مفاتيح سورة القصص
مفاتيح سورة القصص |
|
أولاً:اسم السورة
تسمى هذه السورة ، بـ :
1- سورة القصص(1)
وذلك : لاشتمالها ـ كما يقول المهايميُّ ـ على قوله تعالى {فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الآية 25] الدالة على ... أن من هرب من مكان الأعداء، إلى مكان الأنبياء، اعتباراً بقصصهم.. الدالة على .. نجاة الهاربين من مكان الأعداء : أمن من الهلاك.
مع اشتمالها ـ أيضاً ـ على ما لا يشتمل عليه غيرها من أنباء موسى عليه السلام(2).
2- طـسم(3).
وذلك ـ فيما يظهر ـ لافتتاحها بها.
ثانياً : عدد آيات السورة و كلماتها و حروفها
عدد آياتها(4) : (88) ثمان وثمانون آية.
كلماتها : (1401) ألف وأربعمائة وكلمة واحدة.
حروفها : (5800) خمسة آلاف وثمانمائة حرف.
ثالثاً : ترتيب السورة فى المصحف و فى النزول
أ- في المصحف ... بعد : سورة "النمل"، وقبل: "سورة "العنكبوت"
ب- في النزول ... بعد : سورة "النمل"، وقبل: سورة "الإسراء".
رابعاً : سبب نزول السورة
لم نعثر على آثار في ذلك : سوى الحديث الذي سبق ذكره في سورة الأنعام، فليرجع إليه من شاء.
خامساً : مكية السورة و مدنيتها
نزلت سورة القصص بمكة, والمسلمون يومئذ قلة مستضعفة، والمشركون هم أصحاب الحول والطول والجاه والسلطان.
وقد نزلت بعد سورة النمل، التي نزلت هي الأخرى بعد سورة الشعراء(5).
سادساً : فضل السورة
لم نعثر على آثار خاصة في ذلك.
سابعاً : صلة السورة بما قبلها
بين هذه السورة والسورتين قبلها : ترابط واضح، وتلازم شديد، وتناسب بديع.
ويظهر ذلك فيما يلي :
1- إذا كان تعالى قد أوجز في السورتين قبلها ما يتعلق بقصص موسى عليه السلام.
فإنه قد بسط وفصل ذلك في سورة القصص، حيث : شرح تربية فرعون لموسى، وذبح أبناء بني إسرائيل الذي أوجب إلقاء موسى حين ولادته في اليم خوفاً عليه من الذبح، ثم ذكر قتله القبطي، ثم فراره إلى مدين، وما وقع له حيث ورد ماء مدين : من زواج، ثم مناجاة لربه(6).
2- إذا كان تعالى قد أجمل في سورة النمل توبيخ المشركين حول موقفهم من يوم القيامة في مثل قوله تعالى {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمِونَ} [الآية 66].
فقد فصل ذلك في سورة القصص على نحو واسع... في مثل قوله تعالى {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ...} [الآيات 61-67].
3- إذا كان تعالى قد فصل في الحديث عن أحوال بعض المهلكين من قوم صالح وقوم لوط:
فقد أجمل ذلك هنا.. في مثل قوله تعالى {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} [الآية 58].
4- إذا كان تعالى في سورة النمل قد بسط الحديث عن: حال من جاء بالحسنة، وحال من جاء بالسيئة في قوله تعالى { مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الآيتان 89-90].
فإنه قد أوجز الحديث عن ذلك في سورة القصص في قوله تعالى {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الآية 84].
إلى غير ذلك من وجوه التناسب(7).
ثامناً : هدف السورة
كل موضوعات السورة تدور في إطار خدمة أهداف خمسة.
وهي:
أولاً(8): إقامة الحجة بصدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم على أهل الكتاب. [الآيات من 3 حتى 46].
ثانياً(8): إقامة الحجة بصدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم على المشركين. [الآيات من 47 حتى 75].
ثالثاً(8): تقييم ما في الحياة من متع مادية. [الآيات 60، 76 حتى 84].
رابعاً(9): وضع الموازين الحقيقية للقوى والقيم.
إذ تقرر السورة:
أن هناك قوة واحدة في هذا الوجود، هي : قوة الله.
وأن هناك قيمة واحدة في هذا الكون، هي: قيمة الإيمان.
فمن كانت قوة الله معه: فلا خوف عليه، ولو كان مجرداً من كل مظاهر القوة.
ومن كانت قوة الله عليه: فلا أمن له ولا طمأنينة، ولو ساندته جميع القوى.
ومن كانت له قيمة الإيمان: فله الخير كله.
ومن فقد هذه القيمة (الإيمان): فليس بنافعه شيء أصلاً.
ومن ثم يقوم كيان السورة على:
قصة موسى وفرعون في البدء.
وقصة قارون مع قومه ـ قوم موسى ـ في الختام.
الأولى: تعرض قوة الحكم والسلطان، قوة فرعون الطاغية المتجبر.
والثانية: قيمة المال ومعها قيمة العلم.. المال الذي يستخف القوم.. والعلم الذي يعتز به قارون.
وقد دلت قصة موسى وفرعون وهي تعرض لقوة الحكم والسلطان..!!
كما دلت قصة قارون مع قومه وهي تعرض لقيمة المال ومعها قيمة العلم..!!
دلت هذه وتلك: على أنه حين يتمحض الشر ويسفر الفساد ويقف الخير عاجزاً والصلاح حسيرا.
ويُخشى من: الفتنة بالقوة والفتنة بالمال..!!
عندئذ: تتدخل يد القدرة سافرة متحدية، بلا ستار من الخلق ولا سبب من قوى الأرض، لتضع حداً للشر والفساد.
خامساً(8): توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى: التمسك بدعوته، وعدم الانحراف عن القرآن. [الآيات من 85 إلى 88].
تاسعاً : تقسيم آيات السورة موضوعيا
تتكون هذه السورة من قسمين(10):
الأول.. عبارة عن (43) آية.
من الآية الأولى، وحتى نهاية الآية (43).
وفيه:
قصة موسى عليه السلام، من خلال مقدمة وخمسة مشاهد.
الثاني.. عبارة عن (45) آية.
من الآية: 44 وحتى نهاية السورة.
وفيه:
إقامة الحجة على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى أن هذا القرآن حق.
ثم الحديث عن موقف أهل الكتاب المخلصين الصادقين من هذا القرآن، وأنهم يؤمنون به.
وفي ذلك: حجة جديدة على أن هذا القرآن من عند الله، إذْ يسلم له أهل الكتاب الصادقون.
وهو في ذات الوقت: دعوة لأهل الكتاب أن يؤمنوا.
وفيه أيضاً: الدلالة على الأخلاق العليا التي ينبغي أن يتحقق بها من يدخل في هذا الدين من أهل الكتاب.
وهي في ذات الوقت ـ أخلاق ينبغي أن يتحقق بها كل مؤمن.
وفيه ثالثاً: بيان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه لا يهدي من أحب، وإنما الهداية بيد الله تعالى لمن سلك أسبابها.
وفيه رابعاً: عرض لشبهة من شبه الكافرين، في انصرافهم عن الإسلام، ورد عليها بشكل، ثم بآخر.
وفيه أخيراً: تأتي قصة قارون، لترينا عقوبة من عقوبات الله، تحل في إنسان هو من قوم رسول؛ بسبب بغيه.
وفي عرضها: تحذير جديد لمن يبغي من هذه الأمة على هذه الأمة فرداً كان أو جماعة، حاكماً كان أو محكوماً.
عاشراً : أبرز موضوعات السورة
تحتوي هذه السورة على موضوعات عديدة.
ومن هذه الموضوعات(6):
استعلاء فرعون وإفساده في الأرض.
استضعافه لبني إسرائيل.
إغراق فرعون وجنوده في اليم وإنقاذ بني إسرائيل من ظلمه وجعلهم أئمة في أمر الدين والدنيا.
إلقاء موسى في اليم…إلخ
قتل موسى للقبطي وهربه..إلخ
عودة موسى إلى مصر.
معجزات موسى عليه السلام.
تبليغه رسالة ربه إلى فرعون..
إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
إنكار قريش لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
إيمان بعض أهل الكتاب بالقرآن وإعطاؤهم أجرهم مرتين.
إثبات أن الهداية بيد الله لا يبد رسوله فلا يمكنه أن يهدي من يحب.
أعذار قريش في عدم إيمانهم بيان أن الله لا يعذب إلا بعد أن يقطع الحجة بإرسال الرسل.
حكاية بعض مواقف يوم القيامة.
بيان أن اختيار الرسل لله لا للمشركين.
التذكير ببعض نعم الله.
شهادة الأنبياء على أممهم.
ذكر قارون وبغيه في الأرض ثم خسف الأرض به.
بيان أن ثواب الآخرة لا يكون لمن يريد العلو في الأرض والإفساد فيها… إلى غير ذلك.
حادى عشر : بعض الدروس المستفادة
نعرض تحت هذا العنوان بعضاً من النكت اللطيفة والفوائد البديعة التي لمحها العلماء في هذه السورة.
ومن ذلك:
1- في قوله تعالى {نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الآية، 3].
إشارة إلى أن هذا هو الحق الخالص الذي يؤمن به المؤمنون بالقرآن، وذلك لأن الكتب السماوية كلها قد حرفت، وهذا القرآن هو الذي وضع الأمر في نعي نصابه فيما تحدث عنه.
فالمؤمن بالقرآن: يعلم أن ما قصه هو الحق، وأن ما خالفه هو الباطل حيثما وجد(10).
2- في قوله تعالى {فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء} [الآية، 25].
قال ابن كثير: قال ابن عمر رضي الله عنه: "جاءت تمشي على استحياء، قائلة بثوبها على وجهها ليست بسلفع من النساء، ولاجة، خداجة." إسناده صحيح(11).
قال الجوهري: السلفع من الرجال: الجسور ومن النساء: الجارية السليطة، ومن النوق الشديدة(10).
3- في قوله تعالى {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [الآية، 26].
قال ابن كثير(11):
عن عبد الله بن مسعود قال:
أفرس الناس ثلاثة:
أبو بكر : حين تفرس في عمر.
وصاحب يوسف: حين قال أكرمي مثواه.
وصاحبة موسى(10): حين قالت: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}
4- في قوله تعالى {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [الآيات 52-55].
مما ذكر ابن كثير في سبب نزول هذه الآيات(11):
قال سعيد بن جبير: نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي، فلما قدموا على النبي صلى الله عله وسلم: قرأ عليهم {يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} حتى ختمها.
فجعلوا يبكون.
وأسلموا.
ونزلت فيهم هذه الآيات.(10)
5- في قوله تعالى {أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ} [الآية 54].
قال ابن كثير(11):
عن أبي موسى قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي، وعبد مملوك أدى حق الله، وحق مواليه، ورجل كانت له أمة فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها"(1).
6- في قوله تعالى {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الآية 83]
قال ابن كثير(11) :
روى ابن جرير عن علي قال:
إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل صاحبه، فيدخل في معنى هذه الآية.
وهذا محمول على ما إذا أراد بذلك الفخر والتطاول على غيره.
فإن ذلك مذموم.
كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "أنه أوحى إلى أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد".
وأما إذا أحب ذلك لمجرد التجمل: فهذا لا بأس به.
فقد ثبت أن رجلاً قال:
يا رسول الله.. إني أحب أن يكون ردائي حسناً، ونعلي حسنة..
أفمن الكبر ذلك..؟
فقال: ((لا.. إن الله جميل يحب الجمال))(11).
ثانى عشر : مصادر المفاتيح و هوامش البحث
1- انظر: السخاوي، القرطبي، الفيروزابادي، الشوكاني، اللألوسي، القاسمي "مصادر سابقة"
2- انظر : القاسمي / محاسن التأويل "تفسير سورة القصص"
3- انظر: السخاوي / جمال القراء 1/37
الشوكاني / فتح القدير "تفسير سورة القصص"
4- انظر: مكي بن أبي طالب / التبصرة ص286
السخاوي / جمال القراء 1/210
الفيروزابادي / بصائر ذوي التمييز 1/353
الألوسي / روح المعاني "تفسير سورة القصص"
نثر المرجان 5/145
5- انظر: السيوطي / الإتقان "النوع الأول"
الشهيد/سيد قطب / في ظلال القرآن "تفسير سورة القصص"
6- انظر: المراغي / تفسير المراغي "تفسير سورة القصص"
7- انظر: الألوسي / روح المعاني "تفسير سورة القصص"
المراغي / تفسير المراغي "تفسير سورة القصص"
8- أنظر: د/محمد البهي / تفسير سورة القصص ص3 وما بعدها.
9- أنظر: الشهيد/سيد قطب / في ظلال القرآن "تفسير سورة القصص"
10- انظر: سعيد حوي / الأساس في التفسير "تفسير سورة القصص"
11- انظر: ابن كثير / تفسير القرآن العظيم "تفسير سورة القصص".
فضيلة الدكتور عبد الحي الفرماوي
رئيس قسم التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر
|
 |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق