مفاتيح سورة يونس |
أولاً:اسم السورة تسمى هذه السورة باسم سيدنا (يونس) عليه السلام(1) . وبالرغم من ورود ذكره فى غير هذه السورة 00 !! إذ ورد ذكره فى القرآن الكريم ست مرات: أربع منها بالاسم الصريح (النساء – الأنعام – يونس – الصافات) . وورد ذكره بالوصف مرتين (فى الأنبياء : ذا النون – فى ن : صاحب الحوت) . وبالرغم من طول الحديث عنه فى غير هذه السورة 00 !! إذ فى الأنبياء : آيتان ، وفى القلم : ثلاث ، وفى الصافات : عشر آيات. إلا أن هذه الآية التى وردت هنا : تثبت حدثاً لم يحدث فى التاريخ من قوم سابقين ، ولم يتكرر مع قوم لاحقين . حيث تثبت هذه الآية : أن قوم يونس كان العذاب يتهددهم ، نتيجة لعدم إيمانهم ، وفقاً لسنة الله تعالى فى إهلاك المكذبين. ولكنهم: آمنوا ورجعوا إلى الله تعالى فى اللحظة الأخيرة، قبل وقوع العذاب بهم، فكشف الله سبحانه عنهم هذا العذاب ، ودفع عنهم هذا الخزى. بقوله تعالى: فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى فى الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين [الآية 98] . وفى هذا: غاية ما يفيد فيه الإيمان ، وضرر تركه وتأخيره ، وهو المقصد الأول من إنزال الكتاب(2) . ولعله لهذا الحديث الفريد : سميت السورة باسم هذا النبى الكريم عليه السلام(3) . ثانياً : عدد آيات السورة و كلماتها و حروفها آياتها : (109) مائة وتسع آيات (4). كلماتها : (1499) ألف وأربعمائة وتسع وتسعون كلمة . حروفها : (7065) سبعة آلاف وخمسة وستون حرفاً . ثالثاً : ترتيب السورة فى المصحف و فى النزول أ- فى المصحف .. بعد سورة "التوبة" ، وقبل : سورة "هود" . ب- فى النزول .. بعد سورة "الإسراء" ، وقبل : سورة "هود" . رابعاً : سبب نزول السورة لم أعثر على آثار فى ذلك . خامساً : مكية السورة و مدنيتها نزلت هذه السورة فى العهد الملكى ، وفى ظروف بلغ فيها العناد والجدال من المشركين مع النبى صلى الله عليه وسلم حداً كبيراً . إذْ ورد أنها نزلت بعد سورة الإسراء التى حمى الجدل مع المشركين بعد نزولها حول : هذا القرآن ، وصدق الوحى به ، وما يواجههم به من تسفيه لعقائدهم ، وتنديد بجاهليتهم ، وما يترتب على ذلك من تكذيبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى دعواه الوحى والنبوة ، ويرمونه به من السحر، ثم يطلبون منه الآيات الخارقة التى تثبت لهم دعواه . إذ قالوا {لن نؤمن لك حتى} : {تفجر لنا من الأرض ينبوعاً }.. !! {أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً} .. !! {أو تأتى بالله والملائكة قبيلاً }.. !! {أو يكون لك بيت من زخرف} .. !! {أو ترقى فى السماء . ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه} . فقال له تعالى : {قل : سبحان ربى هل كنت إلا بشراً رسولاً} ؟ بل أنبئهم بهذه الحقيقة ، التى ليسوا بدعاً فيها {وما منع الناس أن يؤمنوا إذْ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشراً رسولاً} [الإسراء 90-94] . وكانت هذه السورة – فى نفس الظروف، وعلى نفس الخط – التى تنبئ أنهم .. قالوا {لولا أنزل عليه آية من ربه} ؟ ويقول سبحانه للنبى صلى الله عليه وسلم: {فقل إنما لغيب لله فانتظروا إنى معكم من المنتظرين} [يونس 20] . بل كانوا يطلبون من رسول الله ، لكى يستجيبوا له ، ويؤمنوا به : أن يأتيهم بقرآن غير هذا ، لا يتعرض لآلهتهم وعقائدهم وجاهليتهم . إذْ يقول سبحانه : {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات }.. !! {قال الذين لا يرجون لقائنا} : {ائت بقرآن غير هذا أو بدله} [يونس 15-17] . أى بقرآن لا يسفه أحلامنا ولا يزلزل عقائدنا ، ولا يسئ لآلهتنا . ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم ، لا ينطق عن الهوى ، بل إن ما ينطق به {وحى يوحى} [النجم 4] . فهو يرد عليهم قائلاً : {ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى إن أتبع إلا ما يوحى إلى إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم} [يونس 15-17] . كما يقول له ربه تعالى : {قل : لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون} ؟ [يونس 15-17] ؟ ولكن طبيعة الظالمين المجرمين: أنهم يكذبون . {فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون} [يونس 15-17] . سادساً : فضل السورة لم أعثر على آثار فى ذلك . سابعاً : صلة السورة بما قبلها أ- يلاحظ أننا نعود مع هذه السورة – بعد الحديث عن الأنفال والتوبة قبلها مباشرة – إلى القرآن فى العهد الملكى ، بعد تعرضنا له قبلاً عند الحديث عن سورتى الأنعام والأعراف المكيتان . والعجيب أن هذه السورة وسورة هود بعدها ، المتتاليتين فى النزول . كذلك : بينهما شبه كبير وبين سورتى الأنعام والأعراف فى : الموضوع . وطريقة عرض هذا الموضوع كذلك . فإذا كانت سورة الأنعام – كما سبق أن ذكرنا – تتناول حقيقة العقيدة ذاتها ، وتواجه الجاهلية بها ، وتفند هذه الجاهلية ، عقيدة وشعوراً ، وعبادة وعملاً 00 !! بينما سورة الأعراف – كما سبق كذلك – تتناول حركة هذه العقيدة فى الأرض ، وقصتها فى مواجهة الجاهلية على مدار التاريخ 00 !! . فإننا هنا مع سورتى يونس وهود ، فى شبه كبير . فى الموضوع . وفى طريق العرض أيضاً . مع احتفاظ كل سورة من هذه السور بشخصيتها الخاصة وملامحها المميزة(5). ب- كما يلاحظ أيضاً : أن التناسب بين السور المدنية وبعضها البعض ، وبين السور المكية وبعضها البعض : يكون أقوى مما هو بين سورة من هذا وسورة من ذاك. جـ- كما يلاحظ ثالثاً : أن التناسب الذى يوجد بين السور : ليس هو سبب الترتيب الموجود فى المصحف ، فإن العمدة فى هذا الترتيب : هو التوقيف والسماع(6) . د- ويلاحظ رابعاً : أن فى الفصل بين السور القوية التناسب فى المعانى: كالمكية ، التى موضوع أكثرها .. العقائد والأصول العامة والزواجر الصادعة، والمدنية، التى موضوع أكثرها .. الأحكام العملية . فى ذلك الفصل : تنشيط لتالى القرآن بالترتيب ، وأنآى به عن الملل ، وأدعى له إلى التدبر (7). هـ- ومع ذلك فهناك من المناسبات ما يلى : 1) إذا كانت التوبة : قد ختمت بذكر رسالة النبى صلى الله عليه وسلم فى قوله تعالى {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم ..} [التوبة 28] . فإن يونس : قد افتتحت بذكر هذه الرسالة فى قوله {أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا ..} [يونس 2] . 2) إذا كان فى التوبة : بيان لما يقوله المنافقون عند نزول سورة من القرآن ، فى قوله تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون * وأما الذين فى قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون} [التوبة 124 ، 125] . فإن فى يونس : بيان لما يقوله الكفار فى القرآن الكريم .. إقرأ قوله تعالى – مثلاً – {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقائنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله} [يونس 15-17] . 3) إذا كانت التوبة : تضمنت ذم المنافقين لعدم توبتهم وتذكرهم إذا أصابهم البلاء، فى قوله تعالى {أو لا يرون أنهم يفتنون فى كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون} [التوبة 126]. فإن يونس: تضمنت كذلك ذم من يصيبه البلاء فيرعوى ثم يعود ، فى مثل قوله تعالى {وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه} [يونس 12]. وذلك بصفة عامة . 4) إذا كان فى التوبة : براءة الرسول من المشركين مع الأمر بقتالهم على أتم وجه ، فى مثل قوله تعالى {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتهم من المشركين} 00 إلى قوله {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة 1-5] . ففى يونس: براءته صلى الله عليه وسلم من عملهم دون الأمر بقتالهم – ومعلوم أن هذه متقدمة فى النزول على تلك – فى قوله تعالى : {وإن كذبوك فقل لى عملى ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا برئ مما تعملون}[يونس 41] . ثامناً : هدف السورة تهدف هذه السورة بكل جلاء ووضوح(5) إلى: إبراز وتجلية حقيقتين هامتين هما : قضية الألوهية . وقضية العبودية . ولتتميم الإيضاح وتعميق المدلول وتوسيعه لهاتين القضيتين : فقد تعرضت السورة .. لقضية الوحى ، وقضية الآخرة ، وقضية الرسالات السابقة. وذلك من باب : بيان مقتضيات هاتين الحقيقتين فى حياة البشر واعتقادهم وعبادتهم وعملهم . وهذا هو الهدف الأساسى من السورة . وهو – نفسه – هدف القرآن المكى بصفة خاصة . كما أنه : هدف القرآن كله بصفة عامة . ولا غرابة فى أن يكون الأمر على هذا النحو ، وأن تأخذ هذه الحقيقة الكبرى كل هذا البيان ، الذى هو موضوع القرآن ، بل أن يرسل الله من أجلها كل رسله ، وأن ينزل بها كتبه جميعاً . إذ أن حياة البشر لا تستقيم إلا إذا استقامت هذه الحقيقة فى اعتقادهم وتصورهم ، واستقامت كذلك فى حياتهم وواقعهم . فهى لا تستقيم إزاء هذا الكون الذى يعيشون فيه إلا إذا استقامت هذه الحقيقة عندهم. ولا تستقيم كذلك حياتهم – إزاء بعضهم البعض - إلا إذا استقامت هذه الحقيقة عندهم. والواقع البشرى على مدار التاريخ : يثبت ذلك ويصدقه . فإنه ما من مرة انحرف الناس فيها عن الدينونة لله وحده – اعتقاداً ونظاماً – ودانوا لغير الله تعالى من العباد – سواء بالاعتقاد والشعائر، أو باتباع الأحكام والشرائع – إلا كانت العاقبة .. هى فقدانهم وكرامتهم وحريتهم . من أجل ذلك : تنال قضية الألوهية والعبودية كل تلك العناية فى رسالات الله سبحانه وفى كتبه . ومن أجل ذلك : كانت هذه السورة نموذجاً من تلك العناية . وسبب كل هذا الاهتمام .. ببساطة شديدة : أن هذه القضية لا تتعلق بعبدة الأصنام والأوثان فى الجاهليات الساذجة البعيدة .. !! . ولكنها .. تتعلق بالإنسان كله فى كل زمان وفى كل مكان . وتتعلق بالجاهليات كلها . جاهليات ما قبل التاريخ ، وجاهليات التاريخ ، وجاهليات هذه العصور ، وكل جاهلية تقوم على أساس من عبادة العباد للعباد . تاسعاً : تقسيم آيات السورة موضوعيا عاشراً : أبرز موضوعات السورة حادى عشر : بعض الدروس المستفادة ثانى عشر : مصادر المفاتيح و هوامش البحث فضيلة الدكتور عبد الحي الفرماوي رئيس قسم التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر |
إجمالي مرات مشاهدة الصفحة
الأربعاء، 23 نوفمبر 2011
مفاتيح سورة يونس
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق