إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

سبحان الله والحمد لله والله أكبر

الاثنين، 21 نوفمبر 2011

سورة الأنبياء

سورة الأنبياء

الكاتب: د./ رمضان خميس
        الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد  وعلى آله وصحبه وأنصاره وأزواجه وأتباعه وأشياعه الطيبين الطاهرين.
سبحانك اللهم أنت الواحد
يا من له عَنَت الوجوه بأسرها
أنت الإله الواحد الحق الذي
كل الوجود على وجودك شاهدُ
رغبًا وكل الكائنات توحدُ
كل الوجود له يخر ويشهدُ

        أما بعد، فقد حفل الجزء السابع عشر من القرآن الكريم بمضامين متنوعة, وقوانين من قوانين الله سبحانه متعددة, يمكن أن تسمي قوانين ربانية, أو سننا من سنن الله  الإلهية, واستوعب هذا الجزء سورتين من سور القرآن الكريم, وهما سورتا الأنبياء والحج, وسنعيش هذه اللحظات مع سورة الأنبياء، سائلين الله التوفيق.
        1- السنن الإلهية في الكون والحياة: اختصت سورة الأنبياء برصد عدد من السنن الإلهية, من أبرزها سنة الله سبحانه وتعالى في نصرة الحق وأهله, ودحض الباطل وحزبه, وتبدأ السورة بقول الله اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ  مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ  لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ(1-4) وتمضي الآيات المباركة ترصد هذه الحلقة من حلقات سنن الله  في عباده وهذا القانون من قوانين الله  في خلقه, حتى تصل السورة الكريمة إلى قوله تعالى  وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ (16) وهنا وقفة لابد أن يقف أمامها الدارس والقارئ لهذا الدستور الإلهي الخالد, وهو مدي التلاقي والتناسق بين كتابي الله  المسطور والمنظور, أي علاقة تلك التي تربط بين قوانين الله  في خلقه وعباده, وقوانين الله  في ملكه وكونه وإعجازاته, هناك ترابط دقيق حقيقي, بين قوانين الله  في نصر الحق وأهله, وبين دحض الباطل وحزبه وبين قوله تعالى وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ من هنا كان سلفنا الصالح يقولون: إن لله في هذا الكون كتابين مسطورًا ومنظورًا, أما المسطور فهو كتاب الله  القرآن,وأما المنظور فهو كتاب الله  المفتوح،الكون, فالقرآن يمثل كلام الخبير والكون يمثل صنع الخبير ولا يخالف كلام الخبير صنعه.
        2 - السنن الكونية: تمضي هذه الآيات المباركة ترصد هذا الجانب من جوانب سنن الله سبحانه وتعالى, حتى تصل السورة إلى قوله تعالى أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ  وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ  وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ  وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ(33,30).
        بعد هذا التراص لهذه المجموعة الهائلة من سنن الله  في كونه المنظور, يأتي حشد كذلك من سنن الله  في كونه وكتابه المسطور فيقول الله  بعدها مباشرة وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الخَالِدُونَ  كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (34) ذكرت الآيات السابقة أن السماوات والأرض كانتا ملتصقتين، ففتق الله  السماء بالإمطار وفتق الأرض بالإنبات وجعل  من الماء كل شئ حي, والسنة التي بعدها: أن الله  جعل في الأرض رواسي أن تميد أو تختل بأهلها, نعمة من الله  ومنة من مننه سبحانه على خلقه, والسنة التالية: جعل الله  السماء فوقهم سقفًا محفوظا وهم عن آياتها معرضون, والسنة التالية: أن الله تعالى خلق الليل والنهار والشمس والقمر, وقدر أن يسبح كل في فلكه كما قال الله  في سورة أخرى وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ(يس:38) نعم ذلك الجريان في فلك دائر سائر هو بأمر الله سبحانه تعالى الذي إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون.
        3- سنة الله في سلوك البشر: تأتي بعد ذلك سنة الله  في سلوك البشر, ما جعل للبشر من النبيين عامة ولا للبشر بصفة أعم من قبل النبي  الخلد، أفإن مات رسول الله  فهم الخالدون؟ كل نفس ذائقة الموت, والسنة التالية: أن الله  يختبر الناس بالشر والخير فتنة, وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) ولا تتوقف عطاءات السورة عند هذا الحد ولا عند هذا العد, بل تتسري كما يتسرى النور في الظلم, أو كما يسرى الدم الدفاق في عروق الإنسان, فيحيله بعد أن كان جسدًا هامدًا إلى هيئة فوارة وعمل هدار, حتى يصل القرآن الكريم إلى تصوير نموذج عملي من نماذج نصر الله تعالى للمرسلين خاصة والمؤمنين بصفة عامة.
        4- سنة الله في نصر الحق على الباطل: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ  إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ  قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ  قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (54,51) وتمضي الآيات الكريمة حتى يقولوا قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ  قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (59-60) وهنا يتقدم الصفان ويتقارب العدوان, ويقف إبراهيم  الأعزل الفريد الوحيد إلا من الإيمان بالله رب العالمين, أمام هذا الجمع العظيم, الذي لا يتكالب عليه لشيء إلا لأنه يقول الله ربي والحنيفية ديني قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ  قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوَهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ (62-63) فرجعوا رجوعًا يمثل الفطرة الصافية التي تعود إلى نفسها بين حين وآخر وبين فينة وأختها فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ  ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ (64-65) وهنا تقع قارعة من إبراهيم  للذين استغنوا عن رءوسهم واستبدلوا بها عضلات مفتولة وأذرعا طويلة أو قصيرة, فيقول  قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلايَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (66-67) هنا غابت إملاءات العقل وحضرت إملاءات الذراع والعضلات قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (68) طبيعة الغاشم والمتجبر في كل زمان ومكان, أنه إذا غابت حيلته وغابت طريقته, فإنه يستبدل بعقله قوة تدهم بنيه وأهله فيقولون  قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ هنا تتدخل إرادة الله سبحانه وتعالى, بعد هذه الجولة فينصر الحق وأهله, ويدحض الباطل وحزبه, حتى ليصل الأمر أن تتنزل عناية الله سبحانه وتعالى على عبده إبراهيم   قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ  وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ وتمت نجاة إبراهيم  وخرج سليمًا معافي أصلب عودًا وأقوى ظهرا ؛ ليثبت للدنيا بأسرها ولأصحاب الدعوة الماضية ما مضي الليل والنهار أن الدعوات لا يهزمها الأذى .
        والله ما الدعوات يهزمها الأذى
        ضع في يدي القيد أذهب أضلعي
        لن تستطيع حصار فكرى ساعة
        فالنور في قلبي وقلبي في يدي
        سأعيش معتصمًا بحبل عقيدتي
        يومًا في التاريخ بر يميني
        بالصوت ضع عنقي على السكين
        أو نزع إيماني وروح يقيني
        ربي وربي ناصري ومعيني
        وأموت مبتسمًا ليحيا ديني

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ليست هناك تعليقات:

« كَفَّارَةُ المَجْلِسِ »

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ » .