا لم نسمع عن أزمة المسلمين في بلغاريا ، ومحنهم في الفلبين ، وفي إريتريا ، واندونيسيا ، إلا من بعض أجهزة الإعلام الغربية ، بكاية بالكتلة الشرقية أو العكس ، ولم تنبس كثير من وسائل إعلامنا العربية أو في ديار الإسلام ببنت شفة ولو بقول : اللهم إن هذا منكر .
****
المراجع والهوامش
ـ
1ـ منكرا : ما أنكر الشارع فعله كالزنا ، أو تركه كالصلاة .
بلسانه : الإنكار باللسان يكون بالوعظ وإسداء النصح أو الزجر أو الاستغاثة ، أو رفع القضايا إلى المحاكم .
بقلبه : أي ببغض المنكر وفاعله ، والتمني لو كان بوسعه شئ حتى يزيله .
2ـ من القواعد الأصولية عند الإمام الشافعي .
3ـ رواه أبو داود ،واللفظ له ، والترمذي ، وابن ماجه كلهم عن عطية العوفي عنه ، وقال الترمذي : "حديث حسن غريب" . |
 |
أصول الأخوة |
|
عن أبي هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا تحاسدوا ، ولا تناجشوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، ولا يبع بعضكم على بيع بعض ، وكونوا عباد الله إخوانا ، المسلم أخو المسلم : لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يكذبه ، ولا يحقره . التقوى ها هنا ـ ويشير إلى صدره ثلاث مرات ـ بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام : دمه ، وماله ، وعرضه "
رواه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب (1).
دروس وعبر من كلام سيد البشر
التصوف السني
" بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم " .
1ـ إن المخلص ـ مهما بلغ في تعبده ـ لا يزهو بطاعته ولا تغريه عباداته ، وإن كثرت ؛ لأنه لا يأمن مكر الله ، ولا يضمن حسن خاتمته ، ولا يبتغي بما يفعل ثناء البشر وكسب ألسنتهم { إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا} [ الإنسان :9] ، ولا يدري أيضا لمن الأفضلية ؛ لقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن } [ الحجرات :11] ؛ ولأن المعصية التي تورث ذلا وافتقارا خير من الطاعة التي تورث عزا واستكبارا ، أما من نسى شيئا مما سبق ذكره وخالطه شئ من حظ نفسه ؛ احتقر من هم أقل منه تنفلا واستهان بهم ، وربما أفحش في مخاطبتهم ، وإنهال عليهم بالتهم اللذعة كالفسق ، والفجور ، والتفريض ، وربما أيضا بالزندقة ، والضلال :
فلا تحقرن شخصا من الناس عله 00 ولى إليه العالمين ولا تدري
فذو القدر عند الله خاف عن الورى 00 كما خفيت عن علمهم ليلة القدر
في حين أن القرآن يفضل الكلمة الطيبة عن الطاعة التي يعقبها التجني {قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى } [ البقرة :263] .
وهذا الحديث النبوي الشريف يحمل مسؤولية ضياع الجماعات وضلال الأمة ، أولئك الذين يشرفون على الأمة من شرفات عاجية ويتحسرون على هلاكها دون أن يأمروا بمعروف ، أو ينهوا عن منكر ، فعن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من قال : هلك الناس فهو أهلكهم" (2) قال مالك : إذا قال ذلك تحزنا لما يرى في الناس ـ يعني في دينهم ـ فلا أرى بأسا ، وإذا قال ذلك تعجبا بنفسه وتصاغرا للناس فهو المكروه الذي نهى عنه . وقال الإمام الغزالي : لأنه مزدر بخلق الله مغتر بالله ، آمن مكره غير خائف من سطوته ، وكيف لا يخاف ويكفيه شرا احتقاره لغيره ؟ !
2ـ " . . . لا تحاسدوا . . . ".
قد تدور بخلد المرء بعض المعاصي ، وتحدثه نفسه باقتراف إثم ما ، أو ربما يزين له قرينه ـ إبليس اللعين ـ معصية من المعاصي ، ويكون الدافع هنا هو الشيطان الرجيم . ولكل عدو ـ الشيطان ، والنفس ، والهوى ـ سلاح يدفع به وطريقة يتخلص المؤمن من شرهما بما يلي :
أما إبليس : فقد كفانا المولى ـ عز وجل ـ شره ذا ما ابتعدنا عن نهجه ولم نترسم خطواته واستعذنا بالله ولذنا بحصنه تعالى .
وأما النفس البشرية فسلاح مقاومتها هين على من أعانه الله تعالى على وساوسها ، ولكن قبل تعرضنا لذلك جدير بنا أن نبين الفارق بين وسوسة الشيطان وتطويع النفس لارتكاب المعاصي ، حيث إن إبليس اللعين لا يزال ينتقل بصاحبه من معصية إلى أخرى ؛ فيزين له القتل مثلا ، فإن لم يفلح في الإيقاع بصاحبه نقله إلى الزنا مثلا . . ويظل يسول له حتى يوقعه في واحدة منها ، هنالك يكون قد حقق هدفه ونفذ غاية الإغواء : { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين } [ ص :82] ، { قال فبما أغويتني } [ الأعراف :16] ، وأما النفس البشرية فإنها تأمر صاحبها باقتراف إثم وتظل تلح عليه ولا يهدأ لها بال إلا إذا أجاب مطلبها ، مهما ارتكب من المعاصي المختلفة ، والمؤمن متمكن بعون الله من مقاومتها ، فإن هي تطلعت إلى ما في أيدي الناس وراحت تمني صاحبها بزوال نعم الغير وتحثه إلى السعي في انتقالها إليها أو إتلافها وحرمان المتنعمين بها . أوقفها صاحبها ، بل وأشهر سلاح الإيمان لمقاومتها وصد هجومها وهو ذا الجهاد في النفس حيث يتبع فيه المراحل التالية :
أ ـ تذكير النفس بمضار الحسد الدنيوية وعواقبه الأخروية الوخيمة باستعراض الأحاديث النبوية الشريفة التي تصور هو عقاب الحسد كحديث الزبير ابن العوام رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " دب إليكم داء الأمم قبلكم : الحسد والبغضاء ، والبغضاء هي الحالقة : حالقة الدين لا حالقة الشعر . . . . " (3) ، وحديث أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" أو قال : " العشب" (4).
ب ـ ألا يعيد ما حدثته نفسه به اختيارا
ج ـ وألا يعمل بمقتضى حسده فيسعى إلى تحقيقه بالبغي على المحسود بقول أو فعل .
د ـ أن يسعى إلى إزالة ما علق بنفسه من الحسد بالإحسان إلى المحسود والدعاء له ، وبث محامده ، ومن ثم يعمل على إبدال حسده إلى حب صادق ، وذي هي أعلى درجات المجاهدة التي هي قمة الإيمان السامقة .
3ـ " . . . ولا تباغضوا . . .. "
الحب في الله والبغض فيه ميزة الأتقياء الأنقياء الذين خلصت نفوسهم من الاعتبارات الشخصية ، وسمت أرواحهم من الموازين الأرضية . وهو ـ أي الحب في الله والبغض في الله ـ غير داخل في هذا النهى النبوي ، ولكن ينبغي التذكير أن الحب في الله منبثق عن امتثال أمر الله تعالى واجتناب نهيه ، لا عن حقيقة إيمان المرء ودرجة إخلاصه مع ربه فمعرفة هذه من اختصاصات المولى ـ عز وجل . ومن ثم فبغضك لرجل ظهر منه شر ـ وهو فيه معذور ـ هو عينه البغض في الله المأجور عنه ، ولهذا في الأثر دليل حيث قال عمر رضى الله عنه : إنا كنا نعرفكم إذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا وإذ ينزل الوحي ، وإنما نعرفكم بما نخبركم ، ألا من أظهر منكم لنا خيرا ظننا به خيرا وأحيناه عليه ، ومن أظهر منكم شرا ظننا به شرا وأبغضناه عليه ، سرائركم بينكم وبين ربكم تعالى . وقال الربيع بن خيثم : لو رأيت رجلا يظهر خيرا ويسر شرا أحببته عليه آجرك الله على حبك الخير ، ولو رأيت رجلا يظهر شرا ويسر خيرا أبغضته عليه آجرك الله على بغضك الشر.
العقائدية
الحاسد الذي يتمنى زوال النعم ، ويسعى إلى نقلها لنفسه معترض على قضاء الله وقدره ، غير راض بما قسم الله له ولله در القائل :
ألا قل لمن ظل لي حاسدا 00 أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في حكمه 00 إذا أنت لم ترض لي ما وهب
الفقهية
1ـ "ولا تناجشوا . . . ولا يبع بعضكم على بيع بعض " .
ورد النهى عن ذلك في روايات كثيرة وبصيغ عديدة ؛ ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا يبع المؤمن على بيع أخيه ، ولا يخطب على خطبة أخيه " . وفي رواية لمسلم : " لا يسم المسلم على سوم أخيه ، ولا يخطب على خطبته " . وخرج البخاري ومسلم من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يبع الرجل على بيع أخيه ، ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له " ، والنهى هنا للتحريم غير أن فقهاء الإسلام اختلفوا في صحة البيع أو الخطبة ؟
( فقال أبو حنيفة والشافعي ـ رحمهما الله ـ وأكثر أصحابنا (5) : يصح ، وقال مالك في النكاح : إنه لم يدخل بها فرق بينهما ، وإن دخل بها لا يفرق ، وقال أبو بكر من أصحابنا في البيع والنكاح : إنه باطل على كل حال ، وحكاه عن أحمد، ومعنى البيع على بيع أخيه أن يكون قد باع منه شيئا فيبذل للمشتري سلعته ليشتريها ويفسخ بيع الأول ، وهل يختص ذلك بما إذا كان البذل في مدة الخيار بحيث يمكن المشتري من الفسخ فيه أم هو عام في مدة الخيار وبعدها ؟
فيه اختلاف بين العلماء ، وقد حكاه الإمام أحمد في رواية حرب ، ومال إلى القول بأنه عام في الحالين ، وهو قول طائفة من أصحابنا .
ومنهم من خصه بما إذا كان في مدة الخيار ، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن مشيقص ومنصوص الشافعي ، والأول الأظهر ؛ لأن المشتري وإن لم يتمكن من الفسخ بنفسه بعد انقضاء مدة الخيار ؛ فإنه إذا رغب في رد السلعة الأولى على بائعها فإنه يتسبب في ردها عليه بأنواع من الطرق المستفيضة لضرره ، ولو بإلحاح عليه في المسألة وما أدى إلى ضرر المسلم كان محرما ، والله أعلم)(6).
2ـ " ولا تباغضوا . . ولا تدابروا . ."
التدابر كما عرفه علماء الإسلام : التقاطع ، وهو مأخوذ من الإعراض ؛ لأن كل واحد يولي صاحبه دبره .
وهو في الأمور الدنيوية حرام ، فقد ورد في الصحيحين عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ، يلتقيان ؛ فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام " .
أما إذا كان الهجر في الأمور الدينية فيجوز الهجر فيها أكثر من ثلاث :
أ ـ ومن قبيلها : هجر الزوج زوجته تأديبا ؛ لقوله تعالى : { واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا } [ النساء :34] كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم نساءه شهرا .
ب ـ ومنه هجر النبي صلى الله عليه وسلم لكعب بن مالك وصاحبيه خمسين يوما لما تخلفوا عن غزوة تبوك بغير عذر ، وأمر أصحابه بهجرانهم .
ج ـ وكذا هجر أهل البدع والضلالات .
وهناك لطيفة أخرى تفطن إليها ابن قيم الجوزية حيث قال معقبا على نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن مكالمة المخلفين عن غزوة تبوك :
( . . . وفيه دليل أيضا أن رد السلام على من يستحق الهجر ليس بواجب)(7) مستمدا ذلك من حكاية كعب رضى الله عنه لحاله حيث قال : فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين . . وآتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه ، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول : هل حرك شفتيه برد السلام على أم لا؟
****
المراجع والهوامش ـ
1ـ لا تحاسدوا : الحسد : هو تمني زوال نعم الغير .
لا تناجشوا : النجش في اللغة : هو إثارة الشئ بالمكر والمخادعة ومنه النجش في البيع وهو : أن يزيد الرجل في سلعة ما بلا هدف الشراء ، وإنما بهدف نفع البائع بالثمن المزاد أو بنية إضرار المشتري بزيادة الثمن عليه .
لا تباغضوا : أي لا يبغض بعضكم بعضا .
لا تدابروا : أي لا يعرض بعضكم عن بعض فيولي أحدكم ظهره لأخيه .
لا يخذله : لا يدخر جهدا في نصرته ورد الظلم عنه .
لا يكذبه : أي لا يخبره بما يخالف الواقع .
بحسب : أي يكفيه من الشر.
2ـ صحيح مسلم .
3ـ رواه الترمذي .
4ـ رواه أبو داود .
5ـ رأي الحنابلة .
6ـ جامع العلوم والحكم ص 313.
7ـ زاد المعاد في هدى خير العباد 3/20. |
|
معاملة الله لعباده |
|
عن ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى ، قال : "إن الله كتب الحسنات والسيئات ، ثم بين ذلك ، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ، وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة " رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما بهذه الحروف (1).
لمحة عن الراوي : ـ
إضافة لما نقلناه في الحديث التاسع عشر عن ابن عباس رضى الله عنه الذي ولد قبل الهجرة بثلاث سنين بالشعب الذي حوصر فيه بنو هاشم .
وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث عشرة سنة ، وثبت عنه أنه قال : رأيت جبريل مرتين .
روى له ألف حديث وستمائة وستون حديثا ، اتفق منها البخاري ومسلم على خمسة وتسعين ، وانفرد البخاري بثمانية وعشرين ، ومسلم بسبعة وأربعين .
مات بالطائف ودفن بها سنة ثمان وخمسين في خلافة ابن الزبير ، وصلى عليه محمد ابن الحنفية ، وقال : مات رباني هذه الأمة .
دروس وعبر من كلام سيد البشر
ـ
مصطلح الحديث : ـ
جاء هذا الحديث مبينا مقادير الحسنات والسيئات ليقطع دابر مبالغة الوضاعين ، وليميز بين الأحاديث الصحيحة والموضوعة . إذ الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الصغير ، أو الوعيد العظيم على الفعل اليسير هو ضرب من ركاكة المعنى التي تعد إحدى ضوابط معرفة الحديث الموضوع ، كما قال ابن الجوزي : . . وإني لأستحيى من وضع أقوام وضعوا : من صلى كذا فله سبعون دارا في كل دار سبعون ألف بيت في كل بيت سبعون ألف سرير ، على كل سرير سبعون ألف جارية .
وإن كانت القدرة لا تعجز ، ولكن هذا تخليط قبيح ، وكذلك يقولون : من صام يوما كان كأجر ألف حاج وألف معتمر ، وكان له ثواب أيوب ، وهذا يفسد مقادير موازين الأعمال.
وفي مضاعفة الأعمال المبالغ فيها ورد الكثير من الأحاديث الضعيفة . فقد أخرج الترمذي من حديث ابن عمر موقوفا :
" من دخل السوق فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت ، وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شئ قدير ، كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف ألف درجة " .
كما خرج الطبراني بإسناد ضعيف أيضا عن ابن عمر مرفوعا : "من قال : سبحان الله كتب الله له مائة ألف حسنة " .
علم السلوك : ـ
1ـ قوله صلى الله عليه وسلم : "وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة" .
فمن عقد العزم على فعل معصية ما وحال دونه وإياها اطلاع الناس عليه لا مراقبة منه لله ـ عز وجل ـ فلا يثاب على هذا الترك بل قيل : يعاقب على تركه لها بهذه النية .
ومما ينسب في هذا الباب إلى ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ قوله : خوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على الذنب ، ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب إذا فعلته ؛ لأن تقديم خوف المخلوقين على خوف الخالق مذموم قال تعالى : { يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا } [ النساء : 108] ، { أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين } [ التوبة :13] .
قال الفضيل بن عياض : كانوا يقولون : ترك العمل للناس رياء ، والعمل لهم شرك . من أجل هذا حرص العارفون بالله على أن يتمحضوا في الرغبة والرهبة ، والخوف والرجاء لله تعالى ، فكانوا يرقبون الله في كل شئ في فعل الواجب ، واجتناب المحرم وكلاهما طاعة قال تعالى : { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } [ الكهف :110] . والشرك خطورته على عقيدة المؤمن غير خفية وتشمل خطورته فيما تشمل دقة منافذه وتشعب سبله ؛ لهذا شدد النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير منه ، فعن أبي موسى الأشعري رضى الله عنه قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال : " يأيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل " فقال رجل : وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله ؟ قال : "قولوا : اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه ، ونستغفرك لما لا نعلمه " (2).
2ـ " . . . وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة " .
من فضل الله تعالى علينا أن كتب على فعل السيئة سيئة واحدة بلا مضاعفة ، ولكن قد تتضاعف السيئات وذلك بحسب شرف فاعلها ، وقوة معرفته بالله تعالى وقربه منه ؛ ولهذا توعد الله سبحانه وتعالى عباده المخلصين على المعصية بمضاعفة الجزاء ـ ولو كانوا معصومين ـ وما ذلك إلا ليبين لهم فضله عليهم بعصمتهم ، وحفظه لهم كما قال تعالى : { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا . إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات } [ الإسراء :74 ، 75 ] ، وكما قال أيضا : { ولو تقول علينا بعض الأقاويل . لأخذنا منه باليمين . ثم لقطعنا منه الوتين . فما منكم من أحد عنه حاجزين } [ الحاقة :44 ـ 47] .
فحسنات الأبرار إذا سيئات المقربين ـ كما يقول العارفون بالله ـ ولما كان شرف نساء النبي صلى الله عليه وسلم من شرفه استحق مقامهن التضعيف فنزل فيهن قول الحق سبحانه : { يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا. ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما} [ الأحزاب : 30 ، 31 ] .
العقائدية : ـ
1ـ " . . . إن الله كتب الحسنات والسيئات . . . " .
إن نسبة الكتابة إلى الله مجازية بمعنى قدر أفعال العباد وأمر الملائكة بكتابتها على نحو ما جاء في الحديث : "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه . . . ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بكتب أربع كلمات : بكتب رزقه ، وأجله ، وعمله ، وشقي أو سعيد " (3).
وذي عقيدة أهل السنة في الآيات القرآنية التي توهم التشبيه ، تعالى الله علوا كبيرا عن الشبيه والنظير ، قال الشيخ إبراهيم السهائي صاحب كتاب (ترغيب المريد السالك في مذهب الحبر الإمام المالك ) :
وكل ما جاء بلفظ يوهم 00 أوله أو قل فيه ربي أعلم
وعن بدعة المشبهة الحشوية تحدث الإمام أبو الفضل عبد الله بن الصديق الغماري في كتابه : ( إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة ) فأجاد وأفاد :
يشبهون الله بخلقه ، أجازوا عليه الماسة والمصافحة ، وأجروا ما جاء في الآيات والأحاديث من ألفاظ الاستواء والوجه واليدين والعين والجنب ، والمجئ والإتيان ، والفوقية ، وغير ذلك على ظاهرها الذي يفهم عند إطلاقها على الأجسام ، حتى قال داود الخواري من زعمائهم : اعفوني عن الفرج واللحية واسألوني عما وراء ذلك ، ومعنى هذه العبارة أنه يثبت لله جميع الجوارح غير اللحية والفرج .
قال التاج السبكي في طبقات الشافعية : إن أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الهروي الذي تسميه المجسمة شيخ الإسلام ، قال : سألت يحيى بن عمار عن ابن حبان ، قلت : رأيته ؟ قال : وكيف لم أره ؟ ونحن أخرجناه من سجستان كان له علم كثير ، ولم يكن له كبير دين . قدم علينا فأنكر الحد لله ، فأخرجناه من سجستان !!
قال السبكي : انظر ما أجهل هذا الجارح ! وليت شعري من المجروح ؟ ! مثبت الحد لله أو نافيه ؟ !
وذكر في الطبقات أيضا في ترجمة أبي عثمان الصابوني : أن المجسمة بمدينة هراة لقبوا أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري المشار إليه بشيخ الإسلام ، قال : وكان الأنصاري المذكور كثير العبادة محدثا ، إلا أنه كان يتظاهر بالتجسيم والتشبيه ، وينال من اهل السنة في كتابه (ذم الكلام) حتى ذكر أن ذبائح الأشعرية لا تحل.
وله أيضا كتاب الأربعين ، سمتها أهل البدعة (الأربعون في السنة ) يقول فيها : باب إثبات القدم لله ، باب إثبات كذا وكذا ، يعني الأعضاء كاليد والجنب قال : وكان أهل هراة في عصره فئتين : فئة تعتقده وتبالغ فيه ، لما عنده من التقشف والعبادة . وفئة تكفره ، لما يظهره من التشبيه . اهـ .
قال : ومن مصنفاته التي فوقت نحون سهام الملام كتاب (ذم الكلام) وكتاب (الفاروق في الصفات ) ، وكتاب (الأربعين ) وهذه الكتب الثلاثة ، أبان فيها عن اعتقاد التشبيه وأفصح . اهـ .
قلت : ونقل ابن القيم عن شيخه ابن تيمية أنه كان يثني على مصنفات الهروي هذا ويحض على قراءتها ؛ لأن ابن تيمية كان يعتقد التشبيه (4).
2ـ يجب الاعتقاد بأن كل أفعال العباد الاختيارية ـ أي أقوالهم ، وأفعالهم ، واعتقاداتهم ، ونياتهم ـ تكتب في الصحائف بواسطة الحفظة من الملائكة الذين في ضمنهم الكاتبان اللذان يكون أحدهما عن يمين العبد ، والثاني عن يساره ، وكل منهما يسمى رقيبا عتيدا : أي حاضرا حافظا ، فالذي يكتب الحسنات صاحب اليمين ، والذي يكتب السيئات صاحب الشمال ، فإذا فعل العبد حسنة كتبها صاحب اليمين في الحال ، وإذا فعل سيئة وأراد أن يكتبها صاحب الشمال أمره صاحب اليمين بالتأخير إلى خمس ساعات لأن له عليه إمارة ، رجاء أن يتوب العبد فإن لم يتب كتبت عليه من غير تضعيف (5).
والأدلة على ذلك كثيرة منها قوله تعالى : { وإن عليكم لحافظين . كراما كاتبين . يعلمون ما تفعلون } [ الأنفطار :10ـ12] ، { إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد. ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } [ ق : 17 ، 18] وخبر : " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار " والحكمة من الكتابة هي إظهار عدل الله ـ عز وجل ـ يوم القيامة من جهة وزجر العبد حينما يعلم أنه مراقب وأن أعماله تسجل بدقة من جهة أخرى .
وكل أفعال العباد تكتب 00 للعدل لا عن علم ربي تعزب
الفقهية : ـ
" وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة " .
من فضل الله على عباده مضاعفته للحسنة بعشر أمثالها أو بأضعاف مضاعفة قال تعالى : { وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما } [ النساء : 40]
ومضاعفة الحسنة بعشر أمثالها لازم لكل الحسنات : { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } [ الأنعام :160] .
وأما زيادة المضاعفة على العشر لمن شاء الله أن يضاعف له فدل عليه قوله تعالى : {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء } [ البقرة : 261] .
أ ـ بعض الطاعات المضاعفة : ـ
ـ من الطاعات التي يضاعف الله ـ سبحانه وتعالى ـ حسناتها فوق العشر : الصدقة : للآية السابقة ، ولما رواه عبد الله بن مسعود رضى الله عنه حيث قال : جاء رجل بناقة مخطومة ، فقال : يا رسول الله هذه في سبيل الله ، فقال : " لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة"(6).
والصبر هو الآخر لا يعلم أجره إلا الله : { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } [الزمر :10] ، ومثله الصيام ، فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال الله ـ عز وجل ـ : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ، والصيام جنة " (7) ، ومنها الجهاد في سبيل الله ، وصلاة الجماعة ، وقراءة القرآن الكريم . . . . وغيرها كثير .
ب ـ أسباب المضاعفة : ـ
1ـ تكون المضاعفة بحسب إخلاص المؤمن وحسن إسلامه ، جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، وكل سيئة تكتب بمثلها حتى يلقى الله عز وجل " .
2ـ وتكون بحسب الحاجة إلى ذلك العمل وفضله كالنفقة في الجهاد وفي الحج وفي الأقارب وفي اليتامى والمساكين ، وأوقات الحاجة إلى النفقة ويشهد لذلك ما روى عن عطية عن ابن عمر رضى الله عنه قال : نزلت : { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } [ الأنعام :160] في الأعراب ، قيل له : فما للمهاجرين ؟ قال : ما هو أكثر ، ثم تلا قوله تعالى : {وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما }
3ـ وتتضاعف أيضا بحسب الأزمنة وبعض الأمكنة كشهر رمضان وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ، وكالأشهر الحرم . . . { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم } [التوبة : 36] .
وبالنسبة للأمكنة كالحرم المكي والمسجد الحرام ، ثم المسجد النبوي ، ثم الأقصى الذي بارك الله حوله وهي التي تشد إليها الرحال دون غيرها .
ج ـ دور النية في صحة الصدقة والزكاة : ـ
لا نقصد بهذا عدم اشتراط النية في الصدقة أو الزكاة ، وصحتها بدونها كلا ؛ لأن مدار صحة العبادات وقبولها يتوقف أساسا على النية .
ولكن نريد أن نبين أن النية في الصدقة على الفقراء والمحتاجين تكفي ولو لم تصادف محلها ويثبت الأجر ـ إن شاء الله ـ لصاحبها فعن معن بن يزيد ـ رضى الله عنهما ـ قال : كان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها فأتيته بها فقال : والله ما إياك أردت فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "لك ما نويت يا يزيد ولك ما أخذت يا معن " (8).
وعن أبي هريرة رضى الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "قال رجل : لأتصدقن الليلة بصدقة ، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق ، فأصبحوا يتحدثون ، تصدق الليلة على سارق ، فقال : اللهم لك الحمد على سارق ، لأتصدقن بصدقة ، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية فأصبحوا يتحدثون : تصدق الليلة على زانية ، فقال : اللهم لك الحمد على زانية ، لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غني فأصبحوا يتحدثون : تصدق الليلة على غني ، فقال : اللهم لكالحمد على سارق وزانية وغني ، فأتى فقيل له : أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعفف عن سرقته ، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها ، وأما الغني فلعله أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله " (9).
هذا في الصدقة أما الزكاة فلا تصح إلا إذا كانت في الأصناف الثمانية الوارد ذكرهم في قوله تعالى : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله } [ التوبة :60] . فلا يكفي المزكي ما دفعه في غير مستحقها ولو باجتهاد منه حيث تبين العكس .
د ـ حكم من هم بحسنة : ـ
من هم بحسنة وعقد العزم على فعلها ومنعه مانع قهري فالأدلة على أنه يعطى ثواب من فعلها .
أما من هم بها وتكاسل عن أدائها فإن الله يكتبها له حسنة كاملة جزاء نيته الطيبة ، ففي حديث أبي هريرة رضى الله عنه : "إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة"
قال أبو الدرداء : من أتى فراشه وهو ينوي أن يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى يصبح كتب له ما نوى .
وروى عن سعيد بن المسيب قال : من هم بصلاة أو صيام أو حج أو عمرة أو غزوة فحيل بينه وبين ذلك بلغه الله تعالى ما نوى .
وهذه نصيحة جليلة ذكرها زيد بن أسلم : كان رجل يطوف على العلماء يقول : من يدلني على عمل لا أزال منه لله عاملا فإني لا أحب أن يأتي على ساعة من الليل والنهار إلا وإني عامل لله تعالى ؟ فقيل له : قد وجدت حاجتك فاعمل الخير ما استطعت فإذا فترت أو تركت فهم بعمله فإن الهام بفعل الخير كفاعله .
ويؤكد كل ذلك ما رواه أبو كبشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إنما الدنيا لأربع نفر : عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل في رحمه ويعلم لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل ، وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية فيقول : لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء ، وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يتخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم فيه لله حقا فهذا بأخبث المنازل ، وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما وهو يقول : لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فوزرهما سواء " (10).
وتحمل كلمة : "فأجرهما سواء " على أصل الأجر لا على التضعيف للأدلة السابقة ، وإلا فما الفائدة من العمل ، قال تعالى : { فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما . درجات منه } [النساء :95 ـ 96] .
قال ابن عباس وغيره : القاعدون المفضل عليهم المجاهدون درجة القاعدون من أهل الأعذار ، والقاعدون المفضل عليهم المجاهدون درجات هم القاعدون من غير أهل الأعذار.
وهاؤم البكاؤون من أصحاب الأعذار في غزوة تبوك يصفهم الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام بقوله : "إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم" ، قالوا : يا رسول الله : وهم بالمدينة ؟ قال : " وهم بالمدينة ! حبسهم العذر " .
الثقافية : ـ
" . . . وإن هم بسيئة . . . " .
حينما أيس الأعداء من النيل من القرآن الكريم ووجدوا دونه سدا منيعا وحصنا حصينا ولوا معاولهم قبل المراجع الدينية الأخرى ، فسعوا إلى كتب الحديث النبوي الشريف وحاولوا حشوها بالموضوعات والمفتريات غير أن سهامهم قد طائت ، وأمانيهم قد خيبتها جهود رجال الحديث الذين قيضهم الله لصون شريعته وحفظ سنة نبيه ؛ لأن حفظها من حفظ القرآن الكريم لما لها من دور فعال في شرحه ، وتقييد مطلقه ، وتخصيص عامه . . فشمروا عن ساعد الجد والتفاني ، فكان الرجل يقطع المفاوز ويتجشم الصعاب ليتأكد من سلسلة حديث واحد ، حتى أثمرت جهودهم ـ رضوان الله عليهم ـ هذه الأمهات الصحاح ، فأزاحوا عن هذه الجوهرة النفيسة ما علق بها من غبار ، وفرزوا الغث من السمين ، والصحيح من السقيم ، وفوتوا على أعداء الإسلام عامة والمناوئين للمصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي كل الفرص.
غير أنهم ـ أي الأعداء ـ لم يغمدوا سيوفهم ، ولم يغمضوا أعينهم فحملوا كرة أخرى على القرآن الكريم ولكن هذه المرة بوسيلة أخبث وتأكدوا من أنها الأنجع والأفجع فجهزوا جيشا كبيرا وجحفلا عظيما مهمته الدس في كتب التفاسير ، والحشو ؛ حشو الإسرائيليات الخطيرة والتي تناقلتها بعض كتب التفسير على أنها حقائق فكانت السم الزعاف في الدسم ـ كما يقال ـ فروت من جملة ما روت ؛ ما ينال شرف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ويهمز كرامتهم ، ويلمز مقامهم الرفيع كل ذلك على طريقة بني إسرائيل الذين لا يتحرجون من اتهام نبي من أنبياء الله المصطفين الأخيار بالزنا ، وبمن ؟ ! بابنتيه الكبرى والصغرى . . . وهلم جرا .
وقريب من هذا ما وقع فيه بعض المفسرين حين تعرضهم لقول الله تعالى : { ولقد همت به وهم بها } من سورة يوسف عليه السلام [ الآية :24] حيث اتفقوا على أن هم امرأة العزيز : كان بالمعصية ، واختلفوا حول هم نبي الله يوسف عليه السلام ، فمن قائل يقول : إنها همت به تقصد المعصية ، وهم بها يقصد المعصية ولم يفعل .
ومن قائل : إن الهم بينهما كان قبل هذا الحادث كان حركة نفسية داخل نفس يوسف في السن التي اجتاز فيها فترة المراهقة .
( وقد فند العلماء المحققون هذه التأويلات الباطلة من وجوه :
1ـ إن الهم لا يكون إلا بفعل للهام ، والوقاع ليس من أفعال المرأة حتى تهم به ، وإنما نصيبها منه قبوله ممن يطلبه منها بتمكينه منه .
2ـ إن يوسف لم يطلب منها هذا الفعل حتى يسمي قبولها لطلبه ورضاها بتمكينه هما لها ، فالآيات قبل هذه وبعدها تبرئه من ذلك بل من وسائله ومقدماته .
3ـ إنه لو وقع ذلك لوجب أن يقال : ( ولقد هم بها وهمت به ) ؛ لأن الهم الأول هو المقدم بالطبع وهو الهم الحقيقي ، والهم الثاني متوقف عليه .
4ـ إنه قد علم من هذه القصة أن هذه المرأة كانت عازمة على ما طلبته طلبا جازما ومصرة عليه ، فلا يصح أن يقال : إنها همت به ، إذ الهم مقاربة الفعل المتردد فيه ، بل الأنسب في معنى الهم هو ما فسرناه به أولا ، وذلك لإرادة تأديبه بالضرب ، وقد رووا هنا أخبارا من الإسرائيليات عن تهتك المرأة وتبذلها مما لا يقع مثله من أوقح الفساق الذين تجردوا من جلابيب الحياء فضلا عمن ابتلى بالمعصية أول مرة من سليمي الفطرة الذين لم تغلبهم ثورة الشهوة الجامحة على حيائهم الفطري وحيائهم من نظر ربهم إليهم )(11).
والخلاصة : أن الفارق بين همها وهمه : أنها أرادت الانتقام منه شفاء لغيظها إذ فشلت فيما تريد ، وأراد هو الاستعداد للدفاع عن نفسه ، وهم بها حين رأى أمارة وثوبها عليها ، فكان موقفها موقف المواثبة والاستعداد للمضاربة ، ولكنه رأى من برهان ربه وعصمته ما لم تر مثله ، إذ ألهمه أن الفرار من هذا الموقف هو الخير الذي به تتم حكمته فيما أعداه له ، فاستبقا باب الدار وكان من أمرهما ما يأتي بيانه في سياق الآيات القرآنية الساردة لهذه القصة ، هذه خلاصة رأي نقله ابن جرير ، وأيده الرازي ، وأبو بكر الباقلاني وهناك تفسير آخر للحادثة يرى أن في الآية تقديما وتأخيرا ، قال أبو حاتم : كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة ، فلما أتيت على قوله تعالى: { ولقد همت به وهم بها } [ يوسف :24] قال أبو عبيدة : هذا على التقديم والتأخير بمعنى ولقد همت به . . ولو أن رأى برهان ربه لهم بها .
النفسية : ـ
"فمن هم بحسنة ... . " إلخ الحديث .
من خلال هذا الحديث النبوي الشريف يتبين لنا أن ما يقع في النفس من قصد للمعصية أو الطاعة له خمس مراتب ، منها ما لا أجر فيه ولا وزر ، ومنها ما لا إثم فيه ويثبت فيه الثواب وهي على هذا النحو كما رتبها بعضهم في قوله :
مراتب القصد خمس هاجس ذكروا 00 فخاطر فحديث النفس فاستمعا
يليه هم فعزم كلها رفعت 00 سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا
أولا : الهاجس : وهو ما يلقي في النفس ويمر مر السحاب ، ولا يؤاخذ به إجماعا ؛ لأنه ليس من فعل العبد وإنما هو وارد لا يستطيع دفعه ..
ثانيا : الخاطر : وهو جريانه فيها فيركن قليلا ثم يذهب.
ثالثا : حديث النفس : وهو ما يقع فيها من التردد هل يفعل أم لا .
رابعا : الهم : وهو خطورة الشئ بالبال وترجيح فعله بدون تصميم ، وفي هذه المرتبة تفرق الحسنة والسيئة فالحسنة تكتب به ، والسيئة لا تكب للحديث "وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة " .
خامسا : العزم : وهو قوة القصد والعزم به ويدوم في النفس ويستريح إليه صاحبها .
وأكثر المحققين على المؤاخذة به وممن قال بذلك القاضي أبو بكر ، قال القاضي عياض في الإكمال : عامة السلف وأهل العلم من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين على ما ذهب إليه القاضي أبو بكر.
وقال ابن المبارك : سألت سفيان الثوري : أيؤاخذ العبد بالهم ؟ فقال : إذا كانت عزما أوخذ ، واستدلوا بنحو قوله تعالى : { واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه } [ البقرة :235] . وقوله تعالى : { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } [ البقرة :225] . وبنحو قول النبي صلى الله عليه وسلم : "الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس".
وحملوا قوله صلى الله عليه وسلم : "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل " على الخطرات : وقالوا : ما أكنه العبد وعقد عليه قلبه فهو من كسبه وعمله فلا يكون معفوا عنه .
كيف عالج الإسلام الهواجس النفسية ؟ :
1ـ أمرنا بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم قال تعالى : { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله } [ الأعراف :200] .
فإذا حدثتك نفسك بما تستعظم ذكره فاعلم هو تلبيس إبليس ، وحرب من حروبه على عقيدتك ومن ثم بادر بالاستعاذة بالله منه لتحصن قلبك من مكايده ، فعن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يأتي الشيطان أحدكم فيقول : من خلق كذا ؟ من خلق كذا ؟ حتى يقول : من خلق ربك ؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته " (12).
2ـ وليؤكد النبي الكريم عليه الصلاة والسلام أن هذه الوساوس لا تضر المؤمن ما دام مستعيذا بالله ، اعتبرها محض الإيمان ما دامت النفس تدافعها ولا يقر قرارها وهى تجول في الخاطر حتى يردها عن عبد الله رضى الله عنه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة قال : "تلك محض الإيمان" (13).
وعن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "يأتي الشيطان أحدكم فيقول : من خلق السماء ؟ من خلق الأرض ؟ فيقول : الله ، فمن وجد من ذلك شيئا فليقل : آمنت بالله ورسوله " (14).
وعن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "قال الله ـ عز وجل ـ : إن أمتك لا يزالون يقولون : ما كذا ما كذا حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله" (15).
فقه الدعوة
ـ
لا نجاح للدعوة إلا إذا قرن أصحابها بين الأسلوبين : الترغيب والترهيب ، وهنا تبرز الحكمة والموعظة الحسنة ، والجدال بالتي هي أحسن . . . وتظهر نتائجها . . . ولكن تبقى هذه الوسائل قوالب فحسب إذا كانت بمنأى عن المضامين أو المادة الخامة التي عبر القرآن الكريم عنها بقوله : { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة } [ يوسف :108] .
إن البعض من رجال الدعوة اليوم يملكون الكثير من المادة الأساسية ، أي أنهم على بصيرة من دينهم ويتمتعون باطلاع واسع على الأحكام الفقهية والعقائدية . . . بل ويحفظون المصنفات من الكتب .
ولكنهم ينادون علنا جهارا : ما لله لله ، وما لقيصر لقيصر ، وهم في هذا لا يخشون حاكما جبارا ، ولا يرجون له عزا ولا وقارا بل عن حسن نية وصفاء طوية ، فهم يرفعون أصواتهم ويصرفون أوقاتهم لتحكيم كتاب الله ، الذي لا يفهمون منه إلا قوله تعالى : { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا } [ النساء : 103] { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } [ المائدة :38] { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } [ النور:2].
وهؤلاء وإن كانوا على بصيرة من أحكام دينهم فليسوا على بصيرة من دعوتهم ، وضررهم على الإسلام أكبر من نفعهم ، وإليهم يسعى الرؤساء والأمراء فتراهم يتصدرون مجالس الإفتاء الرسمي فتزل أقدام الكثرة الكثيرة منهم ، فينقلبون إلى فبركة الفتاوى وصياغة الأدعية لولي الأمر وأمير المؤمنين الأمين . . . فهم في سخط الله وسخط من أرضوهم في سخطه تعالى .
وترى طائفة أخرى لا تملك من الدعوة إلا اللحى المسدلة والثياب الصوفية تجوب أرجاء أوربا خاصة وأمريكا ، وليس لها من الزاد إلا النية الطيبة والوجه البشوش . . . وهذه وإن كثرت من أتباعها وأقول : أتباعها فلم تكثر في الإسلام شيئا .
ولقد حاورت الكثير من أتباع هذه الطائفة التي لم أكن أحمل أي فكرة مسبقة ضدها ، لأني أمقت التحيز والتعصب والانتماء الحركي للانتماء ! حتى يصبح الرجل داعية لجماعته لا لدينه ويتكرس في ذهنه : أن الصديق هو من كان داخل حركته وعدوه من كان خارجها .
قلت : حاورتهم في كثير من مساجد فرنسا حيث يفدون من شتى بقاع العالم ، والحق يقال : إنهم يتجشمون الصعاب ويتحملون الأتعاب فلم أجد عندهم إلا عواطفهم . . . حتى أن قائدا من قادتهم قال بالحرف الواحد : أن الصحابة كانوا يدعون بنياتهم فقط .
ومن مصائب الدعوة الإسلامية أيضا في هذا العصر أنها ابتليت بفرقة تنفر أكثر مما تبشر ، وتشوه ولا تصحح فضررها معلوم ونفعها معدوم . . . فهى تخاطب الناس من أبراج عالية وتنظر إليهم نظرة استعلاء ، نظرة الصالح للطالح ، والسيد للعبيد وتكرر على مسامع الناس أن العالم كله في ضلال . . . واضمحلال . . . وأنهم هم ربان سفينة الخلاص ولا يملكون إلا الفضاضة والغلظة في الخلق والقول .
أما كان الأجدر بهؤلاء جميعا ممن نصبوا أنفسهم دعاة حماة أن يستقوا الحكمة والموعظة الحسنة والعلم الصحيح من النبع الصافي والمعين الذي لا ينضب القرآن الكريم ، وأن يقتدوا بإمام المرسلين الأسوة الحسنة ـ صلوات ربي وسلامه عليه .
وأن يستقرئوا تاريخ اللآلئ المضيئة والدرر المنيرة من علماء الإسلام ليعلموا أن الدعوة ليست نية فحسب . . . ولا تبسم فقط . . . ولا علم وثقافة مجردة . . . وهذا الإمام النووي الجهبذ يبرز لنا تعليقه على هذا الحديث ما يتمتع به من فقه للغة ، ودراية بالحديث ، وإحاطة بأساليب التشويق والترغيب والتحبيب :
فانظر يا أخي ـ وفقنا الله وإياك ـ إلى عظيم لطف الله تعالى بعبده وتأمل هذه الألفاظ ، وقوله : عنده إشارة إلى الاعتناء بها وقوله : كاملة ؛ للتأكيد وشدة الاعتناء بها ، وقال في السيئة التي هم بها ثم تركها : كتبها الله عنده حسنة كاملة ، فأكدها بكاملة وإن عملها كتبت سيئة واحدة ، فأكد تقليلها بواحدة ، ولم يؤكدها بكاملة ، فلله الحمد والمنة ، سبحانه لا نحصي ثناء عليه وبالله التوفيق .
تطبيق
ـ
مما سبق عرفنا أن مكة المكرمة ، أو بالأحرى الحرم المكي هو المكان الذي تتضاعف فيه الطاعات والسيئات كذلك لقوله تعالى : { الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج } [ البقرة :197].
قال ابن عمر : الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم .
وقال تعالى : { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم } [ الحج : 25] ، أي ومن يرد أن يعدل عن الاستقامة ويميل إلى الظلم في المسجد الحرام يكون مصيره العذاب الموجع ، وكان جماعة من الصحابة يتقون سكنى الحرم خشية ارتكاب الذنوب فيه : منهم ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وكذلك كان عمر بن عبد العزيز يفعل ، وكان عبد الله ابن عمرو بن العاص يقول : الخطيئة فيه أعظم ، وروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال : لأن أخطئ سبعين خطيئة ـ يعني بغير مكة ـ أحب إلى من أخطئ خطيئة واحدة بمكة.
وعن مجاهد قال : تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات . وقال ابن جريج : بلغني أن الخطيئة بمكة بمائة خطيئة ، والحسنة على نحو ذلك ، وقال إسحاق بن منصور : قلت لأحمد في شئ من الحديث : إن السيئة تكتب بأكثر من واحدة ؟ قال : لا . ما سمعنا إلا بمكة لتعظيم البلد ، ولو أن رجلا بعدن أبين هم ، وقال إسحاق بن راهويه كما قال أحمد.
وقال الضحاك : إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو بأرض أخرى ولم يعملها فتكتب عليه .
وروى السدي عن مرة عن عبد الله بن مسعود قال : ما من عبد يهم بخطيئة فلم يعملها فتكتب عليه ، ولو هم بقتل الإنسان عند البيت وهو بعدن أبين أذاقه الله من عذاب أليم ، وقرأ عبد الله : { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم } [ الحج : 25] (16) . أوردت هذا كله لأستدل على كبير ما يقترفه بعض الحجاج اليوم داخل الحرم المكي من الجدال والخصام والسباب . . والاقتتال . . فنسأل الله السلامة والعافية .
****
المراجع والهوامش
ـ
1ـ فمن هم : الهم أقل من العزم ، وهو تغليب فعل الشئ على تركه .
كتبها الله عنده : أي في المنزلة العالية .
عشر حسنات : وهي أقل التضعيف.
فلم يعملها : أى تخوف من الله تعالى .
2ـ رواه أحمد ، والطبراني .
3ـ راجع : الحديث الرابع في هذه السلسلة .
4ـ نقلا عن كتاب : إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة ، لأبي الفضل عبد الله بن الصديق الغماري ص 30 ، 31 ط : عالم الكتب عام 1986م
5ـ من كتاب : سراج السالك شرح أسهل المسالك بتصرف .
6ـ صحيح مسلم .
7ـ رواه البخاري ـ واللفظ له ، ومسلم .
8ـ رواه البخاري في الزكاة .
9ـ رواه البخاري ـ واللفظ له ـ ومسلم ، والنسائي .
10ـ أخرجه الإمام أحمد ، والترمذي ، وابن ماجه ، واللفظ له .
11ـ تفسير المراغي 4/131 ، بتصرف قليل .
12ـ رواه البخاري ، ومسلم ، وأبو داود .
13ـ رواه مسلم .
14ـ رواه البخاري ومسلم .
15ـ رواه البخاري ومسلم .
16ـ أخرجه الإمام أحمد وغيره . |
 |
|