إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

سبحان الله والحمد لله والله أكبر
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العقيده الأسلاميه. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العقيده الأسلاميه. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 30 يناير 2012

الجنه

الجنــــة في العقيدة اليهودية

Paradise

الكاتب: د/ عبد الوهاب المسيرى


«الجنة» هي الترجمة العربية لكلمة «جن عيدن» العبرية.
كما توجد كلمة أخرى في العبرية هي «باراديس» وتعني «جنة».
والكلمة من أصل فارسي، وتعني «بقعة يحيط بها سور»، ولعلها ذات صلة بالكلمة اليونانية «باراديوس» التي أصبحت في الإنجليزية «باراديز paradise».
ويشكل مفهوم الجنة أحد المفاهيم الأخروية اليهودية المتأخرة. وقد ورد في العهد القديم (سفر التكوين) أن الإله غرس جنة عدن ليقطن فيها آدم وحواء.
وهذه الجنة بقعة جغرافية في هذا العالم. والواقع أن اليهودية الأولى، أي عبادة يسرائيل الحلولية، لم تعرف الحياة الآخرة أو العالم الآخر أو البعث. وثمة مشاكل عديدة في قصة جنة عدن هذه تتعلق بشجرة الحياة والمعرفة ودلالتها الرمزية. ومفهوم جنة عدن هو أصل مفهوم الفردوس الأرضي (الموجود بعيداً في الشرق) الذي يقطن فيه الصالحون.

وقد تطوَّر مفهوم الجنة مع تطوُّر المفاهيم الأخروية الأخرى، وظهرت مفاهيم مثل: العالم الآخر (الآتي)، والمستقبل، والعصر المشيحاني، وكلها مفاهيم تدور حول فكرة الفردوس (وإن كان هذا الفردوس فردوساً أرضياً داخل الزمان).
ومع ظهور فكرة البعث وفكرة الثواب والعقاب الفرديين، صارت فكرة الجنة مرتبطة بهذه الأفكار وأصبحت جنة عدن "حديقة في العالم الآخر".
بل ذهب بعض الحاخامات، لحل مشكلة الثنائية بين جنة عدن والجنة أو الفردوس الأرضي والفردوس السماوي، إلى أن جنة عدن نُقلَت إلى السماء.
ومع هذا، لم يتبلور المفهوم تماماً، واختلط بمفهوم العالم الآتي وتداخل مع المفاهيم الفردوسية الأخرى. وهكذا، فإننا نجد أن الفكر القبَّالي يجعل الجنة (باراديس) في متناول العارفين بالقبَّالاه الذين يصلون إلى معنى التـوراة الخـفي، فيخترقون سطح توراة الخالق ليصلوا إلى توراة الفيض، ومن هنا ذهب القبَّاليون إلى أن بارديس هي التفسير المتعمق للتوراة. والحروف المكوِّنة لكلمة «بارديس» هي الحروف الأولى لمستويات التفسير الأربعة: ب = بيشاط (حرفي)، ر = ريميز (رمزي)، د = ديراش (وعظي)، س = سود (باطني أو صوفي حلولي).
وفي العصر الحديث، تخلَّى الفكر الديني اليهودي عن هذه الفكرة تماماً، وهي لم تكن في أي وقت إحدى العقائد الأساسية.

الأربعاء، 25 يناير 2012

إبطال شبهات الملاحدة الماديين في إنكار الخالق العليم

إبطال شبهات الملاحدة الماديين في إنكار الخالق العليم
يقول بعض الكتّاب: " إن الإيمان بالله لم يأت نتيجةً لبحثٍ علمي، أو تحليل منطقي، وإنما جاء عن طريق أن إنساناً ما وهو النبي قال للناس: إن هناك إلهاً وهذه هي صفاته، وهذه هي أحكامه وتشريعاته، فالمؤمن لم يتوصل إلى ذاك " الله " بمحض عقله، بل إن إيمانه جاء عن طريق تصديق النبي فيما قاله. إذاً الإيمان ما هو إلا نوع من تصديق شخص ما وليس أكثر من ذلك.." ا.هـ .

بهذا التبسيط الساذج، يقرر الملاحدة قضية الإيمان بالله، ليس هناك من دليل على وجوده، سوى شخص جاء وأخبر عنه، وأمر الناس بطاعته، فالإيمان لا يعدو أن يكون تصديق شخص ما، لا أقل ولا أكثر، فهل رأى أحدٌ سخرية من العقل والمنطق كهذه السخرية !!

إن الإيمان بالله عز وجل خالق الوجود ومسيّره، أعظم وأجل من أن يقال فيه هذا، ووجوده أعظم من أن يقتصر في الاستدلال عليه على خبر النبي رغم أهميته وعظم دلالته، بل أدلة وجوده أوسع وأعمق، فهي تتسع لتشمل كل ذرات الكون من فرشه إلى عرشه، فما من مخلوق في هذا الكون إلا وهو ينادي بالدلالة على خالقه، وهي دلالة لا تقتصر على إثبات الوجود فقط، بل تتسع لتدل على صفات هذا الخالق العظيم، من العلم والحكمة والإرادة والقدرة وغيرها.

ورغم سعة هذه الدلالات وعظمتها، فقد وجد من شواذ البشر، من زعم أنه لا إله، وأن الحياة مادة صماء لا تعقل ولا تنطق، وهي مع ذلك قد أوجدت نفسها بنفسها عن طريق التلقائية والمصادفة !! وهي ذاتها تسيَّر نفسها عن طريق نظام الطبيعة وقوانينها، دون أن يتدخل أحد لا في إيجادها ولا في تسييرها، في منطق يعجز العقل عن تصوره.

إذ كيف لمادة صماء أن توجد نفسها، فضلا على أن تهب الحياة لغيرها ؟!! كيف ؟! والعقل قاضٍ بأن الموجود لابد له من موجد، وأن المخلوق لا بد له من خالق، كما نطق بذلك لسان الفطرة عند أعرابي، عندما سئل عن دليل وجود الله ؟ فقال: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدل على العليم الخبير.

وفي كل شيء له آية *تدل على أنه واحد

ومع وضوح دلائل وجود الخالق سبحانه، إلا أننا نرى أن لا بد من الإتيان على ما يتشبث به الملاحدة من شبه بالنقض والإبطال، ليعلموا أن ليس معهم من العلم شيءٌ يستندون إليه في إنكار خالقهم ورازقهم، فمن شبهات الملاحدة:

الشبهة الأولى
قولهم: إن العقول عاجزة عن تصور كنه هذا الإله وحقيقته، وما عجزت العقول عن إدراكه وتصوره فهذا دليل على عدم وجوده.

ونحن نجيب على هذه الشبهة بقولنا: إن المقدمة الأولى من هذه القضية صحيحة بلا شك، فالعباد قاطبة عاجزون عن معرفة حقيقة هذا الإله العظيم.

ومن مأثور كلام أهل العلم في ذلك، قولهم: "كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، وعجزك عن درك الإدراك إدراك، والبحث في كنه ذات الله إشراك "، لكن المقدمة الثانية غير صحيحة، إذ ليس كل ما عجزت العقول عن معرفة حقيقته وكنهه عدم، وإلا للزم أن تنكر العقول كثيرا من أسرار هذا الكون لعجزها عن معرفة حقيقتها وكنهها.

فقد وقف العلماء عاجزين عن معرفة حقيقة المادة التي بين أيديهم، وهم يرونها بأعينهم، ويذوقونها بألسنتهم، ويشمونها بأنوفهم، ويصرفونها في طرق الحياة والعيش . فإذا كان هذا الشأن في معرفة أقرب الأشياء من الإنسان وألصقها به، فهل يطمع الإنسان أن يصل بعقله إلى معرفة حقيقة الله تعالى؟ وهل يطمع الإنسان الذي لا يعرف كيف يعرف ؟ ولا يدرك كيف يدرك ؟ ولا يعقل كيف يعقل ؟ أن يعقل حقيقة الله تعالى !!.

إن العلم لا يزال عاجزاً عن معرفة الطريقة التي يتم بها الإدراك، والوسيلة التي يتم بها الاتصال بين المادة والعقل، والكيفية التي يتلقى بها العقل الروحاني الإحساس بالشيء المادي فيدركه، فهل يطمع بعد ذلك أن يعرف كنه ذات الله تعالى ؟.

إن عدم اقتداركم – أيها الملاحدة - على تصور حقيقة الله لا يعني استحالة وجوده، ويكفي العقول أن تستدل على وجود الله بآثاره من نظام وإتقان وإحكام في هذا العالم، أما التطلع إلى إدراك حقيقة ذاته، فهذا ما لا سبيل للإنسان إليه، وفي هذا يقول أحد الفلاسفة الكبار، "روجر باكون " : " إنه لا يوجد عالم من علماء الطبيعة يستطيع أن يعرف كل شيء عن حقيقة ذبابة واحدة وخواصها، فضلا عن أن يعرف كنه ذات الله ".


الشبهة الثانية
قولهم: إن عقولنا لا يمكن أن تتصور حصول شيء من لا شيء، أي استحالة خلق المادة من العدم، فكيف يخلق الإله من العدم ؟ وجوابنا عن هذه الشبهة من وجهين:

الوجه الأول: أن قولهم لا يمكننا أن نتصور حصول شيء من لا شيء، مبني على قولهم بقدم المادة وأزليتها، وهذا عين المحال، إذ كيف للمادة الصماء أن توجد نفسها !! وإذا كنتم ادعيتم عجز العقول عن تصور خلق شيء من لا شيء، فإن العقول أعجز عن تصور قدم المادة وأزليتها، ذلك أن المادة لا يعقل أن تخلو من صورة تقوم بها، والعقل السليم يقطع بأن كل صورة تقوم في المادة هي حادثة لأنها تزول وتتغير، ولا يخفى أن كل ما يطرأ عليه العدم يستحيل عليه القدم .

الوجه الثاني: أن عجز العقول عن تصور حصول شيء من لا شيء، لا يعني امتناعه في نفسه، فقد تعجز العقول عن تصور أمور كثيرة وهي ثابتة، كعجزها عن تصور حقيقة المادة رغم أنها ملامسة مشاهدة، فإذا كان هذا الشأن في معرفة أقرب الأشياء من الإنسان وألصقها به، فهل يطمع الإنسان أن يخضع بعقله أفعال الله سبحانه لقوانين البشر وقدراتهم .!!

إن منشأ هذه الشبهة – إنكار الخلق من العدم - هو قياس التمثيل، فعندما رأوا أن المخلوق لا يمكن أن يصنع شيئا إلا من شيء آخر، نفوا أن يكون شيء مصنوعا من لا شيء، وإبطال هذا القياس بإيضاح الفرق بين الخالق والمخلوق، فالمخلوق لا يمكنه أن يصنع شيئا من لا شيء، أما الخالق فقدرته ليس لها حدود، فهو على كل شيء قدير، { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } ( يس : 82 ) .


الشبهة الثالثة
قولهم لو كان نظام الكائنات مخلوقا من إله حكيم، لكان موضوعا بقصد وحكمة، ولكانت علامات القصد والحكمة تامة في كل شيء، إلا أننا نرى في العالم أشياء لا تنطبق على القصد والحكمة.

والجواب على هذه الشبهة: أن جهلنا بحكمة مخلوق أو نظام ما في هذا الكون، ليس مبررا على الإطلاق أن ننكر خالقه سبحانه، ذلك أننا نشاهد من أسرار الله في مصنوعاته الحكم الباهرة ولم تزل تظهر لنا يوما بعد يوم حكمة بعد أخرى، مما كان خافيا علينا دهورا طويلة، فليس عدم إدراكنا للحكمة يعني انتفاءها وعدم وجودها، فقد تظهر لنا في يوم من الأيام ، كما ظهر سواها .

وإذا تأملتم – أيها الملاحدة - قصور العقل البشري وعجزه عن إدراك كثير من الأمور المادية المشاهدة لنا، وقارنتم بين هذا العجز وبين قدرة الله العظمى وحكمته، لم تستغربوا اختفاء حكمة بعض الأشياء عن عقولنا، ورأيتم أن من الأولى قياس القليل النادر، مما لم تظهر حكمته، على الكثير المستفيض الذي لا يعد ولا يحصى من شواهد حكم الله الظاهرة في مخلوقاته، لا أن تتخذوا من هذا القليل النادر الذي خفيت حكمته دليلا على إنكار وجود الله الخالق.


الشبهة الرابعة
قولهم: إذا كان لكل موجود موجد، ولكل مخلوق خالق فمن خلق الله ؟ والجواب على هذه الشبهة من وجهين:

الوجه الأول: أن إيراد هذا السؤال خطأ بين، ذلك أن قدرة الله جل جلاله تتعلق بالممكنات لا المستحيلات، وأن يخلق الله إلها من المستحيلات بلا شك، فلا تتعلق به القدرة، ذلك أن هذا الإله الذي سيخلقه الله سبحانه سيكون مخلوقا، وإذا كان مخلوقا فبالضرورة لن يكون خالقا وبالتالي لا يصلح أن يكون إلها.

الوجه الثاني: أننا لو تنزلنا وقلنا بصحة السؤال، لأفضى ذلك إلى التسلسل، وهو محال عقلا، بيانه أننا إذا أجبنا على سؤال من خلق الله ؟ بالقول: إنه خالق آخر، فسوف يرد نفس السؤال على الخالق الآخر، فيقال من خلق الخالق الآخر، وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية، وفي المحصلة سنكون قد ارتكبنا محالين عقليين: الأول نفي الخالق، والثاني: القول بتسلسل علل لا نهاية لها.


الإيمان والعلم والفلسفة :


كثيرا ما يستند الملاحدة في إنكارهم للخالق إلى الفلسفة والمنطق، ويحاولون أن يظهروا بمظهر الباحثين والمفكرين، ولكنهم في حقيقة الأمر من أجهل المخلوقات على الإطلاق، ذلك أن الدين والعلم والفلسفة كلها قد اتفقت على الإيمان بالله سبحانه، وأنه موجد الكون ومدبره، ولكن كما قال بعض الفلاسفة: القليل من الفلسفة يبعد عن الله، لكن الكثير منها يرد إلى الله، وقد اخترنا في خاتمة هذا المقال بعض مقولات لعظماء من الفلاسفة الذين نصوا على وجود الله سبحانه، والإيمان به:

يقول "أفلاطون": " إن العالم آية في الجمال والنظام، ولا يمكن أن يكون هذا نتيجة علل اتفاقية، بل هو صنع عاقل، توخى الخير، ورتب كل شيء عن قصد وحكمة "

ويقول "ديكارت": "إنِّي مع شعوري بنقصٍ في ذاتي، أُحسُّ في الوقت نفسه بوجود ذاتٍ كاملة، وأراني مضطرًّا إلى اعتقادي؛ لأنَّ الشعور قد غَرَسَتْه في ذاتي تلك الذات الكاملة المتحليَّة بجميع صفات الكمال؛ وهي الله".

ويقول "أناكساغورس" أحد فلاسفة اليونان الأوائل: " من المستحيل على قوة عمياء، أن تبدع هذا الجمال، وهذا النظام اللذين يتجليان في هذا العالم، لأن القوة العمياء لا تنتج إلا الفوضى، فالذي يحرك المادة هو عقل رشيد، بصير حكيم "

ويقول ديكارت أيضاً: " أنا موجود فمن أوجدني ومن خلقني؟ إنني لم أخلق نفسي، فلا بد لي من خالق. وهذا الخالق لا بد أن يكون واجب الوجود، وغير مفتقر إلى من يوجده، أو يحفظ له وجوده، ولا بد أن يكون متصفا بكل صفات الجمال. وهذا الخالق هو الله بارئ كل شيء "

ويقول باسكال: " إن إدراكنا لوجود الله، هو من الإدراكات الأولية، التي لا تحتاج إلى جدل البراهين العقلية، فإنه كان يمكن أن لا أكون، لو كانت أمي ماتت قبل أن أولد حيا، فلست إذا كائنا واجب الوجود، ولست دائما ولا نهائيا، فلا بد من كائن واجب الوجود، دائم لا نهائي، يعتمد عليه وجودي، وهو الله الذي ندرك وجوده إدراكا أوليا، بدون أن نتورط في جدل البراهين العقلية، ولكن على الذين لم يقدر لهم هذا الإيمان القلبي أن يسعوا للوصول إليه بعقولهم.."

وبهذه الثلة من أقوال هؤلاء الفلاسفة وبما سبق من أدلة عقلية جلية، يتبين أن الإيمان بوجود الخالق قضية ضرورية بديهية، مركوزة في النفس والعقل، لا يخالطها ريب ولا شك، ولا تحتاج لبرهان إلا لمن فسدت فطرته، والله الموفق والهادي إلى سواء لسبيل.

الشبكة الاسلامية

الاثنين، 23 يناير 2012

من هو الله


من هو الله

جمع وترتيب/ ام شهاب
هالة يحيى صادق

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا أما بعد.

لانستطيع أن نعلم مَن الله إلا مِن الله ، وذلك عن طريقين اثنين :
• الأول : التدبر فى آيات الله الشرعية المتلوة فى كتابه العزيز وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم .
• الثانى : النظر فى مخلوقات الله وآياته الكونية .
سنجد فى هذين الطريقين ما ينطق بعظمة الله الخالق عز وجل ووحدانيته فى ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته فإن كتاب الله إن تأملته يأخذك فى جولاتٍ وجولات ترتاد آفاق السماء وتجول فى جنبات الأرض والأحياء يريك عظمة الله وقدرة الله وتقديره فى المخلوقات ثم يكشف لك أسرار الخلق والتكوين ويهديك الى الحكمة من الخلق والتصوير ثم يقرع الفؤاد بقوله { ءإلهٌ مع الله تعالى الله عمّـا يُشـركون } رحلة طويلة لكنها مع ذلك شائقة وجميلة تتحرك لها المشاعر وتستجيب لها الفطرة السليمة المستقيمة كما أنها تُنبّـه الغافل وتدمغ المُجادل .
وأما آياته الكونية : كل مافيها ينطق بوحدانيته سبحانه ، فالكون كتاب مفتوح يُقرأ بكل لغة ويُدرك بكل وسيلة يُطالعه ساكن الخيمة وساكن القصر ، كلٌ يُطالعه فيجد فيه زاداً من الحق إن أراد التطلع الى الحق .. فهيا معى نتعرف الى الله فى جولة أرجو ألا يستطيلها ملول وألا يستكثرها مشغول .

أولاً ( أ ) من القرآن :
• {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ } [السجدة : 7]
• { الله لا إله إلا هو الحى القيوم } البقرة
• { هو الله الذى لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم . هو الله الذى لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يُشركون . هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يُسبح له ما فى السموات والأرض وهو العزيز الحكيم } آخر الحشر .
وغير ذلك كثير جداً فى القرآن ...

( ب ) من السـُـنة :
• عن بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب : " لا إله إلاالله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم " .. أخرجه البخارى ومسلم .
• عن ابن الزبير رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول دُبر كل صلاة حين يُسلّم : " لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، لا إله إلا الله لانعبد إلا إيّـاه ، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن ، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون " .
• وعن أبى هريرة أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى وإذا إضطجع : " اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شئٍ ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسى وشر الشيطان وشركه " .

النظر فى آيات الله الكونية ومخلوقاتـه :
يا أيها الماء المهـين من سـواكا *** ومن الذى فى ظلمة الأحشاء قد والاكا
ومن الذى غـذاك من نـعمـائه *** ومن الكـروب جميعهـا نجـّـاكـا
ومن الذى شـقّ العيون فأبصرت *** ومـن الـذى بالعقـل قـد حـلاكـا
ومن الذى تعصى ويغفر دائمـاً *** ومـن الـذى تنســى ولا ينســاكا

عجائب خلق الله فى النوم :
هل تأملت النـوم يوماً ؟ أنت تعرفه وتمارسه كل يوم ، بل أن نصف عمرك أو أقل يذهب فيه ، وهو ضرورة لا غنى عنها بل إن حياتك مؤلفة من قسمين اثنين :
1) يقظة تبتغى بها فضل الله وفق شرع الله.
2) نوم تبتغى به الراحة لتعاود العمل فى طاعة الله .
قال تعالى : { هو الذى جعل لكم اللـيل لتسـكنوا فيه والنهار مُبصـراً إن فى ذلك لآياتٍ لقومٍ يسمعون } يونس 67 . فى النوم تتعطل وظائف الحس إجمالاً يتوقف البصر بإغماض الجفون وإن لم تغمض كما فى بعض الناس فإن الرؤية تكون مفقودة . والحاسة التى تبقى تعمل خلال النوم هى السمع .. فالنوم آية .. قال تعالى { ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن فى ذلك لآيات لقومٍ يسمعون } فجمع بين النوم والسمع فى سياق واحد . . وكما فى سورة الكهف { فضربنا على آذانهم فى الكهف سنين عدداً } أما الدماغ فلا ينام بالمعنى المفهوم ولكنه يتغير ، فبعد أن كان يبث على موجات عالية يصبح على موجات أقل تردداً ، ولذا رُفع القلم عن النائم حتى يستيقظ لأن العقل مناط التكليف .
أيضاً هل تأملت نائمين متجاورين ودار بخلدك أن أحدهما ربما ينعم بالرؤى الصالحة ويود ألا يستيقظ الدهر كله مما يجد من لذة .. والذى يجاوره فى شقاء ويُعذب بالأحلام الشيطانية المزعجة يود لو لم ينم .. هل ساءلت نفسك هل يعلم هذا عن مجاوره ؟ أو يعلم ذاك عن هذا ؟ هل إستعظمت هذا ؟ !!
إن هناك ما هو أعظم وأكبر .. قال تعالى { لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون } غافر 57

عجائب خلق الله فى الجـنين :
هل تعلم أن للجنين نفسية لا ينفصل فيها عن أمه ، فتراه فى حالات إنكماش واكتئاب مرة ، وحالات إنشراح وانبساط أخرى ، فنجده مضطرباً حين تقع أمه فى أزمة إنفعال حادة كغضب أو تأثر جسدى كوقوع على الأرض أو إصطدام بشئ تبعاً لتأثر أمه بذلك ، وتجده هادئاً عندما تنصت أمه لسماع ما تستريح إليه النفس من قرآن وعلم دينى ، بل أنها حين تسمع صوت أبيه وتنصت له رأوه عن طريق أجهزة التصوير الضوئى كالمنصت له تبعاً لأمه .. والأعجب من هذا أنهم شاهدوا الجنين يتأذى ويبدى الإنزعاج لبعض المخالفات الشرعية كالتدخين – عافانا الله وإياكم – فقد وجد الطبيب فى تجربة عملية أن الجنين هادئاً ساكناً وعند تدخين أمه لسيجارة وبمجرد إلتقاطها وإشعالها أشار المقياس الى إضطراب الجنين تبعاً لإضطراب قلب أمه فسبحان الله الذى جعله فى وسط ظلمات ثلاث يتأذى مما تتأذى منه أمه وإن كانت هى لم تشعر بذلك .

عجائب خلق الله فى السـماء :
إن علماء الفلك يكتشفون من خلال تجاربهم ومراصدهم ومناظيرهم كل يوم ما يُدهش العقول فى هذا الكون الفسيح حتى قال مكتشف الجاذبية معبراً عن إكتشافه وضآلة ما إكتشفه بجانب ذلك الخلق العظيم : لست أدرى كيف أبدو فى نظر العالم ولكنى فى نظر نفسى أبدو وأنا أبحث فى هذا الكون كما لو كنت غلاماً صغيراً يلعب على شاطئ البحر فيلهو بين حين وآخر بالعثور على حجر أملس أو محارة بالغة الجمال فى الوقت الذى يمتد فيه محيط الحقيقة أمامى دون أن يسبر ( يكتشف ) أحد غوره .
وصدق الله : { وما أوتيتم من العلم إلا قليـلاً } الإسراء 85 . لقد رأى أحبتى فى الله مجموعة النظام الشمسى وقد تألفت من مائة مليار نجم قد عُرف ، وعُرف منها الشمس ، وتبدو هذه المجموعة كقرص قطره 90 ألف سنة ضوئية وسُـمكه 5 آلاف سنة ضوئية ومع هذا البُعد الشاسع فإن ضوء الشمس يصلنا فى لحظات ، وكذلك ضوء القمر . بل لقد رأى هناك مجموعات تكبرها بعشرات المرات أخص منها مائة مليار مجموعة تجرى كلها فى نظام دقيق بسرعة هائلة كلٌُ فى مساره الخاص دون إصطدام { كلٌ يجرى لأجلٍ مسـمى } الزمر 5 . هذا الذى رآه ، وما لم يره أكثر ، فقد قال الله تعالى { فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون } الحاقة 38 و 39 ..
لذا أدعوك أن تخلو بنفسك دقائق فى ليل صفا أديمه وغاب قمره ثم تأمّـل عالم النجوم وأعلم أن ما تراه ماهو إلا جزء يسير من 100 مليار مجموعة عُرفت وكثير منها لم يُعرف كل منها فى مسار معين لا يختلط بغيره ثم انقل تفكيرك الى ما بثـّـه الله فى السموات من ملائكته لا يُحصيهم إلا هو سبحانه فما من موضع أربع أصابع إلا ومَلَك قائم لله راكع أو ساجد يطوف منهم بالبيت المعمور كل يوم 70 ألف لا يعودون إليه الى قيام الساعة . . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنى أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون . أطّت السماء وحق لها أن تئـط مافيها موضع أربع أصابع إلا ومَلَك واضع جبهته ساجداً لله تعالى . والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً وما تلذذتم بالنساء على الفُرش ولخرجتم الى الصعدات تجأرون الى الله " الصعدات : الصحارى .قال أبو ذر : والذى نفسى بيده لوددت أنى كنت شجرة الأرض – صححه الألبانى فى السلسلة الصحيحة رقم 5347 .
ثم أنقل نفسك وتجاوز تفكيرك الى بصيرة يسير بها قلبك الى عرش الرحمن ، وقد علمت بالنقل سعته وعظمته ورفعته ، عندها ستعلم أن السماوات بملائكتها ونجومها ومجراتها ومجموعاتها ، والأرض ببحارها وجبالها وما بينهما بالنسبة للعرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة .. فلا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شئ قدير .

تأمل خلـق الأرض :
تأمل هذه الأرض بينما هى هادئة ساكنة وادعة ، مهاد وفراش ، قرار وذلول ، خاشعة فإذا بها تعتز ، تتحرك تثور ، تتفجر ، تدمر ، تبتلع ، تتصـدع ، زلازل ، خسف ، براكين ، تجدها آية من آيات الله ، وكم لله من آية يُخـوِّف الله بها عباده لعلهم يرجعون ، وهى مع ذلك جزاءً لمن حق عليه القول ، وهى أيضاً تذكير بأهوال الفزع الأكبر يوم يُبعثون ويُحشرون .
يذكر صاحب علوم الأرض القرآنية أنه قبل حوالى خمسة قرون ضرب زلزال شمال الصين عشر ثوان فقط : هلك بسببه 430 ألف شخص ، وقبل ثلاثة قرون ضرب زلزال مدينة لشبونة فى البرتغال لعدة ثوان هلك فيه 600 ألف شخص ، وأنفجرت جزيرة كاراكاتو فى المحيط الهندى قبل قرن فسُمع الإنفجار الى مسافة خمسة آلاف كيلو متر مربع وسجلته آلات المراصد فى العالم وتحولت معه فى ثوان جزيرة حجمها 20 كيلومتر الى قطع نثرها الإنفجار على مساحة مليون كيلومتر مربع وأرتفعت أعمدة الدخان والرماد الى 35 كيلومتر فى الفضاء وأظلمت السماء على مساحة مئات الكيلومترات حاجبة ضوء الشمس لمدة سنتين ، وأرتفعت أمواج البحر الى 30 متر فأغرقت 36 ألف نسمة من سكان جزيرتى جاوة وسومطرة . { وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هى إلا ذكرى للبشر } قال تعالى { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم } الأنعام 65 .. فنعوذ بالله أن نُغتال من تحتنـا ..

التأمـل فى خـلق الهـواء :
إذا تأملت ذلك وجدت آية من آيات الله الباهرة ، وقد حبسه الله بين السماء والأرض ، يُدرك ولا يُرى ، جعله الله مِلكاً للجميع ولو أمكن الإنسان التسلُـط عليه لباعه وأشتراه ولتقاتل مع غيره عليه كما فعل بأكثر الأشياء التى سخرها له المولى عز وجل وعلا ..
جعل الله الهواء بحكمته يجرى بين السماء والأرض ، والطير محلقة سابحة ، يحركه الله بأمره فيجعله رياحاً رخاء وبُشرى بين يدى رحمته فيه مبشرات ولواقح وذاريات ومرسلات ، ويحركه فيجعله عذاباً عاصفاً قاصفاً فى البحر وعقيماً صرصراً فى البر ، تتوزع الرياح على سطح الأرض تحت نظام مُحكم فتلقح الأزهار ، فتبارك من جعلها سائقاً للسحاب تذروه الى حيث الله شاء .. فهل تأملت يوماً من الأيام سحاباً مظلماً قد إجتمع فى جو صاف لا كدر فيه وهو لين رخو حامل للماء الثقيل بين السماء والأرض حتى إذا أذن له خالقه أرسل الريح تلقحه وتسوقه فينزل قطرة قطرة لا تختلط قطرة بأخرى ولا تدرك قطرة صاحبتها فتمتزج بها ، بل كل واحدة فى طريق مرسوم لها حتى تصيب الأرض التى عُيـنت لها لا تتعداها الى غيرها .. { وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون } الجاثية 5 .. هل تأملت هذا ؟ أحسب أنك تقول نعم ومعها لا إله إلا الله ..

التفكر فى عجائب البحـر :
إن لله فى البحر لآيات ، وأعلم أن الماء يملأ ثلاثة أرباع سطح الأرض ، فما الأرض بجبالها ومدنها وسهولها وأوديتها بالنسبة الى الماء إلا كجزيرة صغيرة فى بحر عظيم يعلوها الماء من كل جانب ، وطبعه العُلو لولا إمساك الرب سبحانه وبحمده له بقدرته ومشيئته لطغى على الأرض فأغرقها ودمرها وجعل عاليها سافلها ، فتبارك الله لا إله إلا هو رب العالمين ..
ذكر ابن القيم فى مفتاح دار السعادة : فى البحار حيوانات كالجبال لا يقوم لها شئ ، وفيه من الحيوانات ما يُرى ظهورها فيظن من عِظمها أنها جزيرة فينزل عليها الركاب ويُشعلوا نارهم ، فتحس بالنار إذا أوقدت فيُعلم أنه حيوان ..
ثم أنظر الى السفن وسيرها فى البحر تشقه وتمخر عبابه بلا قائد يقودها ولا سائق وإنما قائدها وسائقها الريح التى سخرها الله لإجرائها ، فإذا حُبست عنها الريح ظلت راكدة على وجه الماء فذاك قول الله تعالى { ومن آياته الجوار فى البحر كالأعلام إن يشأ يُسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن فى ذلك لآيات لكل صبّـار شكور } الشورى 32 – 33 .
فى أواخر القرن 19 الميلادى صنع الإنجليز باخرة عظيمة كانت فخر صناعتهم كما يقولون ، ثم انطلقت فى رحلة ترفيهية حاملة على متنها علية القوم ونخبة المجتمع – كما يصفون أنفسهم – وقد بلغ الفخر والغرور ببُـناة السفينة درجة كبيرة فسموها الباخرة التى لا تُقهـر – بل إن أحد أفراد طاقمها قال بما ترجمته ( حتى الله نفسه لا يستطيع أن يُغرق هذا المركب ) جلّ الله وتعالى وتقدس لا يعجزه شئ فى الأرض ولا فى السماء ، وفى اليوم الثالث من سيرها فى المحيط الأطلسى إصطدمت بجبل جليدى عائم ففتح فيها فجوة بطول 90 متر ، وبعد ساعتين وربع تستقر الباخرة التى لا تُقهر فى قعر المحيط ومعها 1504 راكب وحمولة بلغت 46 ألف طن .
وتأمل معى كيف مد الله البحار وخلطها ومع ذلك جعل بينها حاجزاً ومكاناً محفوظاً فلا تبغى محتويات بحر على بحر ولا خصائص بحر على بحر عندما يلتقيان .. فى إيران أنهار عندما تلتقى بمياة البحر ترجع عائدة الى مجاريها التى أتت منها .. وتلتقى مياة المحيط الأطلسى بمياة البحر الأبيض فتبقى مياة البحر الأبيض أسفل لثقلها ولكثرة ملحها وتعلو مياة المحيط لخفتها ، وكلٌ فى مجراه ، {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان : 53]

عجائب خلق الله فى مخلوقاته :
قال : انظر وتأمل تلك النملة الضعيفة ترى عبراً وآيات باهرات تنطق بقدرة رب الأرض والسماوات : تنقل الحبَّ الى مساكنها وتكسره حتى لا ينبت إذا أصابه بلل وتُخرجه الى الشمس إذا خافت عليه من العفن ثم ترده الى بيوتها .. كما أنها تعتنى بالزراعة وفلاحة الأرض : تشق الأرض وتحرثها وتزيل الأعشاب الضارة وتنظف الأرض ثم تتسلق الشجر وقت الحصاد وتذهب بها الى مخازنها ، بل إن لها مدافن جماعية تدفن فيها موتاها ، وفوق هذا تعرف ربها وتعرف أنه فوق سماواته مستوٍ على عرشه بيده كل شئ ..
روى الإمام أحمد فى الزهد من حديث أبو هريرة رضى الله عنه يرفعه ، قال : خرج نبى من الأنبياء بالناس يستسقون فإذا هم بنملة مُستلقية على ظهرها رافعة قوائمها الى السماء تدعو ربها ، فقال : إرجعوا فقد سُقيتم بغيركم ( رواه الدارقطنى فى سننه والحاكم فى المستدرك وصححه الألبانى فى المشكاة )
ومن عجيب أمر القردة ماذكره البخارى فى صحيحه عن عمرو بن ميمون قال : رأيت فى الجاهلية قرداً وقردة زنيا ، فأجتمع عليهما القرود فرجموهما حتى ماتا .. – رواه البخارى فى مناقب الأنصار – عجباً لها قرود تُقيم الحدود حين عطّلها بعض بنى آدم !! إن هدايتها فوق هداية أكثر الناس !!
وأغرب من ذلك أن الحيوانات فيها مشاعر الإحساس بالذنب وتعاقب نفسها على ذلك ، ومن ذلك ما ذكره أبو عبيدة معمر بن المثنى فى كتاب الخيل ( له من طريق الأوزاعى ) أن مُهراً أنزى على أُمه ليلقحها فأمتنع ، فأُدخلت فى بيت وجللت ( أى : غطوها ) بكساءٍ فأنزى عليها فنزى ، فلما شم ريح أمه عمد الى ذكره فقطعه بأسنانه من أصله . فتح البارى 7 / 161 ..
ومن عجيب أمر الفأرة ما ذكره صاحب كتاب ( العقيدة فى الله ) أنها إذا شربت من الزيت الذى فى أعلى الجرة ينقص ويعز عليها الوصول إليه فى أسفل الجرة فتذهب وتحمل فى أفواهها الماء ثم تصبه فى الجرة حتى يرتفع الزيت فيقترب منها ثم تشربه .. من علمها ذلك ؟ !! إنها لم تتعلم الكثافة وموازينها ولم تتعلم أن الماء أثقل من الزيت فيعلو الزيت على الماء .. فمن علمها هذا ؟ !! إنه الله ، أحق من عُبد وصُلى له وسُجد .
سبحان من يُجرى الأمور بحكمة فى الخلق بالأرزاق والحرمان ..
وتأمل معى النحل : فهى مأمورة بالأكل من كل الثمرات بخلاف كثير من الحشرات التى تعيش على نوع معين من الغذاء وتعجب أنها لا تأكل من التبغ ، فلا تأكل إلا الطيبات ، فهل يعتبر بذلك أهل العقلات !!
ومما يُذكر أن ألدّ أعداء النحل هو الفأر يُهاجم الخلية فيشرب العسل ويلوث الخلية فماذا تفعل النحلة الصغيرة أمام الفأر الذى هو لها كجبل عظيم ؟ إنها تُطلق عليه مجموعة من العاملات فتلدغه حتى يموت . لكن : كيف تُخرجه ؟ إن بقى أفسد العسل ولوث أجواء الخلية ، ولو إجتمع نحل الدنيا كله على إخراجه ما استطاع . فماذا يفعل ؟؟
جعل الله عز وجل له مادة شمعية يفرزها ويُغلف بها ذلك الفأر فلا ينتن ولا يتغير ولو بقى ألف عام حتى يأتى صاحب الخلية فيُخرجه .. فسبحان من خلق فسوى وقدّر فهدى ..
فيا عجباً من مضغة لحم أقسى من الجبال تسمع آيات الله تُتلى فلا تلين ولا تخشع !!
لله فى الآفـــاق آيـات لعـل أقـلها هو ما إليـه هـداكا
ولعل مافى النفـس من آيـاته عجب عجـاب لو تـرى عيناكا
والكون مشحون بأسـرار إذا حاولت تفســيراً لها أعيـاكـا
قل للمريض نجا وعوفى بعدما عجزت فنون الطب : من عافاكا ؟
قل للصحيح يموت لا من علةٍ : من بالمنايا يا صـحيح دهـاكا ؟
وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فأسأله : من ذا بالسـموم حشـاكا ؟
وأسـأله كيف تعيـش يا ثعبـان أو تحيا وهذا السـم يملأ فاكا ؟
وأسأل بطون النحل كيف تقاطرت شهداً ، وقل للشهد من حلاكا؟
بل سـائل اللبن المصـفى كان بين دمٍ وفرث مالذى صـفّاكا ؟
قل للهواء تحسه الأيدى ويخفى عن عيون النـاس : من أخفاكا ؟
وإذا رأيت النبت فى الصحراء يربو وحده فأسـأله من أرباكا ؟
قل للمرير من الثـمار من الذى بالمُـر دون الثـمار غـذّاكا ؟
وإذا رأيت النخل مشقوق النوى فأسأله من يا نخل شـق نواكا ؟
سـتجيب مافى الكون من آياته عجب عُجـاب لو ترى عيناكا
ربى لك الحمـد العظيم لذاتـك حمـداً وليـس لواحـدٍ إلاكا
يا مدرك الأبصـار والأبصـار لا تـدرى له ولكنهه إدراكا
إن لم تكن عينى تراك فإننى فى كل شـئ أسـتبين عُـلاكا
يا أيها الإنسـان مهلاً ما الذى بالله جـل جـلاله أغراكا ؟!!

إنه الله { الذى أحسن كل شئٍ خلقه } لا إله إلا هو ، أنت من آياته ، والكون من آياته ، والآفاق من آياته تشهد بوحدانيته .. سبحان الله ..
جمع وترتيب
ام شهاب
هالة يحيى صادق
 

الأربعاء، 11 يناير 2012

حاجة العالم إلى الله

حاجة العالم إلى الله
الكاتب الشيخ / محمد الغزالي

حاجة العالم إلى الله



        قد يشرف المهندسون والبناءون على تشييد عمارة ضخمة، ثم ينفضون أيديهم منها، أو يموتون عنها. وتبقى العمارة بعدهم أمدا بعيدا، قائمة الجدران مستوية الأركان. إن هذه العمارة لم تخلق من عدم والفعلة فيها لم يزيدوا أن ضموا حجرا حجرا، ثم انتهى عملهم إلى هذا الحد.
أما بناء هذا الكون الفسيح، وتشييد سقفه المحفوظ، وتمهيد أرضه وتهيئتها للعمران، فهو عمل آخر أساسه الإبداع من العمل المطلق.
وكما أن العالم في وجوده احتاج إلى ربه، فهو في بقائه يحتاج إليه لحظة بعد لحظة.


        ولا توجد ذرة في الأرض ولا في السماء تستمد وجودها من ذاتها، حتى يتصور استغناؤها بنفسها، بل على العكس، هذا الوجود المفاض عليه يتلاشى ويضمحل إذا شاء مفيضه أن يحرمها منه، مثلما يتقلص الظل إذا ذهب ما يلقيه.
لن يكون نهار إلا مع وجود الشمس، ولن يكون عالم إلا مع وجود الله. (ولله المثل الأعلى) (النحل:60) (يا أيها الناس انتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد. إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز) (فاطر: 15-17)
        فالعقول وما يتردد فيها من أفكار، والقلوب وما يتجدد فيها من مشاعر، والأجسام وما يتدفق فيها من دماء، وما يتحرك فيها من أجهزة وعضلات، في كل بلد، بل في كل قارة، منذ بدء الخلق والى قيام الساعة، وما نعرف وما لا نعرف، إنما يقوم بقيام الله عليه، ولو شاء تركه لأصبحنا وما وجدنا وقتا نفكر فيه بأننا فنينا، لأننا سنكون فنينا فعلا.
        إن الأرض التي تسير عليها بقدميك لا تمسك نفسها تحتك، فهي لا تشعر بك، ثم هي لا تصنع شيئا من الحبوب والفواكه التي تغلها.
فأنى لها الخلق والإتقان وهي جامدة هامدة لا تحس ولا تعلم؟
        إن الإمداد الإلهي وحده، هو الذي قام ويقوم بما ترى، قياما لا تتوهم معه غفلة ولا تفريط ولا فتور، و الا لهلكنا واختل كل شيء‍‍!!
        الفارق بين وجودنا ووجود الله، أن الله تبارك وتعالى وجوده واجب له من ذاته. أما نحن فليس من ذواتنا شيء قط، إن منحنا نعمة الوجود بقينا ما بقيت معارة لنا، و الا اختفينا فلم يمسكنا شيء.
ومن هنا نعرف أن لله صفات كثيرة، توضح معالم كماله، نذكر منها ما يلي:
===================
عقيدة المسلم

ما نعلم وما لا نعلم

ما نعلم وما لا نعلم
الكاتب الشيخ / محمد الغزالي


ما نعلم وما لا نعلم



        وقف مرة الأستاذ : آينشتاين" العالم الكبير عند درج صغير في أسفل مكتبه وقال: "إن نسبة ما اعلم إلى ما لا اعلم، كنسبة هذا الدرج إلى مكتبي" ولو انصف لقال: انه اقل من هذه النسبة. فانا لا نعلم أي شيء هو؟
إننا نعيش في عالم مملوء بالحقائق والقوى، ولا نعلم أي شيء. وهذا في الدنيا التي نعيش فيها، ونلمسها، ونزاول شؤوننا فيها، فكيف بالعوالم الأخرى البعيدة عنا؟
نقول: أن العالم مكون من ذرات، ونقول: إن الذرة مكونة من اليكترونات، أو من نواة وشحنة كهربائية سالبة وموجبة..
ويتغير رأينا في تكوين الذرة بمعدل مرة في كل أربع سنوات، وننجح فنعمل من الذرة قنابل ذرية، ونحن لا نعلم حقيقتها شيئا.
        نقول: إن الأجسام تسقط لقانون الجاذبية، والمصباح يشتعل بالكهرباء، ونسخر الكهرباء في إيجاد الحرارة، والبرودة، والحركة، وإيجاد الأمواج واستقبالها. ولكن ما الكهرباء؟ لا نعلم عن حقيقتها شيئا، وإنما نعلم كيف تستخدم. بل الحياة نفسها لم نعرف حقيقتها، وان كانت تسكن فينا، وكل ما حولنا لا نعلم حقيقته وإنما نعرف أعراضه.
        وبعبارة أخرى نعرف "كيف" ولا نعرف "ما" و "ماذا". ما الحب، ما الجمال، ما القبح، ما الحرية، ما كل شيء معنوي؟
كل هذه لا نعرف عن حقيقتها شيئا. وكل ما يستطيعه العقل، أن يعرف صفاتها. ما الدين، ما الخوف، ما الأمل، ما الشجاعة، ما الفضيلة، ما الرذيلة؟ لا شيء غير الصفات.
قد نعلم أن اثنين واثنين أربعة، ثم نعلم اجزاءها ومضاعفاتها.
أما سائر الأشياء فنعرف أعراضها، ولا نعرفها. وكأنه مُنحنا عقلا ليس من طبيعته أن يعرف شيئا عن الحقائق. وكل الذي يعرفه الإنسان –لو كان ذكيا- أن يوجه سلوكه في الحياة حسب طبائع الأشياء وحقائقها.
        ولذلك انصف أصحاب مذهب "البراجماتزم" إذ انكروا قدرة العقل على معرفة الحقيقة، وقصروه على معرفة الوسائل للغايات.
        والذين يشتعلون بالعلوم؛ ويقولون: أنهم وضعوا قوانينها كقوانين الجاذبية وقوانين الطبيعة والكيمياء، لا يزعمونها شرحا للحقائق، ولكن شرحا لأوصافها، وحتى هي شرح لصفاتها الظاهرة، لا صفاتها الباطنة.
انك تقول: أن فلانا يحبني، وفلانا يكرهني. ولكن، ما حقيقة الحب والكره؟ لا نعرف.
قد تكون معرفة الفن أسهل من معرفة العلم، أو بعبارة أخرى أسهل من معرفة الحقيقة؛ لان الفن عمل، والعلم فهم، ونحن على العمل اقدر منا على فهم الحقائق.
ولذلك سهلت الحياة لأنها فن، وصعبت معرفة الحقائق، لأنها علم. انك تستطيع أن تعلم انك إذا صنعت القطار على نمط صحيح لا يصطدم ولا تخرج عجلاته، وتستطيع –بقدر الامكان- أن تتقي الأحداث، وتستطيع أن تترقب النجاح في عمل إذا سرت فيه سيرا حسنا، لان هذه كلها فن لا علم.
وحتى أنت _ في هذه _ عرضة للخطأ ، فقد يحدث ما ليس في الحسبان، ويخرج القطار عن القضيب ، ويصطدم بجاموسة مرة _ عرضا _في الطريق . وتصطدم سيارتك بما لم تقدر مطلقا أنها تصطدم به . فكيف الحقائق المجهولة ؟
إن كان ذلك ، فكيف نأمل أن نعرف العقل والنفس ، وحقيقة الشعور ، وما إلى ذلك ؟
كل ما نتحدث به عن هذه الأشياء ألفاظ جوفاء ، وتشدق سخيف ،لا حقيقة وراءه.
ولو أنصف مؤلفو المعاجم ، ومحاولو التعريفات لكفوا عن ذلك . لأنهم لا يصلون إلى حقيقته ، وإنما يدورون حول أنفسهم .
ولو دققت النظر في تعريفاتهم، لوجدتها تعريفا بالمثل، لا تعريفا بالحقيقة. وأكثر الناس يعيشون بعقيدتهم لا بعلمهم، وبخرافاتهم وأوهامهم لا بعقلهم، فكيف وعقلهم لم يدرك حقيقة ما حوله؟
إن كان هذا حقا، فكيف يحاول العقل الإنساني البحث عن الله؟ انه يكون كقوم لم يعرفوا أرضهم، فبحثوا عن المريخ، أو لم يعرفوا ما أمامهم فحاولا أن يعرفوا ما فوقهم.
ويعجبني ما نسب إلى الإمام علي كرم الله وجهه، في الله تعالى: "انه لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، ولا تراه النواظر، ولا تحجبه السواتر، لا بذي عظم تناهت به الغايات، فعظمته تجسيدا، ولا بذي كبر امتدت به النهايات فكبرته تجسيما".


        وما نقلنا آنفا عن الأستاذ "احمد أمين" تحديد حق للنطاق الذي يصل فيه عقل الإنسان وينتج. وقد زينت الحرية العقلية التي اتاحها الإسلام للباحثين تجاوز هذا النطاق فعدوا قدرهم، وخاضوا في بحوث لا طائل تحتها.. وبلغ بهم التيه في ميدان النظر أن تكلموا في ذات الله، هل صفاتها عينها؟ أو غيرها؟ أو لا عين ولا غير؟
ومضى بهم الجدل المحض إلى غير قرار! وأي قرار في أمر لا يمكن أن تصل إليه الأفكار؟
إن هذا البحث لو كان في ذات الإنسان لكان عسيرا، فكيف يسمح به في ذات الله –جل وعلا-؟
إن علماء المسلمين الذين كتبوا في العقائد لم يقصدوا إلا الخير. ولست أظن أن واحدا من الأولين والآخرين عمد إلى تشويه الدين أو مسخ آثاره في الأفئدة. وقد تأدى الجدل ببعضهم إلى التقاذف بتهم مريبة.
        وقد نبت في هذا العصر قوم يريدون إقحام العامة فيما لا يطيقون من بحوث، فبلبلوا الأفكار في وقت نحتاج فيه إلى تجميع الشمل وتركيز القوة ضد الحضارة المادية التي تريد أن تطوي أعلام التوحيد وتستأصل شأفة الإسلام.
وما دام هناك من يعتنق مبدأ التأويل ويستمسك به، فليس من السائغ أن نرميه بالإفك ونسلخه من الملة كما يفعل الجهال.
وحسبنا أن نذكر الحق المجرد، وان نعرف الناس جميعا، أن الله عز وجل ليس كمثله شيء؛ ثم لنطهر أنفسنا من الخلاف في الحظوظ والأهواء.
================
عقيدة المسلم

الغنى المطلق

الغنى المطلق
الكاتب الشيخ محمد الغزالي


الغنى المطلق


        الله سبحانه وتعالى واسع الغنى، وليست سعة غناه راجعة إلى انه يملك هذا العالم بسماواته وأرضه وما حوى من معادن نفيسة وعناصر غالية.
        ولا لأنه يملك عددا لا يحصى من الجن والإنس والملائكة . لا .. لا. فالغنى الإلهي أعظم من ذلك وامجد!.
إننا قد نعتبر الرجل غنيا لأنه يملك القناطير من الذهب والفضة، أو لأنه يحكم الألوف المؤلفة من الناس. فإذا فقد ذلك لم يصبح على شيء من الغنى، إذ انهارت الدعائم التي يقوم عليها. وقد يكون الملكوت الواجب الذي نعرف اقله ونجهل أكثره مظهرا للغنى الإلهي العظيم.
لكن الله عز وجل يستطيع أن يفني ذلك اجمع، ولا ينقص غناه المطلق شيئا البتة!! ويبقى قائما بنفسه، مستغنيا عن خلقه، ومستكملا نعوت قداسته، ومستعليا في أنوار جلالته.
        إن العرش فما دونه صفر إلى جانب الذات العليا، وتسبيح العباد من بدء الخلق إلى قيام الساعة، أو لغو الفجار في هذا الأمد الطويل، لا يضفي ولا ينتقص من عظمة الحق شيئا.
وقد جاء في الحديث القدسي: " يا عبادي لو أن أولكم واخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على اتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على افجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا"
المخلوقات جليلها ودقيقها تقوم بالله عز وجل، أما الله، فقائم بنفسه، مستغن بذاته عما سواه.

================
عقيدة المسلم

هل يحتاج وجوده تعالى إلى دليل ؟

هل يحتاج وجوده تعالى إلى دليل ؟

الكاتب: د./ محمد ربيع محمد جوهرى
        انقسم العلماء في هذا الموضوع إلى فريقين :ـ

        فريق يرى أن وجود الله تعالى أمر ضروري فطري ، لا يحتاج إلى دليل ، لأنه مركوز في فطرة الإنسان

        وفريق يرى أن وجوده أمر نظري مكتسب ، يحتاج في إثباته إلى الأدلة ، ولو كان ضروريا ما اختلف فيه أحد ، وما كفر بعض الخلق.

        ويرى الفريق الأول أن مهمة الرسل كانت لتوحيد الله ، لا لإثبات وجوده .

        يقول الإمام الشعراني : " لم يأت الأنبياء والرسل ليعلمونا بوجود الصانع ، وإنما أتونا ليدعونا إلى التوحيد ، قال تعالى : { فاعلم أنه لا إله إلا الله } . والخلق إنما أشركوا بعد الاعتراف بالموجود لما اعتقدوه من شركاء لله تعالى ، أو لنفي واجب من صفاته ، أو لإثبات مستحيل منها ، أو لإنكارهم النبوات " (1).

        والاعتراف الذي يشير إليه الشعراني هو المذكور في قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين(172) أو تقولوا إنما أشرك ءاباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون (173) وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون(174)} [ الأعراف ] .

        ويوضح هذه الفكرة الدكتور عبد الحليم محمود ـ رحمه الله ـ فيقول : "الواقع حين بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم الجهر بدعوته بعد نحو ثلاث سنوات من الإسرار بها ، فإنه صلوات الله وسلامه عليه لم يبدأ بإثبات وجود الله ، وإنما بدأ بالبرهنة على صدقه هو ، وتحدى العرب بصدقه ، ومن قبل ذلك حين فاجأه الملك في الغار ، ونزل الوحي ، لم يبدأ الملك ، أو لم يبدأ الوحي بإثبات وجود الله ، وإنما بدأ بالأمر بأن يقرأ الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ باسم ربه .

        أما الآيات الكثيرة التي يظن بعض الناس أنها نزلت لإثبات الوجود ، فليست من ذلك في قليل ولا في كثير ، إنها تبين عظمة الله ، وجلاله ، وكبرياءه ، وهيمنته الكاملة على العالم ، ما عظم من أمره ودق منه ، لا تفوت هيمنته صغيرة ولا كبيرة ، ولا يخرج عن سلطانه ما دق وما جل"(2).

        ويدعم هذا الفريق رأيه في أن وجود الله فطري لا يحتاج إلى دليل بالآيات القرآنية الآتية :

        • { ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله } [ العنكبوت /61].

        • { ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله } [ العنكبوت /63].

        • { ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم (9)} [ الزخرف].

        • { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولهن الله فأنى يؤفكون (87)} [الزخرف /87]

        ويعترض هذا الفريق على من يحاول الاستدلال على وجود الله قائلين:

        " كيف تكون الكائنات مظهرة له ، وهو الذي أظهرها ، أو معرفة له ، وهو الذي عرفها ، وكيف يحتاج إلى الدليل من نصب الدليل؟ " (3).

        ويناجي أحدهم ربه قائلا : " إلهي ، كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك !! أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك !! متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك !! ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك !!

        كيف يتصور أن يحجبه شئ ، وهو الذي أظهر كل شئ !

        كيف يتصور أن يحجبه شئ ، وهو الذي ظهر بكل شئ.

        كيف يتصور أن يحجبه شئ ، وهو الذي ظهر في كل شئ.

        كيف يتصور أن يحجبه شئ ، وهو الظاهر قبل وجود كل شئ.

        كيف يتصور أن يحجبه شئ ، وهو أظهر من كل شئ.

        كيف يتصور أن يحجبه شئ ، وهو الواحد الذي ليس معه شئ.

        كيف يتصور أن يحجبه شئ ، وهو أقرب إليك من كل شئ.

        كيف يتصور أن يحجبه شئ ، ولولاه ما كان وجود شئ.

        شتان بين من يستدل به ، أو يستدل عليه ، المستدل به عرف الحق لأهله ، فأثبت الأمر من وجود أصله ، والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه ، وإلا فمتى غاب حتى يستدل عليه ، ومتى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه " (4).

        هذه وجهة نظر أولئك الذين رأوا أن وجود الله لا يحتاج إلى دليل ، أما تعقيبنا عليها ، فإننا نرى أن عاطفة التدين موجودة في جميع بني البشر ، وأن معرفة الله معلومة لكل مخلوقاته { تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا (44)} [ الإسراء ] . وقد أيدت الأبحاث العلمية الحديثة هذه القضية ، حيث أثبتت وجود نوع من التدين لدى جميع المجتمعات ، وأن من ينكر وجود الإله ، إنما يستبدل وجود إله بإله.

        لكن الإنسان بعد ميلاده يتأثر بعوامل كثيرة ، شرحنا بعضها عند حديثنا عن ( ضرورة الدين للإنسان ) مثل : البيئة الفاسدة ، والتنشئة الخاطئة : والمصالح المادية ، والميول والأهواء ، ودور إبليس وأعوانه في هذا الوجود . . هذه المؤثرات تلعب دورا خطيرا في انحراف الفطرة الإنسانية .

        من هنا احتاج الناس إلى : التنبيه ، وإلى : التذكير.

        ومن هنا كانت آيات القرآن الكريم لتنبه ، ولتذكر ، وخاصة أن وسائل المعرفة لدى الإنسان من حواس ، وعقل معرضة للخطأ ، وأن موضوع معرفة ـ وجود الله ـ أجل من أن يحده شئ ، أو يحصره تصور ، بل إن الوضوح الظاهر ، أو الظهور الواضح ، أو القرب القريب ، قد يكون سببا في الخفاء والالتباس.

        وإن في انقسام العلماء في هذه المسألة إلى فريقين ما يدل على أنها ليست بدهية ، إذ الضروري يتفق عليه جميع العقلاء ، ولا يختلف فيه اثنان منهم ، لذلك فإننا سنعرض هنا مجموعة من الأدلة على وجود الله تعالى : سواء اعتبرها القارئ أدلة ، أو اعتبرها من باب التذكير والتنبيه على ما أودع في الفطرة .

==============

        المراجع والهوامش :

1ـ اليواقيت والجواهر ص 53
2ـ الإسلام والعقل ص 96 ـ 97
3ـ المدرسة الشاذلية للدكتور عبد الحليم محمود ص 25
4ـ الإسلام والعقل ص 103 .

وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد

وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
اعجازات القرآن

        الله سبحانه وتعالى جعل القرآن معجزة باقية الى يوم القيامة، ولذلك وضع فيه الدليل تلو الدليل على ما يتحدى به غير المؤمنين ليرد على ادعاءاتهم، ولقد قيل ان عصر المعجزات انتهى، ولكن معجزات القرآن لا تنتهي حتى تقوم الساعة، ومعاني الآيات لا تتضح في عصر واحد.
        بل كل عصر نصل الي معنى لم نكن قد وصلنااليه، والقرآن معجزة ومنهج، المنهج وهو ما رسمه الله لنا كطريق للعبادة والحياة ثم تفسيره وبيانه كاملا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالعبادات والمعاملات وغيرهما فيما يتصل بـ " افعل" و " لا تفعل" بيّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
        فالصلوات المفروضة فيه مثلا خمس لا تزيد ولا تنقص الى يوم القيامة، وكذلك الأحكام وكل ما يتعلق بمنهج السماء، كلها أشياء حسمت وبينت تماما، ولكن المعجزة في القرآن الكريم هي التي بقيت لتعطي كل جيل معنى اعجازيا لم يصل اليه الجيل الذي قبله.
ولو أن معجزة القرآن توقفت عند نزول القرآن لجمد القرآن فلم يعد يعطي شيئا جديدا، ولكن لأن هذا الكتاب معجزة باقية متجددة، فهو يعطي لكل جيل عطاء جديدا، وهكذا نجد في كل عصر عطاء للقرآن لم يكن موجودا في العصر الذي قبله.
فاذا قرأنا مثلا الآية الكريمة:{ غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ } الروم 1_3.
        وجدنا أن أدنى حين نزل القرآن كانت " كما قلنا" بمعنى المكان القريب من أرض العرب، ولما تقدم العلم واستطاع الانسان أن يصوّر سطح الأرض بالأقمار الصناعية، وجد أن مكان المعركة بين الروم والفرس هو أكثر الأماكن انخفاضا على سطح الأرض، واذا قرأنا الآية الكريمة:
{ إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ }الأنفال 42.
        نجد أن الله سبحانه وتعالى قد حدد ثلاثة مواقع: موقع المؤمنين وهم قريبون الى المدينة المنورة، وموقع الكفار وهم بعيدون عن مكة المكرمة، أي أن المؤمنني أقرب الى مدينتهم واهلهم، والكفار بعيدون عن مدينتهم وأهلهم، ثم قال تعالى:{ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ }.والركب هو قافلة أبو سفيان التي أفلتت من المؤمنين.والمعروف ان أبا سفيان لكي يفلت من المؤمنين غيّر مساره واتخذ طريق الساحل وهنا يجب ان نلتفت الى قول الله تعالى:
{ أَسْفَلَ مِنكُمْ }.أي موقع منخفض عنكم.
        والمعروف أن ساحل البحر هو أكثر الأماكن انخفاضا في الأرض، ولذلك تقاس كل الارتفاعات بسطح البحر، فيقال: هذا المكان يعلو ألف متر مثلا عن سطح البحر أو مائة متر أو غير ذلك.
اذن فسطح البحر المقياس الذي اتخذه العالم كله بيساوي صفرا في الارتفاع، تقاس عليه كل الارتفاعات في الدنيا، ولذلك قوله تعالى:{ أَسْفَلَ مِنكُمْ } يلفتنا الى هذه الحقيقة، ولكن القرآن الكريم لم يكتف بأن يبين هذا، بل بين لنا أن هناك بقعة على سطح الأرض هي أكثر انخفاضا على سطحها، وهي التي دارت عليها المعركة بين الفرس والروم.
        واذا قرانا القرآن الكريم، نجد ان الحق سبحانه وتعالى قد لفتنا الى مصدر العلم للبشرية كلها، فقال سبحانه وتعالى:{وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}البقرة 31.
        وهكذا حدد القرآن الكريم في اعجاز مذهل مدخل العلم لى البلشر، فأنت حين تريد أن تعلم طفلك عندما يبدأ يميز الأشياء، لا بد أن تعلمه الأسماء أولا، فتقول له: هذا كوب، وهذا قلم وهذا كرسي، وهذا طعام الى غير ذلك.
        ونحن نقول اذا لم نعلم الطفل هذا فانه لا يستطيع أنيفهم شيئا ولكنه اذا تعلم الأسماء أصبح بعد ذلك قادرا على استيعاب العلم، ولذلك ففي الدنيا كلها وبالنسبة للبشرية كلها، لا بد أن نبدأ بأن نعلم اطفالنا أسماء الأشياء، ثم بعد ذلك تختلف نظم التعليم من دولة الى أخرى ومن طريقة الى طريقة، ولكنها كلها لا بد أن تبدأ بتعليم الأسماء، وهكذا نعرف أن بداية العلم من الله سبحانه وتعالى.
        فقد بدأ الحق جل جلاله بتعليم الانسان الأسماء، وما زالت هذه البداية موجودة حتى الآن في كل نظم التعليم، الأسماء أولا، فاذا تعلم الطفل الأسماء بدأ يستوعب أي شيء آخر، ونحن لا نعلم الطفل الأسماء في المدرسة فقط.
        ولكن هذا هو علم الفطرة، تبدأ الأم مع طفلها قبل أن يذهب الى المدرسة، والأم المتعلمة وتلك التي لم تنل حظا من التعليم، كلتاهما تبدأ بتعليم ابنها الأسماء، لأن علم الفطرة تكون منه البداية دائما، ثم بعد ذلك يتطور ويتبدل، ولا يمكن أن يتم التفاهم بين الأم وطفلها ولا بين طفل وطفل آخر الا اذا تعلما الأسماء أولا، والعلم في الدول المتقدمة والدولة المتخلفة أيضا لا بد أن يبدأ بالأسماء باعتبارها أساس التفاهم في الحياة، ولكن هناك اعجاز آخر بالعلم البشري لا بد أن نلتفت اليه، وهو يحمل الينا الدليل اللغوي على وجود الله.

=====================
منتديات الطريق إلى الله

وجوده تعالى فطري

وجوده تعالى فطري
الكاتب الشيخ / محمد الغزالي

وجوده تعالى فطري


        وجود الله تعالى من البداهات التي يدركها الإنسان بفطرته، ويهتدي إليها بطبيعته وليس من مسائل العلوم المعقدة، ولا من حقائق التفكير العويصة. ولولا أن شدة الظهور قد تلد الخفاء، واقتراب المسافة جدا قد يعطل الرؤية، ما اختلف عن ذلك مؤمن ولا ملحد. (أفي الله شك فاطر السموات والأرض) (إبراهيم:10). وقد جاءت الرسل لتصحيح فكرة الناس عن الألوهية. فإنهم وان عرفوا الله بطبيعتهم إلا أنهم اخطأوا في الإشراك به، والفهم عنه. (هذا بلاغ للناس. ولينذروا به وليعلموا انه هو إله واحد) (إبراهيم:52) (فاعلم انه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك) (محمد:19).


        والبيئة الفاسدة خطر شديد على الفطرة، فهي تمسخها وتشرد بها، وتخلف فيها من العلل ما يجعلها تعاف العذب وتسيغ الفج.
        وذاك سر انصراف فريق من الناس عن الإيمان والصلاح، وقبولهم للكفر والشرك! مع منافاة ذلك لمنطق العقل وضرورات الفكر و أصل الخلقة.


        " إني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، فأتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم .."
وقد اقترنت حضارة الغرب –التي تسود العالم اليوم- بنزوع حاد إلى المماراة في وجود الله، والنظر إلى الأديان –جملة- نظرة نقص، أو قبولها كمسكنات اجتماعية لأنصارها والعاطفين عليها.

        ولا شك أن المحنة التي يعانيها العالم الآن أزمة روحية، منشؤها كفره بالمثل العليا التي جاء بها الدين – من الحق- والإنصاف، والتسامح – والإخاء-.


        فلا نجاة له مما يرتكس فيه إلا بالعودة إلى هذه المثل، يهتدي إليها بفطرته، كما يهتدي سبيله الجنين في ولادته، والفرخ من بيضته.
        ومتى هُدي العالم إلى الفطرة، هُدي الإسلام، فان الإسلام هو دين الفطرة. ولا بأس من سوق طائفة من الدلائل التي تفتق للذهن الغافل منافذ يبصر بها ويلتفت لما وراءها.
===================
عقيدة المسلم

بين البحث عن الله والبحث فيه

بين البحث عن الله والبحث فيه
الكاتب الأستاذ الدكتور / طه حبيشي
بين البحث عن الله والبحث فيه

وإننا لن نمل من التكرار، ولا نيأس من التنبيه إلى قضية هامة، وهي وجوب التفريق بين البحث عن الله والبحث فيه، وهما أمران أدى الخلط بينهما إلى مهاو كثيرة من الضلال انحدر إليها ومازال ينحدر الكثيرون من المفكرين فإذا أراد العاقل أن يبحث عن الله، سيجد أن الله قد يسر له كل سبيل، ومهد أمام عينيه كل طريق يوصله إلى خالقه وبارئه.
ولكن الإنسان هو الإنسان، تغريه بعض النتائج التي أتيح له إدراكها بالتصدي إلى مجالات لا يمكنه أن يسير فيها.
فهو إذا استطاع أن يصل إلى معرفة أن الله موجود بالعقل تجده يظن أنه قادر على القول الفصل في تحديد ما يجب لله من صفات، وما لذاته السامية من مفاهيم، وما يجوز عليها من إطلاق الأسماء أو العبارات، فيتحدث عن ذات الله وصفاته بالعقل، حديث الواثق المطمئن إلى مقدماته ونتائجه، وهو لا يدري أن عقله محجوب عن ذلك، وفكره لا يستقل بالحديث فيما رام أن يتحدث فيه.
ولذا فإننا نقول : إنه ينبغي على العاقل أن يفرق بين البحث عن الله، والبحث فيه، ويتعرف على مدى إمكاناته التي تؤهله إلى هذا المجال أو ذاك، فلا يقحم ذاته على ميدان لا يتأتى له أن يبحث فيه.
======================
عقيدتنا

الحقيقة الأولى الله جل جلاله

الحقيقة الأولى الله جل جلاله
الكاتب الشيخ / محمد الغزالي

الحقيقة الأولى الله جل جلاله



        هذا الاسم الكريم عَلَم على الذات المقدسة التي نؤمن بها ونعمل لها، ونعرف أن منها حياتنا واليها مصيرنا. والله –تبارك وتعالى- أهل الحمد والمجد – وأهل التقوى والمغفرة، لا نحصي عليه ثناء، ولا نبلغ حقه توقيرا وإجلالا.


        لو أن البشر – منذ كتب لهم تاريخ، و إلى أن تهمد لهم على ظهر الأرض حركة – نسوا الله وكفروا به، ما خدش ذلك شيئا من جلاله – ولا نقص ذرة من سلطانه، ولا كف شعاعا من ضيائه، ولا غض بريقا من كبريائه، فهو –سبحانه- أغنى بحوله، وأعظم بذاته وصفاته، وأوسع في ملكوته وجبروته من أن ينال منه وهم واهم، أو جهل جاهل.


        ولئن كنا في عصر عكف على هواه، وذهل عن أخراه، وتنكر لربه؛ إن ضير ذلك يقع على أم رأسه ولن يضر الله شيئا.
(ومن الناس من يجادل في الله بغير علم . ويتبع كل شيطان مريد. كُتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير) (الحج 3-4)
===================
عقيدة المسلم

هل العالم خلق صدفة؟

هل العالم خلق صدفة؟
الكاتب الشيخ / محمد الغزالي

هل العالم خلق صدفة؟

نشوء حياتنا هذه ودوامها يقومان على جملة ضخمة من القوانين الدقيقة يحكم العقل باستحالة وجودها هكذا جزافاً !!

        فوضع الأرض أمام الشمس مثلا .. ثم على مسافة معينة لو نقصت –بحيث ازداد قربها من الشمس- لاحترقت أنواع الأحياء من نبات وحيوان. ولو بعدت المسافة لعم الجليد والصقيع وجه الأرض، وهلك كذلك الزرع والضرع.. أفتظن إقامتها في مكانها ذاك لتنعم بحرارة مناسبة جاء خبط عشواء؟ وحركة المد والجزر التي ترتبط بالقمر!! أفما كان من الممكن أن يقترب القمر من أمه أكثر، فيسحب أمواج المحيطات سحبا يغطي به وجه اليابسة كلها، ثم ينحسر عنها وقد تلاشى كل شيء؟ من الذي أقام القمر على هذا المدى المحدود ليكون مصدر ضوء لا مصدر هلاك؟


        إننا على سطح هذه الأرض نستنشق "الأكسجين" لنحيا به ونطرد "الكربون" الناشئ من احتراق الطعام في جسومنا. وكان ينبغي أن يستفيد الأحياء – وما أكثرهم- هذا العنصر الثمين في الهواء، فهم لا ينقطعون عن التنفس أبدا. لكن الذي يقع أن النبات الأخضر يأخذ "الكربون" ويعطي بدله "أوكسجين" وبهذه المعاوضة الغريبة يبقى التوازن في طبيعة الغلاف الهوائي الذي يحيا في جوفه اللطيف الحيوان والنبات جميعا!! أفتحسب هذا التوافق حدث من تلقاء نفسه؟! إني أحيانا اسرح الطرف في زهرة مخططة بعشرات الألوان. التقطها بأصابع عابثة من بين مئات الأزهار الطالعة في إحدى الحدائق..
ثم اسأل نفسي: بأي ريشة نسقت هذه الألوان؟ إنها ليست ألوان الطيف وحدها. إنها مزيج رائق ساحر من الألوان التي تبدو هنا محففة، وهنا مظللة، وهنا مخططة، وهنا منقطة..
        وانظر إلى أسفل، إلى التراب الاعفر الذي اطلع على هذه الألوان انه –بيقين- ليس راسم هذه الألوان ولا موزع أصباغها.

        هل الصدفة هي التي اشرفت على ذلك؟ أي صدفة؟ إن المرء يكون غبيا جدا عندما يتصور الأمور على هذا النحو.. وألوان الزهرة هذه ملاحظة شكلية ساذجة بالنسبة إلى ملاحظة قصة الحياة في أدنى صورها. إن إنشاء الحياة في اصغر خلية يتطلب نظاما بالغ الأحكام. ومن الحمق تصور الفوضى قادرة على خلق "جزيء" في جسم دودة حقيرة؛ فضلا عن خلق جهازها الهضمي أو العصبي. فما بالك بخلق هذا الإنسان الرائع البنيان الهائل الكيان. ثم ما بالك بخلق ذلكم العالم الرحب..؟؟


        لماذا يطلب مني –إذا رأيت ثويا مخيطا أنيقا- أن أتصور خيطا قد دخل من تلقاء نفسه في ثقب إبرة، اشتبكت من تلقاء نفسها في نسيج الثوب، أو أخذت تعلو وتهبط صانعة الصدر والذيل والوسط والأكمام والأزرار والفتحات والزركشة والمحاسن إلخ.
إن إحالة الأمور على المصادفات ضرب من الدجل العلمي يرفضه أولو الألباب. لنفرض أن الآلة الكاتب في احد الدواوين وجدت بجوارها ورقة مكتوب عليها اسم عمر ماذا يعني هذا..؟


        أحد أمرين: اقربهما إلى البداهة وهو أن خبيرا في الكتابة طبع الاسم على الورقة. والأمر الثاني: أن حروف الاسم تجمعت وترتبت وتلاقت هكذا جزافا.
إن الفرض الأخير معناه من الناحية العلمية ما يأتي:
الابتداء بكتابة العين، أو سقوط حرفها وحده على الورقة دون وعي يجوز بنسبة 1 إلى 28 – وهو عدد حروف الهجاء العربية-. وسقوط حرفي العين والميم يجوز بنسبة 1 إلى 28 × 28 ونزول الحروف الثلاثة بعوامل الصدفة المحضة يجوز بنسبة 1 إلى 28 × 28 × 28 أي بنسبة 1 إلى 21952..
وليس أغبى فكرا ممن يترك الفرض الوحيد المعقول ويؤثر عليه فرضا آخر لا يتصور وقوعه إلا مرة بين اثنتين وعشرين ألف مرة..
والصدف حين تخط على القرطاس كلمة عمر اقرب إلى الذهن من تصور الصدف هذه تخلق قطرة ماء في المحيطات الغامرة، أو حبة رمل في الصحاري الشاسعة..
إن العلم بريء من مزاعم الإلحاد، ومضاد لما يرسل من أحكام بلهاء..
===================
عقيدة المسلم

عقيدة الألوهية عند الفلاسفة والعلماء

عقيدة الألوهية عند الفلاسفة والعلماء
الكاتب الشيخ / محمد الغزالي
عقيدة الألوهية عند الفلاسفة والعلماء


        معرفة الله سبحانه وتعالى مركوزة في كل طبع، واسمه الكريم معروف في كل لغة، واختلاف الأجناس والألسنة لم يصرف الأفئدة والأفكار عن هذه الحقيقة الواحدة.
        بيد أن هذه المعرفة المتصلة برب العالمين لم تأخذ امتدادها الكامل وسماتها الراشدة، ولم تبرأ من الأوهام وتبعد عن الأهواء، إلا عندما تلقاها الناس مصفاة من ينابيع الوحي، وسمعوا آياتها تتلى من أفواه الأنبياء.
ولكن ذلك لم يمنع الكثير ممن لم يدخلوا في نطاق الرسالات الأولى – أو لم تبلغهم- على وجه صحيح- هدايات القرآن الكريم، أن يفكروا في الله من تلقاء أنفسهم، وان يطلقوا لعقولهم عنان البحث.

        والفلسفة الإلهية حافلة بالكثير من هذه الأفكار، كما أن علماء الكون في العصر الأخير قد تكلموا عن الله في حدود ما هداهم إليه البحث المجرد في آفاق الطبيعة وأسرارها، وقوانينها. والفلاسفة القدامى اسموا الله: الصانع، والعقل الأول، وواجب الوجود، وسبب الأسباب، وغير ذلك من الأسماء التي اصطلحوا عليها. كما أن للعلماء المحدثين تصورات في الألوهية التبس فيها الحق بالباطل كما سترى.
        وعلة هذا اللبس، أن هداية السماء لم تصحب العقل في سيره. ومن ثم اقر العقل بالمبدأ الواجب، واخطأ في التفاصيل المتعلقة به. المهم أن العقل الذكي، والبحث النزيه والفكرة المبرأة عن الغرض، المستقيمة على النهج، تتأدى بأصحابها –حتما- إلى الله، وتقفهم خاشعين أمام الشعور الغامر بعظمته وجلاله.
وان من الغباوة والبلادة أن يظن السفهاء من الناس أن الإيمان وليد استغلاق الذهن، أو أن استبحار العلوم واتساع المعارف الإنسانية يخدش قاعدة الإيمان ويوهي الصلة بالإله الديان.
        قال "هرشل" –من فلاسفة القرن الثامن عشر- (انه كلما اتسع نطاق العلوم تحققت وكثرت الأدلة على وجود حكمة خالقة قادرة مطلقة. وعلماء الأرضيات والهيئة والطبيعيات والرياضة يهيئون بمساعيهم واكتشافاتهم كل ما يلزم لإنشاء معبد العلوم؛ إعلاء لكلمة الخالق).
وانظر إلى مادُوّن من آراء لسقراط عن تلميذه أفلاطون:
"هذا العالم يظهر لنا على هذا النحو الذي لم يترك فيه شيء للمصادفة، بل كل جزء من أجزائه متجهة نحو غاية، وتلك الغاية متجهة إلى غاية أعلى منها، وهكذا يتم الوصول إلى غاية نهائية منفردة وحيدة"
        من أين نشأ هذا النظام الكامل في تفرعاته؟ المحفوف بالعظمة والجلال من نواحيه كافة؟ ليس من الممكن أن يحمل ذلك على المصادفة. فلو أمكننا أن نقول: انه نشأ من تلقاء نفسه، لصح لنا أن نقول: أن ألواح "بوليكلت" و "زونكريس" حدثت من تلقاء نفسها.
وإذا ما نظرنا إلى أن العناصر التي تحتوي عليها الكائنات كثيرة إلى درجة لا يمكن أن يحصرها العقل، كان من المحال أن نحمل وجود ذلك كله على المصادفة، فلابد إذن من وجود عقل أعلى .. وهو الصانع الوحيد. لأن الطبيعة اثر يتجلى فيه الاتحاد الدال على وحدانية الصانع، الذي ينفذ حكمه كنفوذ الفكر في الحال، بدون أي خطأ. وهو حاضر غالب –أي عالم قادر- ومع هذا، فمن المستحيل اداركه بالحواس.. فهو كالشمس التي تمس جميع الأبصار، لكنها لا تبيح لأحد أن ينظر إليها. ا.هـ. من تاريخ التصوف للأستاذ "محمد علي عيني بك".
        وقد شرح "لابلاس" دليل الحركة الكونية، وأبان قوة هذا الدليل في حسم الشبهات التي يثيرها الجاحدون، فقال: "أما القدرة الفاطرة فقد عينت جسامة الأجرام الموجودة في المجموعة الشمسية وكثافتها، وثبتت أقطار مداراتها، ونظمت حركاتها بقوانين بسيطة، ولكنها حكيمة، وعينت مدة دوران السيارات حول الشمس، والتوابع حول السيارات بأدق حساب، بحيث أن هذا النظام المستمر إلى ما شاء الله لا يعروه خلل".
هذا النظام المستند إلى حساب يقصر عقل البشر عن إدراكه، والذي يضمن استمرار المجموعة إزاء ما لا يعد ولا يحصى من المخاطر المحتملة، لا يمكن أن يحمل على المصادفات في نظر "لابلاس" إلا باحتمال واحد في أربعة تريوليونات.
وما أدراك [1] ما أربعة تريوليونات؟ انه عدد من كلمتين، ولكن لا يمكن أن يحصيه المحصي إلا إذا لبث خمسين ألف عام، يعد الأرقام ليلا ونهارا على أن يعد في كل دقيقة 150 عددا".
وقال سبنسر:

        " إننا مضطرون إلى الاعتراف بأن الحادثات مظاهر قدرة مطلقة متعالية عن الإدراك. وان الأديان كانت أول من قبل هذه الحقيقة العلوية ولقنها. ولكنها نشرت أول الأمر ممزوجة بالأباطيل"؟ وسبنسر غير متدين.
إن العقول السليمة تتلاقى على الحق، وكلما زادت علما كان تلاقيها على الحق أيسر واقرب. ومن اجل هذا رأينا العلماء بعد ذلك الانتكاس المادي الذي اعترى بعضهم في أواخر القرن التاسع عشر يرجعون إلى التلاقي على الحق، ويكادون يجمعون اليوم إجماعا بلسان أكابرهم على أن هذه القوانين والنواميس التي نشأت على أساسها الحياة وتطورت، تنطوي على وحدة في القصد، والإرادة، والعناية، والحكمة. يستحيل معها على العقل السليم المفكر أن يؤمن بان هذه الحياة خلقت وتطورت بالمصادفة العمياء. فهذا اللورد "كلفن" العالم الإنجليزي الكبير يعلن هذا الإيمان على الناس، ويسخر من القائلين بالمصادفة في خلق هذه الحياة، ويعجب من إغضاء بعض العلماء عما في آثار الحكمة والنظام من حجة دامغة، وبرهان قاطع على وجود الله ووحدانيته حيث يقول:" يتعذر على الإنسان أن يتصور بداية الحياة أو استمرارها دون أن تكون هنالك قوة خالقة مسيطرة. واني لاعتقد من صميم نفسي أن بعض العلماء في أبحاثهم الفلسفية عن الحيوان قد أغضوا إغضاء عظيما مفرطا عما في نظام هذا الكون من حجة دامغة، فان لدينا فيما حولنا براهين قوية قاطعة على وجود نظام هذا الكون من حجة دامغة. فان لدينا فيما حولنا براهين قوية قاطعة على وجود نظام مدبر وخير. وهي براهين تدلنا بواسطة الطبيعة على ما فيها من اثر إرادة حرة، وتعلمنا أن جميع الأشياء (الحية) تعتمد على خالق واحد احدي ابدي".
        وهذا "اينشتاين" العصيم يأتي من بعد "كلفن" ليقول:
"إن جوهر الشعور الديني في صميمه هو أن نعلم بان ذلك الذي لا سبيل لمعرفة كنه ذاته موجود حقا، ويتجلى بأسمى آيات الحكمة وابهى أنوار الجمال. وإنني لا أستطيع أن أتصور عالما حقا لا يدرك أن المبادئ الصحيحة لعالم الوجود مبنية على حكمة تجعلها مفهومة عند العقل. فالعلم بلا إيمان يمشي مشية الأعرج، والإيمان بلا علم يتلمس تلمس الأعمى".
        فهل تريد أحسن من هذا التلاقي بين عقول العظماء وبين القرآن الذي يقول لنا: (إنما يخشى الله من عباده العلماء). ولبعض الناس –مع إيمانهم بالألوهية- أفكار خاطئة في تصورها؛ كتب "كميل فلامريون" في كتاب "الله في الطبيعة": " إذا انتقلنا من ساحة المحسوسات إلى الروحيات فان الله يتجلى لنا كروح دائم موجود في حقيقة كل شيء. ليس هو سلطانا يحكم من فوق السموات، بل نظام مستتر مهيمن على كافة الموجودات!. ليس مقيما في جنة مكتظة بالصلحاء والملائكة!! بل إن الفضاء اللانهائي مملوء به. فهو موجود مستقر في كل نقطة من الفضاء، وفي كل لحظة من الزمان، أو بتعبير اصح: هو قيوم لا نهائي، منزه عن الزمان والمكان والتسلسل والتعاقب. ليس كلامي هذا من جملة عقائد ما وراء الطبيعة المشكوك بصحتها، بل من النتائج القاطعة التي استنبطت من القواعد الثابتة للعلم، كنسبية الحركة وقدم القوانين. إن النظام العام الحاكم في الطبيعة، وآثار الحكمة المشهودة في كل شيء، المنتشرة كنور الفجر وضياء الشفق في الهيئة العامة، لاسيما الوحدة التي تتجلى في قانون التطور الدائم، تدل على أن القدرة الإلهية المطلقة هي الحوافظ المستترة للكون، هي النظام الحقيقي، هي المصدر الأصلي لكافة القوانين الطبيعية وأشكالها ومظاهرها".
        والقائل فيلسوف ينكر اليهودية والنصرانية، ولا يعرف الإسلام، ولكنه يعرف الله الواحد من إدمانه النظر في العلوم والأكوان، وأمثاله كثيرون. وفكرة هذا العالم عن الألوهية تظهر فيها فلسفة وحدة الوجود. وهي فلسفة ندّت عن الصواب، وإن تعبّق بها بعض القدامى من فلاسفة الهنود، وسرت عدواها إلى التصوف الإسلامي، فشردت به عن الحق، وعن تعاليم الإسلام.
وأفكار أولئك الباحثين لو أنها ضبطت بتعاليم الوحي، ومشت في هدي الشريعة، لاستقامت مع ما ذكر القرآن الكريم عن الله عز وجل من صفات، وما نسب إلى ذاته العظمى من نعوت الجلال والجمال..!!
        وحسب أولئك – وان لم يعرفوا الحق كاملا- أن لاح منه بريق فأقروا ولم ينكروا. ولئن صدقوا ما عرفوا، إنهم أهل الإيمان الصحيح الكامل لو اتيحت لهم آياته، ويسرت لهم رسالاته، أي لو اتيحت لهم معرفة الإسلام الصحيح من خلال الكتاب والسنة.
ومع زحمة الوجود بالدلائل المؤيدة لعقيدة الألوهية، وانتصاب الشواهد المتكاثرة في الآفاق ترشد الناس إلى رب العالمين، فان العالم لم يخل من منكرين يجحدون الحق ويكفرون بالله. وقد استقصينا أقوال هؤلاء فلم نر بها إلا الانكار المجرد والعناد السمج.
يقول "يوخنز" عميد العلماء الماديين في العصر الماضي: " من الممكن إرجاع ظهور الأجرام السماوية وانتشارها وحركاتها إلى أصول بسيطة من الممكنات، فلا يبقى إذن محل للاعتقاد في قوة خالقة مشخصة". ويقول: "إن الإنسان محصول المادة وليست له خاصة فكرية على النحو الذي يصور الروحانيون". ويقول –ماضيا في إنكار الروح، ومصورا العقل الإنساني بصورة مادية- : " إن الكبد والكليتين تفرز مادة مرئية دون أن نعلم نحن بذلك. أما الحركة الدماغية فلن تكون خارج إرادتنا وإدراكنا، والدماغ يفرز قوة بدل المادة (!).."
        ويقول "بروسيه" – مؤيدا هذا التفسير المادي للروح والعقل- : (إن الذكاء والحساسية عمل من أعمال الأجهزة العصبية، كما أن تحويل المأكولات إلى دم يندفع في العروق، عمل الأجهزة الهضمية والتنفسية..!)
وكتبت جريدة طبية مقالة ذكرت فيها أن (الفكر تركيب يشبه حمض فورميك! والتفكير تابع للفسفور! والفضيلة والصداقة والشجاعة ما هي إلا تيارات كهربية للأعضاء الإنسانية). يبدو أن الفيلسوف يقر مرغما – من قبيل إنطاق الحق له – (بأنا) التي ينكرها [2] "
ثم إنهم يقولون: "إن القوة لا تنفصل عن المادة – كما يقررون- فأين مادة القوة التي يفرزها الدماغ؟".
الحق أن الإلحاد الذي يشيع بين طوائف المتحذلقين والمتنطعين لا يستند البتة إلى ذرة من المعرفة أو التفكير السليم.
        هذه هي الصورة التي يقدمها الملحدون للإنسانية ومعنوياتها! وهذه هي أدلتهم على إنكار ما وراء المادة، وعلى رفض الإيمان بالله العلي الكبير. وقد سميانها أدلة تجاوزا، و إلا فأي إمارة على الفهم الصحيح في هذا اللغو القبيح؟ ومتى كان التشكيك والفرض والتوهم أدلة محترمة؟ إن من المقطوع به عقلا أن العدم لا يتحول إلى وجود ولا يخلق وجودا. فإذا قيل: أن العالم مفتقر في أحداثه إلى سبب، وان الأحياء محتاجة في وجودها إلى خالق. قيل: بل يجوز أن يتم ذلك من تلقاء نفسه.
        وإذا كانت حركة المرور في القاهرة –مثلا- تتطلب فرقة من الجنود لتنظيمها و إلا لسرت الفوضى في أرجائها، فهل يستغرب القول بقدرة منظمة مشرفة على الألوف المؤلفة من الكواكب السيارة في الفضاء؟ وهل يعتبر القول بأن المصادفات المخصصة هي التي تتولى هذا التنظيم.. هل يعتبر إلا لغوا ومجونا؟
        ثم ما هذه السخافات الزاعمة بن الفضائل والرذائل اهتزازات كهربائية للأعضاء والأجهزة الجسمانية! . لأنه لا روح –كما يقولون! - .
        يجيب "كميل فلامريون" –متهكما فيقول- : "ما معنى إفراز القوة؟ ولم لا يفرز الدماغ كيلومترات أو فراسخ؟".
        ويقول المشير "احمد عزت باشا" : " من حيث انه لا روح ولا نفس ناطقة، فمن الذي يشعر بما تفرزه الحركة الدماغية؟ ومن الذي لا يشعر بها؟ وما معنى كلمة "نحن" التي يستعملها ذلك المتكلم؟ (يوختز السابق).
===================
عقيدة المسلم

الأحد، 11 ديسمبر 2011

سجود الملائكة لآدم

سجود الملائكة لآدم
الكاتب الأستاذ الدكتور/ طه حبيشي
سجود الملائكة لآدم

والنص الإلهي يفيد أن الملائكة مأمورون بالسجود لآدم من قبل البدء في خلق آدم أو معرفة حقيقته بالنسبة إليهم " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين " وهذا أمر تكليفي من الله للملائكة أن يسجدوا لهذا المخلوق العظيم عقب استكمال خلقه مباشرة ، والملائكة لن يخالفوا في تنفيذ هذا الأمر، ولكن أراد الله على حسب مقتضى رحمته أن لا يسجد الملائكة لآدم إلا بعد استكمال التمهيدات الكاملة التي تضفي عليه من الفخار والقداسة ما يستحق معهما أن تسجد الملائكة له استكمالاً لهذا الفخار وتلك القداسة، فنحن نظن ظناً غالباً أن الملائكة لم تسجد لآدم إلا بعد أن خلقه الله بيديه ونفخ فيه من روحه وعلمه الأسماء كلها، فكل هذه الأشياء تتصل بتكوين آدم ماديا ومعنوياً، وبعد هذا يأتي دور السجود الفوري دون أن يكون هناك تضارب مع النص القائل : " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" (1) .
وكان من المفروض أن يمر الأمر الإلهي علينا مروراً عادياً من غير قلق أو اضطراب ، فالله قد أمر الملائكة بالسجود لآدم واستجابت الملائكة فسجدت لآدم، غير أن هذا الموضوع قد أحدث دوياً فكرياً بين السادة من العلماء والمفكرين فهم قد استعظموا أن تسجد الملائكة لغير الله وراحوا في تحليل وتفكير وتاهوا في بيداء التحليل والتفكير فاشتط بعضهم في الرأي واعتدل البعض الآخر فيه في حين أن المسألة لا تحتاج إلى الاعتدال كما أنها في غنى عن الشطط والتطرف فالسجود لآدم ليس سجود عبادة لآدم وإنما هو استجابة لأمر الآمر سبحانه، فنحن ننظر إلى هذا الفعل من زاويتين : ننظر إليه من حيث هو استجابة لأمر الخالق سبحانه، وخضوع لهذا الأمر الإلهي والسجود من هذه الزاوية عبادة لا شك في ذلك، فالاستجابة إلى أمر الله تكون عبادة بصرف النظر عن الوجهة التي يوجهنا إليها، فنحن حين نقبل الحجر لا نعبد الحجر وإنما نستجيب لأمر الله في ذلك على لسان نبيه واقتداء بفعله، وحين نطوف بالبيت أو نتوجه إليه في الصلاة لا يكون البيت هو محل العبادة، وإنما هو محل تعلق الأمر الإلهي ومكان قد وجهنا إليه لنتخذه قبلة ولنطوف به، نحن حين ننفذ الأمر الإلهي نكون في تنفيذنا لهذا الأمر محققين للعبودية الحقة التي تقتضي الانصياع إلى أوامر الله .
وبالقياس فإن الملائكة حين ينفذون أمر الله عز وجل يحققون العبودية والخضوع لله تعالى بالانصياع إلى أمره.
غير أن للفعل ( السجود ) منظورا آخر ، فنحن يمكن أن ننظر إليه باعتباره سجودا لآدم ، في هذه الحالة يختلف الحكم على الفعل من كونه عبادة إلى كونه تكريما.
وخلاصة القول :إن سجود الملائكة إذا حاولنا أن نحكم عليه فلابد أن نحكم عيه حكماً مزدوجاً ، إنه عبادة لله بإطاعة أمره في تكريم آدم بالسجود له.
ومن هنا تكون المسألة في غاية السهولة لا تحتاج إلى هذه الكثرة من تحبير الصفحات في عرض الآراء وتوسيع هوة الخلاف بين وجهات النظر وتعدد الآراء.
==============================

(1) يرى الفخر الرازي : أن سجود الملائكة لآدم عليه السلام كان قبل أن يعلمه الله الأسماء كلها وقبل أن يعرض على الملائكة المسميات ويسألهم عنها، وقبل تعليم آدم للملائكة ما عجزوا عن إدراكه قال : [ الأمر بالسجود حصل قبل أن يسوي الله تعالى خلقة آدم عليه السلام ، بدليل قوله : " إني خالق بشراً من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا = = له ساجدين " وظاهر هذه الآية يدل على أنه عليه السلام لما صار حياً صار مسجود الملائكة لأن الفاء في قوله " فقعوا " للتعقيب وعلى هذا التقدير يكون تعليم الأسماء ومناظرته مع الملائكة في ذلك حصل بعد أن صار مسجود الملائكة ] التفسير الكبير ـ ج2 ـ ص 212.


عقيدتنا

مزية آدم وفضيلته

مزية آدم وفضيلته
الكاتب الأستاذ الدكتور/ طه حبيشي
مزية آدم وفضيلته

وحين نصل بالمناقشة إلى البحث في مزية آدم وفضيلته، فإنه ينبغي أن نصدر هذه القضية بالتنبيه إلى ما يمكن أن تنزلق إليه أقلام المفكرين وأفكار العلماء.
فالإنسان حين يخطئ في المقاييس يخطئ لا محالة فيما يصدره من أحكام تعتمد على هذه المقاييس الخاطئة ، وهو حين تخطئه المقدمات أو يخطئ هو في الوقوف على حقيقة المقدمات يخطئ حتماً في النتيجة والغاية التي تنتهي إليها هذه المقدمات.
وقضية التكريم في آدم قد يرجع بها بعضهم إلى فضيلة العنصر وطيب الجانب المادي فيه، ويحاول أن يسطر الصفحات تلو الصفحات ليبين عن مزية في عناصر الأرض تمتاز عن كل مزية في أي عنصر آخر حتى ولو كان عنصر النار بما له من الشفافية والميل إلى العلو والرفعة.
وهذا في الحقيقة مقياس خاطئ قد شقى به إبليس من قبل حين اعتمد عليه في المقارنة بين أصله الذي نزع عنه وهو النار، وأصل آدم الذي خلق منه وهو التراب فأدى به هذا المقياس إلى الاغترار بأصله والتمرد على الأمر الإلهي " أأسجد لمن خلقت طيناً " ، " أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين". وأراد الله أن يلفته إلى خطأ هذا المقياس عنده : " ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي" ، ولكنه لم يصغ إلى هذه اللفتة واعتز بمقياسه هو الذي توصل إليه بفكره المحدود.
ومن هذه العجالة الخاطفة اعتمادا على مقياس خاطئ لن يؤدي إلا إلى أحكام خاطئة ، واصطناع المقدمات الفاسدة تسقط صاحبها في مهاوي الضلال عن الحقيقة والبعد عن اليقين.
ولو أننا تأملنا النص الإلهي في قصة آدم مجتمعاً لوجدنا أن قضية التكريم لا علاقة لها بالعنصر المادي من قريب أو من بعيد وإنما يتجه النص الإلهي بنا وجهة أخرى حين يحدد عناصر أربعة بها مجتمعة يكتسب آدم وبنوه ما لهم من مزية التكريم والتفضيل، وهذه العناصر الأربعة قد جاءت معظمها في فترة تالية لفترة التكوين المادي العنصري المتصل بمادة الأرض من تراب وماء.
فالله قال مباشرة بعد أن انتهى من الخلق المادي : " ونفخت فيه من روحي" ونفخ الروح والإضافة إلى الله عز وجل أعطت لهذا الكائن المادي ما يميزه عن غيره من النظائر والأشباه، ثم في آية أخرى نرى القرآن يقول مخاطباً إبليس : "ما منعك أن لا تسجد لما خلقت بيدي " فالعنصر المادي وإن كان تراباً وماء إلا أن مباشرة الصانع الحكيم له جعلته ينتسب إلى الله من حيث التكوين والصنعة ونحن وإن كنا نجهل كيفية التكوين وكيفية الصنعة إلا أن العنصرين الترابي والمائي قد اكتسبا بهذه الصلة معنى جديداً لم يكن فيهما من قبل.
وبعد أن استكمل آدم مرحلته المادية والروحية ابتدأت مرحلة جديدة لإطلاق أهم ما يميزه عن غيره من المعاني والوجدانات وهو العقل فأودع الله فيه حقائق العلوم وأسرار الأشياء وعلمه الألفاظ الدالة على ذلك وليس العلم في الحقيقة إلا إدراكاً فعلياً لتلك الأسماء والمسميات معاً وبكيفية الاستفادة من هذه الأشياء على نحو ما خلقت له " وعلم آدم الأسماء كلها " وتلك إشارة إلى أنه من بين مزايا الإنسان ومن عناصر تكريمه أن يحاول محاولات جادة ومستمرة الوقوف على أسرار العلوم وحقائق الأشياء بقدر الطاقة والإمكان.
وباستكمال هذه العناصر الثلاثة التي أشرنا إليها كان العنصر الرابع نتيجة محتومة من الناحية المنطقية وهو إسجاد الملائكة له " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين".
============================
عقيدتنا

اللقاء بين آدم والملائكة

اللقاء بين آدم والملائكة
الكاتب الأستاذ الدكتور/ طه حبيشي
اللقاء بين آدم والملائكة

ثم تدبر العناية الإلهية لقاءاً بين آدم والملائكة بعد أن علمه حقائق وأسماء الأشياء كلها وكان بداية اللقاء بين آدم والملائكة سؤالا من الله لملائكته حول ماهية وحقيقة وأسماء بعض الأشياء " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين" وهذه نقلة في قصة آدم تبدو وكأنها غريبة على أذهاننا ، فالله قد علم آدم حقائق الأشياء ثم يسأل الملائكة عنها مع علمه بأنهم لا يجيبون " قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم " وتزداد المسألة لدينا غرابة حين ينتدب الله آدم لتعليم الملائكة ما عجزوا عنه : " قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم " ويصدع آدم لهذا الأمر ويعلمهم أسماء وحقائق الأشياء والمرء حين يندهش لهذه النقلة الغريبة يحتاج إلى جواب عن سؤال مؤداه: لماذا وجه هذا السؤال إلى الملائكة : " أنبئوني بأسماء هؤلاء " ؟ ولماذا انتدب آدم إلى تعليم الملائكة وإحاطتهم بما لم يحيطوا به : " قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم " ؟
ولو تأملنا القاعدة التي صدرنا بها قصة بدء الخلق في القرآن والتي مفادها أنه من رحمة الله بالخلق أن لا يفاجئهم بأمر من الأمور حتى يعطي له تمهيداً ومقدمات تريح الكون أو بعض الكائنات اللاتي سيتعلق بها هذا التغيير أو يتصل بها على نحو من الأنحاء لفهمنا المراد من السياق.
ففي هذا الإطار يجب أن نعلم أن الملائكة إلى هذا الوقت الذي سألهم الله هذا السؤال فيه لم تكن لهم أي علاقة بهذا المخلوق الجديد، وقد شاءت العناية الإلهية أن هذا العالم العلوي الملائكة ستكون لهم علاقة خدمة وعناية بهذا الكائن المرتقب، ولقد اتضح لنا في خطاب الله للملائكة وإجابة الملائكة برأيهم في هذا الكائن الجديد أنهم قد توقعوا منه الفساد والإفساد فمن المتوقع عندهم أنه سيكون مصدر الرذيلة والإثم ولم يتوقعوا منه حسن الشمائل ولا رفعة الخصال، وليس من اللائق منطقياً أن تعمل الملائكة في خدمة كائن قد تصوروه سلفاً على هذا المستوى فلابد أن يبرز لهم الله ـ على مقاس الرحمة لا على مقياس الجبر ـ الجانب المضئ والفضيلة العليا التي سوف ينطوي عليها هذا الكائن الجديد، ومن بين فضائله ومن أسماها أنه قادر على تحصيل العلم والمعرفة بأوسع معنى لهذه الكلمة، وتحصيل العلم فضيلة حين يتعلق العلم بمعرفة الله الخالق البارئ المصور وبمعرفة آثاره في كونه وبمعرفة قوانينه التي وضعها ونظمه التي أرسى قواعدها في هذا العالم، وأنه خلق من الكائنات عوالم وأجناسا وأنواعا وأفرادا لكل صفاته وشمائله، ولكل خواصه وحقائقه فلا تختلط الأجناس ولا تتداخل الأنواع ولا تختلط الأفراد بعضها ببعض، وحين يقف الإنسان على هذا السر يكون قد حقق لذاته مزية وحقق لكيانه وجوداً غير وجوده المادي الذي يشارك به غيره من الكائنات الدنيا.
وقف الملائكة على هذا السر وتعرفوا على هذه الفضيلة بعد هذا اللقاء الذي أرادته العناية الإلهية فتهيأت نفوسهم إلى إكبار وتعظيم هذا المخلوق الجديد.
ولا يستطيع قائل أن يقول : إن هذا المخلوق الجديد ليست له هذه المزية من ذاته، فهو حين تعلم لم يتعلم ببذل المجهود ولا بصرف الهمة ولا بإشقاء الجسد والروح، ولا بكد الفؤاد وتوجيه الإرادة وإنما كان تعليمه بتوجيه الله له وصب هذه المعاني صباً في فؤاده : "وعلم آدم الأسماء كلها ".
إننا لا نصغى إلى مثل هذه الشوشرة لأن الملائكة هم الآخرون بما لهم من فضيلة تتلخص في لبابها وحقيقتها في جملة واحدة هي الطبيعة الخيرة لا يدعون أو لا يدعي غيرهم بأن هذه الطبيعة الخاصة بالملائكة قد أتتهم ببذل المجهود أو كد النفس أو توجيه القصد إلى تلك الغاية النبيلة أو الفطرة السليمة وإنما هم خلقوا هكذا عبادا مكرمين فطرتهم خيرة ولا يتأتى أن يطرأ عليها الإعوجاج ، [ وكل ما في هذا العالم على هذا النمط الفضائل كلها قد خلقها الله في الفضلاء وقد أضفى عليهم مزاياهم ثم ترك للإنسان بعد ذلك ميدان الاختيار بعد أن زلل أمامه كل صعاب ] .
الملائكة إذن قد أصبحوا مهيئين إلى خدمة هذا الكائن الجديد بعد هذا التمهيد الذي دبرته العناية الإلهية.
===============================
عقيدتنا

وعلم آدم الأسماء كلها

وعلم آدم الأسماء كلها
الكاتب الأستاذ الدكتور/ طه حبيشي
وعلم آدم الأسماء كلها
وبعد إتمام مراحل خلق آدم أخبرنا الله تعالى بأنه علمه أسماء الأشياء كلها.
ونحن هنا نستطيع أن نتساءل : ما معنى تعليم الله الأسماء لآدم، فكل شئ له صفاته الخاصة به وهي التي تعبر عن ماهيته وحقيقة وجوده وله لفظ لغوي يدل عليه، فما الذي علمه الله لآدم واستقر في نفسه أهي تلك الصفات الجوهرية للأشياء والتي هي حقائقها ومهاياها، أم هي الألفاظ والأسماء واللغات؟
إن المرء لا يكاد يرتاب في أن الله قد علم آدم حقيقة كل شئ وماهيته والصفات الجوهرية له، إذ أن شرف العلم بالشئ من حيث ماهيته وحقيقته يفوق شرف العلم به من حيث الألفاظ الدالة عليه والخاصة به.
واللغة لا تمنع هذا التخريج إذ أن استعمال الأسماء في الآية للدلالة على الصفات والمهايا يقبله الاشتقاق اللغوي للفظة اسم ، فالاسم إما أن يكون [ من السمة أو من السمو، فإن كان من السمة كان الاسم هو العلامة وصفات الأشياء ونعوتها وخواصها دالة على ماهياتها، فصح أن يكون المراد من الأسماء : الصفات ، وإن كان من السمو فكذلك لأن دليل الشئ كالمرتفع على ذلك الشئ ، فإن العلم بالدليل حاصل قبل العلم بالمدلول، فكان الدليل أسمى في الحقيقة ، فثبت أنه لا امتناع في اللغة أن يكون المراد من الاسم الصفة، بقى أن أهل النحو خصصوا لفظ الاسم بالألفاظ المخصوصة، ولكن ذلك عرف حادث لا اعتبار به](1).
وهب أننا خرجنا التعبير القرآني على هذا النحو من التخريج، فهل يكفي هذا ليكون هو المقصود من الآية ؟ إن الإنسان إذا تعلم حقائق ومهايا الأشياء لا يكفيه هذا التعليم، ولا يغنيه غناءاً كاملاً، ذلك أن الإنسان حين يتعلم مهايا الأشياء وصفاتها التي تميز الواحد منها عن الآخر فإنه إذا أراد أن يعبر عن الواحد من هذه الأشياء لابد لهم من مصطلح لغوي يطلق على مجموعة الصفات الخاصة بكل شئ على حدة، أي أنه لابد لكل شئ من اسم لغوي يدل عليه، وهذا الاسم اللغوي لا يحتاج الإنسان إليه إلا في مرحلة متأخرة إذ إننا بالتجربة ندرك الحقائق والمهايا أولاً ثم نحتاج بعد ذلك إلى أن نضع اسماً لغوياً يدل على ما أدركناه من الحقائق والمهايا، ولذلك يجمع علماء أصول اللغات على أن الأشياء توجد أولاً ثم توجد بعد ذلك اللغات الدالة عليها.
ولو أن آدم لم يتعلم الأسماء بمعنى الألفاظ وبقى عند حدود معرفة كل الصفات والمهايا التي تميز بين الأشياء وتقسمها إلى أجناس وأنواع وأفراد لتميزت الأشياء في ذهنه تميزاً ذاتياً، ولكنه لم يستطع أن يعبر عن هذا التمييز لغيره ممن سيخلفونه على الأرض.
ولذا فإننا لا نرانا بحاجة ملحة إلى استقصاء هذا الخلاف المستمر بين العلماء حول ما إذا كان الله قد علم آدم الأسماء فقط علمه المسميات دون الأسماء إذ إن اللائق بالتعليم وحقيقته أن يميز الإنسان في ذهنه بين الأشياء وذلك لا يكون إلا بالحقائق والمهايا وأن يستطيع التمييز بين هؤلاء الأشياء بما يكون لها من أسماء تدل عليها وتميز من الناحية اللفظية بين آحادها وجملها.
سبب تعليم الله الأسماء لآدم : ـ
وحين علم الله الأسماء لآدم عليه السلام بعد خلقه بهذا المعنى العام للتعليم، فإن ذلك سوف يعطينا انطباعاً قوياً ويلفتنا إلى أن النص ما يزال يسير نحو هدف محدد وغاية مرسومة لا يحيد عنها ولا قيد أنملة، فالله قد أخبر الملائكة بأن آدم سيكون خليفة في الأرض ، وبخلافة آدم سوف تكون له علاقة بما ومن عليها، وهذه العلاقة سوف تكون جزءاً لا يتجزأ من حياته اليومية وبدون هذه العلاقة سوف لا يكون آدم خليفة في الأرض ولن يتمكن من أداء مهمته عليها، فكان تعليمه الأشياء حقيقة ولغة ضرورة اقتضتها وظيفته على الأرض وحتمية من حتميات القيام بمهمته وتحقيق ما أنيط به من الخلافة.
==============================
) الفخر الرازي ـ التفسير الكبير ـ ج2 ص 176.
عقيدتنا

ظهور آدم عليه السلام

ظهور آدم عليه السلام
الكاتب الأستاذ الدكتور/ طه حبيشي
ظهور آدم
غير أنه إلى الآن وإلى هذه المرحلة التي نتحدث عنها لم يظهر آدم ظهوراً فعلياً للعيان، وكل ما حدث أن الإرادة الإلهية قد تعلقت بهذا المخلوق الجديد لإيجاده وعند اللحظة المحتومة لوجود آدم كونه الله من عناصر ومادة الأرض، فيحدثنا القرآن مرة بأنه قد خلق آدم من تراب ومرة يقول : " إني خالق بشراً من طين"ومرة يقول : " من طين لازب " ومرة يقول : " من صلصال من حمإ مسنون"، ثم يقول في موضع آخر : "من صلصال كالفخار" . وهذه التنوعات في الحديث عن آدم تشير إلى أمرين هامين :
أحدهما : أن آدم في خلقه مر بمراحل متعددة يبتدئ من التراب إلى صلصال كالفخار، والقرآن يعبر في كل موضع عن مرحلة منها، ولما كان القرآن كالحرف الواحد في تماسكه وشدة ترابطه كان من الممكن جمع المراحل كلها لتعبر عن أطوار آدم هذا المخلوق الجديد. ثم يدخل بعد هذا الطور الأخير من مرحلة العنصرية الأرضية وبها إلى مرحلة الإضافة القدسية عليه. "ونفخت فيه من روحي" فيتحرك لحماً ودماً بحيوية وإحساس ووجدان ومنطق، وعلى الجملة إنساناً كاملاً في خلقته على النحو الذي أرادته المشيئة الإلهية.
وهذا التنوع في الخطاب بعد استكماله وجمعه يعطينا بدهية مسلمة، وهي أن الإنسان في أولي مراحله قد تكون من العناصر الأرضية ويحتفظ بها ذريته إلى اليوم في أجسادهم، فهم يحتفظون بعناصر الأرض بكل معنى الكلمة من يابس وماء، فلو أننا أخذنا قطعة مادية من جسم الإنسان وحللناها معملياً لوجدناها تحتوي على العناصر الترابية في الأرض، بل نحن نرى أن الإنسان بعد أن تنتهي حياته ويوارى التراب يتحلل جسمه إلى عناصر ترابية.
والجانب الرطب في الإنسان الذي يعبر عنه بالمائية يمكن أن نفهمه من قوله تعالى: "وجعلنا من الماء كل شئ حي" وهذه الجملة قد فهمها علماء الحياة فهماً خاطئاً ففسروها على نحو ما ذكرناه سلفاً بأن بدايات الحياة الأولى كانت في الماء ، ثم تطورت طبقاً لقانون الانتخاب الطبيعي، غير أن الكثرة من المحدثين يرون أن المراد من الماء هو ما يحمله الإنسان في داخله من سيولة ورطوبة لازمة للحياة واستمرارها.
والحياة بهذا المعنى ، لم تترك الماء قط ، ذلك أن جميع صور الحياة تستمر بفضل البروتوبلازم وتمارس نشاطها داخله، وقد عرف أحد المعاجم البروتوبلازم بأنه مادة زلالية نصف سائلة تعد الأساس الأول للحياة الطبيعية التي تتطور منها جميع الكائنات الحية وتكون المواد التي يتكون منها البروتوبلازم ذائبة في الماء أو عالقة به، فالماء أساس البروتوبلازم ، والبروتوبلازم أساس الحياة، فالحياة والماء في هذا الكوكب متلازمان لا ينفصل أحدهما عن الآخر (1).
=================================
(1) مع الأنبياء في القرآن الكريم ـ تأليف عفيفي عبد الفتاح طبارة ص 47.
عقيدتنا

الخلافة حقيقتها ومعناها

الخلافة حقيقتها ومعناها
الكاتب الأستاذ الدكتور / طه حبيشي
الخلافة حقيقتها ومعناها

ومن الأشياء الواردة في خطاب الله للملائكة أنه قد تحدث عن المخلوق الجديد بوصفه خليفة، والخليفة :من يخلف غيره ويقوم مقامه، وهذا الوصف إنما يعبر عن وظيفة الكائن الجديد وتحديد مهمته التي خلق من أجلها، إن هذا الكائن الذي تعلقت الإرادة به ستكون الخلافة هي مهمته الحقيقية على هذا الكوكب الأرضي ، ولقد ذكر الله هذه الكلمة ـ خليفة ـ بإطلاقها فهي غير مقيدة ولا محددة.
وللإنسان حيال هذا الإطلاق أن يقف وقفتين :
أولاهما : أن يقف على معنى كلمة خليفة من حيث هي، أعني ما هي المهمة الحقيقية التي سوف تتضمنها هذه الكلمة وستكون علماً عليها أو اسماً لها؟
وثانيتهما : هذا المخلوق الجديد إذا كان خليفة فإنه من حقنا أن نسأل عن المخلوف أي الذي سوف يخلفه آدم ويحل محله أو ينوب عنه.
وسنحاول فهم النقطتين معاً فنقول : إن للعلماء هنا آراء متعددة واقتراحات ومفاهيم متنوعة ، " فآدم حين سيكون خليفة إنما سيخلف جنساً بأكمله هو جنس الجن، ولقد نسب هذا الرأي لابن عباس ، على أن هذا الرأي لا يكاد يكون مفهوماً إذ إن الجن ما يزال موجوداً إلى اليوم وبعد اليوم في الأرض يابسها ومائها (1). ونستطيع أن نفهم هذه الخلافة باعتبار أنها سوف تكون خلافة عن الله عز وجل بمعنى أن الله قد انتدب الإنسان لنشر شريعته في الأرض فيوحي بها لبعض أبناء آدم ومعهم الوثائق الكاملة والبراهين القاطعة التي تقنعهم أنها من عند الله، وهنا يجب على النوع الإنساني أن يطبق شريعة الله بشكل عام إذا كانت الشريعة عامة، أو على بعض أفراده إذا كانت الشريعة خاصة.
وهذه الخلافة على هذا النحو من التخريج إنما تحدد مهمة الإنسان التي خلق من أجلها، وهذا التخريج على هذا النحو أيضاً حين يكون مقبولاً في العقل إنما يعتبر صيحة قوية لتلفت النوع البشري من غفلته لتنبهه إلى أن الإنسان حين يغفل عن تطبيق الشريعة الإلهية لا يكون قد ارتكب جرماً على أعلى درجات التجريم التي تستوجب المساءلة والعقاب فحسب، وإنما يكون قد تعدى ذلك إلى مسخ شخصيته وسلب أهم عناصر وجوده، وإلغاء جانب كبير من ماهيته، والتنازل عن مقدار لا يستهان به من كرامته الاجتماعية والأخلاقية والدينية، فإذا لم يكن للإنسان من وظيفة على الأرض إلا تحقيق العبودية بتطبيق شرع الله في العقائد والاجتماعيات والأخلاق والعبادات، فإنه حين يلغي ذلك أو بعضه يكون قد ألغى مهمته ووظيفته الحقيقية وتخبط في دياجير الإهمال، وتاه في بيداء الظلمة والحيرة بغير هدف يقصده أو بغية ينتهي إليها.
وربما يتسع معنى الكلمة ليشمل أن يكون أفراد النوع الإنساني الذي تعلقت الإرادة بإيجاده لن يكون لهم البقاء ولن يتمتعوا بالخلود، وإنما سيحيا الواحد منهم إلى أجل مرسوم ثم يعود تراباً كما بدأ ، وبهذا فإن أفراد النوع الإنساني سوف يخلف بعضهم بعضاً ويكون بعضهم خليفة عن البعض إلى أن يقضي الله أمره بانتهاء هذه الحياة.
وعلى هذا التخريج يكون الله قد نعى النوع الإنساني قبل وجوده وأعلمهم بأنهم لا بقاء لهم في هذه الدنيا إلا ريثما يستوفي الواحد منهم أجله ثم يتركها إلى الحياة البرزخية وما يتلوها.
وهذا الإعلان كاف وحده لكي يلتفت النوع الإنساني أفراداً وجماعات إلى تحقيق العبودية لله في أنفسهم بتحقيق الواجب الذي يطلب منهم والقيام بأعباء المهمة التي كلفوا بها من تحقيق شرع الله في الأرض.
ومن هنا يظهر الترابط بين التخريجين الأول والثاني، فالإنسان خليفة عن الله لتنفيذ شرعه وأفراد الإنسان لا بقاء لهم فوق الآجال المحددة لهم فهم يخلفوا بعضهم بعضاً.
ولو تأملنا أسلوب القرآن لوجدناه يستخدم الخلافة بالمعنيين معاً، فهو يتحدث عن الخلافة بمعنى تنفيذ شرع الله في الأرض فيقول : " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله " . ويستخدم القرآن الخلافة بمعنى أن بعض أفراد النوع الإنساني يخلف بعضاً فيقول : "وهو الذي جعلكم خلائف الأرض" ، "فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً " ، " ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون".
والترابط بين التخريجين ظاهر واللفظ الوارد في خطاب الملائكة (خليفة) من العموم والشمول بحيث يتسع لهما ولما يمن الله به على الأجيال القادمة من فهم يضيفونه إلى هذه المعاني.
===========================
عقيدتنا

إرادة على طريق التنفيذ

إرادة على طريق التنفيذ
الكاتب الأستاذ الدكتور / طه حبيشي
إرادة على طريق التنفيذ

ولقد روى الله لنا قصة بداية الخلق أو قصة آدم الأول في القرآن الكريم في أكثر من موضع مفصلة مرة ومجملة أخرى، وهي في تفصيلها وإجمالها تعطي العقل الإنساني ثراء علمياً ، وإحساساً مقدساً بكيانه في حالة من الاعتزاز والشموخ والكرامة والفخار.
ولم يشأ القرآن أن يحدثنا عن كيفية الخلق الأول مباشرة ، ولكنه أراد أيضاً أن يحدثنا عن التمهيدات التي طبع الله الكائنات في الكون بها، والتي تنبئ عن مخلوق جديد سيكون له من الصفات والشمائل ما يخالف بها صفات وشمائل الكائنات الموجودة بالفعل.
ورب العزة لم يشأ في وقت من الأوقات أن يفاجئ الكون بحدث دون أن يعطي له مقدمات وتمهيدات تبشر بوقوع الحدث وتنبئ عن تغيير سوف يحدث على ظهر الأرض أو في الفضاء أو في كبد السماء (1) " ومن هذا القبيل فإن المخلوق الجديد آدم يعتبر حدثاً في هذا الكون لم تتعوده الكائنات الموجودة فعلاً، وطبقاً للرحمة الإلهية فإنه لابد من تمهيد ينبئ عن شمائل القادم الجديد.
ولو أننا تأملنا الخطاب الموجه من الله للملائكة قبل خلق آدم في إطار هذه القاعدة السالفة الذكر لأمكن لنا أن نتصور كيف مهد الله لخلق آدم، قبل خلق آدم عليه السلام تحدث الله إلى ملائكته حول هذا المخلوق الجديد، ونحن نعرف من صفات الملائكة أنهم "عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون" ولم يثبت في تاريخ الأديان أن الملائكة كما ناقشوا أو وازنوا بين أمرين موازنة عقلية أو منطقية، وإنما هم يؤمرون فيطيعون ويتوجه إليهم الله بالخطاب فلا يترددون ولا يتلكئون حتى كأن الطاعة بالنسبة للملك هي عنصره الجوهري بحيث لو ارتفعت عنه فقد صفته الذاتية كملك، ولكنهم هذه المرة قد وازنوا بين مشروع الإرادة الإلهية في الخلق الأول، وبين تجارب الماضي في الكون الذي سيشاطرهم المخلوق الجديد إياه ، قالوا ولأول مرة " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك " رداً على قول الله لهم فيما يحكيه رب العزة : " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة " وليس عندنا ريب ولا شك في أن الله قد شاء أن توازن الملائكة هذه الموازنة، وأن يجيبوا بهذه الإجابة طبقاً لقاعدة الرحمة الإلهية التي ذكرناها سلفاً والتي تقتضي أن يمهد الله لهذا الحدث الجديد بالكشف عن بعض طباعه وشمائله، ومن بعض طباع الإنسان وشمائله أنه مجادل موازن وأنه متردد مرتاب، وأنه لا يصدق إلا بعد الموازنة والاستدلال، فهو الذي يقول الله عنه فيما بعد : " وكان الإنسان أكثر شئ جدلاً " وهو الذي لا يصدق إلا بدليل ولا يقتنع إلا باليقين، وقد مهد الله لذلك حين علم آدم الأسماء كلها ومسمياتها ثم عرضهم على الملائكة فقال : "أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا ربنا لا علم لنا إلا ما علمتنا " فطلب لآدم أن يعلمهم ليقتنعوا وأن ينبئهم كي لايرتابوا : " قلنا يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم " ذكرهم الله بجزء من المناقشة الماضية قبل خلق الإنسان قال: "ألم أقل لكم إني أعلم ما لا تعلمون" وبهذا اللون من التعبير تبين لنا بعض شمائل الإنسان ذلك المخلوق الجديد الذي سيكون خليفة الله في أرضه فيما يستقبل من الزمان أو يأتي من العصور.
استدراك : ـ
وحين يفرغ الإنسان من سماع خطاب الله للملائكة الذي يتعلق بخلق آدم المحتوم يتحرك في داخله استفسار عقائدي مشروع مؤداه : أن الله سبحانه وتعالى قد خلق الكون وهو ملكه ـ بضم الميم ـ وملكه ـ بكسر الميم ـ يتصرف فيه طبقاً لإرادته بالزيادة والنقص وبالإسعاد والإشقاء دون أن يسأل عن شئ من ذلك بلم أو كيف " لا يسأل عما يفعل وهو يسألون" ، " يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة " إلى آخر هذه الآيات والنصوص التي تعبر عن طلاقة الإرادة والقدرة الإلهيتين.
وفي ضوء هذه المسلمة يمكن للمسلم أن يتساءل : ما هي حقيقة هذا الخطاب الإلهي للملائكة في مشروع كهذا المشروع الإلهي ؟ إن الإرادة الإلهية والقدرة كلتيهما غير محتاجة إلى مشورة مخلوق ناقص، أو إلى الاستناد إلى رأي كائن لا يقدر على مشورة كهذه ولا تتسامى مشورته إلى هذا المستوى القدسي.
تلك وساوس يمكن أن يلقيها الوهم في عقل الإنسان وتتسرب إلى وجدانه،ولو رجعنا إلى النص الكريم لوجدنا أن فكرة مشورة الله للملائكة مرفوضة بسياق النص ذاته؛ فالمشورة إنما تعني أن من يطلبها متردد في أخذ قرار بعينه ويريد أن يستضئ برأي غيره فيه ؛ والنص الإلهي يقول : "إني جاعل في الأرض خليفة " أي أن الإرادة ـ تعلقت بالفعل بهذا المخلوق المرتقب قبل أن يعرض هذا الأمر على الملائكة ، وبذلك تسقط فكرة المشورة من أساسها لغياب العنصر الجوهري فيها وهو التردد من قبل المستشير.
غير أن تحليل النص على هذا النحو لم يحل المشكلة العقائدية عند من تثار هذه المشكلة في ذهنه، إذ إن السؤال ما يزال قائما وإن كان بأسلوب جديد، ويمكن صياغته صياغة جديدة على النحو التالي : إذا كان عرض الخطاب على الملائكة ليس للمشورة كما هو مفاد النص فما هي الفائدة منه إذن ، وما هو النعت الحقيقي اللائق به ؟
ولو أننا تأملنا ما سطرناه سلفاً لاتضح لنا أننا نميل كل الميل إلى أن خطاب الله للملائكة ورد الملائكة على هذا الخطاب كان تمهيداً وتبشيراً بشمائل هذا المخلوق الجديد، ونحن لا نستطيع أن نخفي تحمسنا الشديد لهذه الفكرة غير أننا يمكن أن نضيف إليها بعض الأجوبة الطريفة التي قالها أسلافنا من الأساتذة الأجلاء، ومن هذه الأقوال الطريفة ما ذكره الفخر الرازي قال بعد أن صاغ القضية على النحو السالف ذكره، وذكر بعض الردود عليها : (الوجه الثاني: أنه تعالى علم عباده المشاورة ) (1).
وفي بعض ما يروى عن أسلافنا آراء ربما لا يستريح الإنسان إليها لأنها لا توافق الطبع العام للملائكة أساساً، ولا توافق السياق العام الذي يذكره القرآن عنه، ومن بين هذه الآراء الرأي القائل : ( أنه تعالى علم أنهم إذا اطلعوا على ذلك السر أو ردوا عليه ذلك السؤال فكانت المصلحة تقتضي إحاطتهم بذلك الجواب فعرفهم هذه الواقعة لكي يوردوا ذلك السؤال ويسمعوا ذلك الجواب)(2).
وننتهي من مناقشة هذه القضية إلى اختيار أن الخطاب كان أمراً اقتضته الإرادة الإلهية للإبانة عن بعض طباع الكائن الجديد من جهة، ولتعليم بني آدم كيفية الحوار الذي لا يصل إلى حد المراء من جهة أخرى.
========================
عقيدتنا

« كَفَّارَةُ المَجْلِسِ »

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ » .