مفاتيح سورة الأنعام
مفاتيح سورة الأنعام |
|
أولاً:اسم السورة
1- تسمى هذه السورة بسورة "الأنعام".(1)
وذلك لما روى فيها من ذكر الأنعام مكرراً،(2) ومفصلاً لأحوالها .(3)
ويلاحظ : أنه إذا كان لفظ "الأنعام" (4) ورد فى غيرها ، فإنه لا يمنع من ذلك .
إذ أن التفصيل الوارد فى قوله تعالى ومن الأنعام حمولة وفرشاً..
لم يرد فى غيرها.(5)
وكذلك : فإن أكثر أحكام الأنعام ، وجهالات المشركين فيها ، وفى التقرب بها إلى أصنامهم ؛ مذكورة فيها .(6)
2- كما تسمى بـ "سورة الحجة" .(7)
وذلك : لأنها مقصورة على ذكر حجة النبوة .(7)
وأيضاً (7): تكررت فيها الحجة ، فى قوله تعالى { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه }[الأنعام 83] .
وقوله تعالى{ قل فلله الحجة البالغة }[الأنعام 149] .
وأيضاً : فهى أصل فى محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين ، ومن كذب بالبعث والنشور .
ثانياً : عدد آيات السورة و كلماتها و حروفها
وعدد آياتها :
(165) مائة وخمس وستون آية .
عدد كلماتها :
(3052) ثلاثة آلاف واثنتان وخمسون كلمة .
عدد حروفها :
(12240) اثنا عشر ألفاً ومائتا وأربعون حرفاً .(1)
ثالثاً : ترتيب السورة فى المصحف و فى النزول
أ- فى المصحف :
بعد سورة "المائدة" ، وقبل سورة "الأعراف" .
ب- فى النزول :
بعد سورة "الحجر" ، وقبل سورة "الصافات" .
رابعاً : سبب نزول السورة
لا يوجد
خامساً : مكية السورة و مدنيتها
فى الخبر : أن هذه السورة نزلت جملة واحدة بمكة وشيعها سبعون ألف ملك ، مع آية واحدة منها اثنا عشر ألف ملك ، وهى وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو [الأنعام 59] نزلوا بها ليلاً ، لهم زجل بالتسبيح والتحميد، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب فكتبوها من ليلتهم .(8)
وذلك .. سوى ست آيات نزلت بالمدينة على مرتين
فى الأولى ثلاث آيات وما قدروا الله حق قدره .. [الآيات 91 ، 92 ، 93] .
وفى الثانية .. ثلاث آيات قل تعالوا أتل ما حرم ربكم ..
[الآيات 151 ، 152 ،153].
سادساً : فضل السورة
اختصت سورة الأنعام – كما قال الأصوليون – بنوعين من الفضيلة .
أحدهما : أنها نزلت دفعة واحدة .
الثانى : أنه قد شيعها سبعون ألف من الملائكة .
وقد ذكر الدارمى فى مسندى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، قال : الأنعام من نجائب القرآن .
عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما نزل على سورة من القرآن جملة غير سورة الأنعام ، وما اجتمعت الشياطين لسورة من القرآن جمعها لها ، وقد بعث بها إلى مع جبريل ، مع خمسين ملكاً ، أو خمسين ألف ملك ، يزفونها ويحفونها ، حتى أقروها فى صدرى ، كما أقر الماء فى الحوض ، ولقد أعزنى الله وإياكم بها عزاً لا يذلنا بعده أبداً ، فيها دحض حجج المشركين ، ووعد من الله لا يخلفه ".
سابعاً : صلة السورة بما قبلها
أولاً : صلتها بالسور السبع الطوال .
ثانياً : صلتها بسورة "المائدة" قبلها .
ثالثا : صلتها بسور القرآن عامة .
أولاً : صلتها بالسور التى قبلها
هذه السورة والأعراف بعدها مكيتان .
جاء قبلهما : البقرة وآل عمران والنساء والمائدة ، وكلها مدنية .
وجاء بعدهما كذلك : الأنفال والتوبة، وهما مدنيتان .
وهذه السور : هى السبع الطوال
ويلاحظ :
أ- أن ما بعد سورة الأنفال والتوبة من سور النصف الأول من القرآن الكريم مكى كله .
ب- أن سور الربع الثالث للقرآن كلها مكية - أيضاً – إلا سورة النور : فإنها مدنية ، وسورة الحج : فإنها مختلطة .
جـ- وأن سور الربع الرابع من القرآن فهو مختلط ، وأكثر سورة الفصل ، التى تقرأ كثيراً فى الصلاة .
هذا ...
(1)* وإذا كانت سورة البقرة : جاءت لبيان أصول الإسلام وفروعه ، وكانت أجمع السور فى تحقيق هذا الغرض !!
فإن السور الثلاث الطوال بعدها :
جاءت متممة لذلك ، فيما يتصل بأهل الكتاب ، ومناقشة عقائدهم .
ثم جاءت سورة الأنعام ، متممة لذلك – كذلك – فيما يتصل بالمشركين ومناقشة عقائدهم .
ثم جاءت – ثالثاً – سورة الأعراف : متممة لذلك بيان سنن الله تعالى فى المرسلين وشئون أممهم معهم ، بما بعد حجة على أهل الكتاب والمشركين جميعاً .
ثم جاءت رابعاً – بعد أن تم تفصيل ما أجمل فى البقرة مما يتصل بالعقائد من الإلهيات والنبوات والبعث، فى السور الخمس – سورتا الأنفال والتوبة لبيان من أجمل فيها ما الأحكام ، ولا سيما أحكام القتال والمنافقين .
وبهذا الربط : تم بيان التناسق فى ترتيب سور الثلث الأول من القرآن الكريم .
(2) كما أن لسورة الأنعام :
علاقة بسورة الفاتحة : حيث تشرح إجمال قوله تعالى رب العالمين .
وعلاقة بسورة البقرة : حيث تشرح إجمال قوله تعالى { الذى خلقكم والذين من قبلكم }[الآية 21] .
وقوله تعالى{ الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعاً } [الآية 29] .
وعلاقة بسورة آل عمران : حيث تفصيل قوله تعالى{ والأنعام والحرث }[الآية 14]، وقوله تعالى{ كل نفس ذائقة الموت }
[الآية 185] .
وعلاقة بسورة النساء : من جهة ما فيها من بدء الخلق والتقبيح لما حرموه على أزواجهم وقتل البنات .
وعلاقة بسورة المائدة : من حيث اشتمالها على الأطعمة : بأنواعها .
ثانياً : صلتها بسورة المائدة :
1- إذا كانت سورة المائدة : قد جاء معظمها فى محاجة أهل الكتاب .. !!
فإن سورة الأنعام جاء معظمها ، بل كلها ، فى محاجة المشركين .
2- إذا كانت سورة المائدة : تحدثت عن طعام أهل الكتاب .. !! .
فإن سورة الأنعام تحدثت عن طعام المشركين .
3- وإذا كانت سورة المائدة : جاء فى آخرها قوله تعالى لله ملك السماوات والأرض وما فيهن على سبيل الإجمال .. !!
فإن سورة الأنعام افتتحها الله تعالى بشرح ذلك وتفصيله على النحو التالى :
إذ بدأ سبحانه بذكر خلق السماوات والأرض، وضم إليه أنه جعل الظلمات والنور .
وهذا بعض ما تضمن قوله تعالى وما فيهن .
ثم ذكر سبحانه أنه : خلق النوع الإنسانى ، وقضى له أجلاً ، وجعل له أجلاً آخر للبعث، وأنه منشئ القرون قرناً بعد قرن .
ثم قال تعالى قل لمن ما فى السماوات والأرض الخ ، فأثبت له ملك جميع المظروفات بظرف الزمان .
ثم قال تعالى وله ما سكن فى الليل والنهار فأثبت أنه ملك على جميع المظروفات بظرف الزمان .
ثم ذكر سبحانه - فى أثناء السورة – من الإنشاء والخلق لما فيهن من : النيرين، والنجوم ، وفلق الإصباح ، وفلق الحب والنوى ، وإنزال الماء ، وإخراج النبات والثمار بأنواعها ، وإنشاء جنات معروشات وغير معروشات .
وهذا كله – وغيره – بعض تفصيل قوله تعالى وما فيهن .
4- إذا كانت سورة المائدة : جاء فيها إبطال ألوهية عيسى عليه الصلاة والسلام، وتوبيخ الكفرة على اعتقادهم الفاسد ، وافترائهم الباطل .. !!
فإن سورة الإنعام : جاءت لإثبات الصانع ، وتبيان دلائل توحيده ، بل قالوا: (إن فيها كل قواعد التوحيد) .
ثالثاً : صلتها بسور القرآن عامة
أ- لما كانت نعمه سبحانه مما تفوت الحصر ، ولا يحيط بها نطاق العد ... !! .
إلا أنها ترجع إجمالاً إلى :
إيجاد وإبقاء فى النشأة الأولى .
وكذلك : إيجاد وإبقاء فى النشأة الأخيرة .
وقد أشير فى :
فاتحة الكتاب إلى الجميع .
وفى الأنعام إلى الإيجاد الأول .
وفى الكهف إلى الإبقاء الأول .
وفى سبأ إلى الإيجاد الثانى .
وفى فاطر إلى الإبقاء الثانى .
لما كان الأمر كذلك .. !!
ابتدئت هذه السور الخمس بالتحميد .
والسور الأربع مكية ، وكل منها مشتمل على : دعوة الإسلام، محاجة المشركين .
ب- وكذلك يلاحظ أن السور الخمس التى بدئت بالحمد لله دون باقى سور القرآن الكريم :
قد أشارت فى فواتحها إلى الأصول العقدية وأركان الإيمان .
ففى فاتحة الكتاب : إشارة إلى الإيمان بالقضاء والقدر، وذلك بمقتضى مفهوم الربوبية وما تستلزمه من التسلم والإذعان المطلق لرب العالمين .
وفى فاتحة الأنعام: إشارة إلى الإيمان بالله تعالى الذى خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ، مع النعى على الذين كفروا به وعدلوا عنه .
وفى فاتحة الكهف : إشارة إلى الإيمان بالكتاب المنزل وبالرسول الذى أنزل عليه الكتاب .
وفى فاتحة سبأ : إشارة إلى الإيمان باليوم الآخر الذى له تعالى الحمد فيه أيضاً .
وفى فاتحة فاطر : إشارة إلى الإيمان بالملائكة الذين جعلهم الله رسلاً أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع .
وفى هذا ما فيه من الإشارة إلى أن هذه العقيدة بأصولها ، وهذا الإيمان بأركانه : لنعمة كبرى ، ومنة عظمى تستحق منا أن نحمد الله تعالى – دائماً – عليها .
وأيضاً فى علاقتها بسورة المائدة ...
1- إذا كانت المائدة : قد ختمت بفصل القضاء ، كما فى قوله تعالى إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم بإنك أنت العزيز الحكيم [المائدة 118].
فإن الأنعام : قد افتتحت بالحمد الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض.. [الأنعام : الآية 1] .
وهما متلازمتان .. كما قال سبحانه .. وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين [الزمر 75].
2- وقال الجلال السيوطى ..
إذا كان تعالى : قد ذكر فى آخر المائدة لله ملك السموات والأرض وما فيهن [المائدة 120] على سبيل الإجمال .. !!
فقد افتتح جل شأنه هذه السورة : بشرح ذلك وتفصيله، إذ بدأ – سبحانه - بذكر خلق السماوات والأرض .
وضم إليه تعالى : أنه جعل الظلمات والنور ، وهو بعض ما تضمنه فيهن.
ثم ذكر – عز اسمه – أنه خلق النوع الإنسانى ، وقضى له أجلاً ، وجعل له أجلاً آخر للبعث ، وأنه – جل جلاله – منشئ القرون ، قرناً بعد قرن.
ثم قال تعالى قل لمن ما فى السموات والأرض .. [الأنعام 12 وما بعدها] فأثبت أنه – جل وعلا – ملك جميع المظروفات لظرف الزمان .
ثم ذكر سبحانه : خلق سائر الحيوان ، من : الدواب ، والطير.
ثم خلق : النوم ، واليقظة ، والموت .
ثم أكثر – عز وجل ، فى أثناء السورة : من الإنشاء ، والخلق لما فيهن من النيرين والنجوم ، وفلق الإصباح ، وفلق الحب والنوى ، وإنزال الماء ، وإخراج النبات والثمار بأنواعها ، وإنشاء جنات معروشات وغير معروشات.
إلى غير ذلك ، مما فيه تفصيل قوله تعالى وما فيهن .
4- إذا كان تعالى : قد ذكر فى سورة المائدة يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم .. [المائدة 87] .
وذكر بعده كذلك ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة.. [المائدة 103].
وفى ذلك : إخبار عن الكفار أنهم حرموا أشياء مما رزقهم الله .. إفتراءً على الله عز شأنه .
وكان ذكر ذلك : على سبيل الإيجاز .. !! .
فقد ساق جل جلاله هذه السورة : لبيان حال الكفار فى صنعهم .
فأتى به : على الوجه الأبين ، والنمط الأكمل .
ثم : جاء لهم فيه ، وأقام الدلائل على بطلانه ، وعارضهم ، وناقضهم" .
إلى غير ذلك .. ما اشتملت عليه السورة .
فكانت "الأنعام" شرحاً لما تضمنته "المائدة" من ذلك على سبيل الإجمال ، وتفضيلاً وبسطاً وإتماماً وإطناباً .
وافتتحت بذكر الخلق والملك : لأن الخالق المالك هو الذى له التصرف فى ملكه ومخلوقاته .. إباحة ومنعاً ، وتحريماً وتحليلاً ؛ فيجب أن لا يعترض عليه سبحانه بالتصرف فى ملكه .(15)
ثامناً : هدف السورة
إن الهدف الذى تحاول إبرازه هذه السورة الكريمة من بدئها إلى منتهاها : هو موضوع العقيدة .
نعم .. موضوع العقيدة ، بكل مقوماتها ، ومكوناتها. (15)
وهى : لا تهدف إلى تصوير نظرية فى العقيدة ، ولا إلى جدل "لاهوتى" يشغل الأذهان والأفكار .
إنما تهدف إلى : تعريف الناس بربهم الحق ؛ لتصل من هذا التعريف إلى .. تعبيد الناس لربهم الحق ،
تعبيد : ضمائرهم وأرواحهم .
تعبيد : سعيهم وحركتهم .
تعبيد : تقاليدهم وشعائرهم .
تعبيد : واقعهم كله لهذا السلطان المتفرد ، سلطان الله ، الذى لا سلطان لغيره فى الأرض ولا فى السماء .
ومما ينبغى ملاحظته : أن هذا الهدف – لكى نحكم بوصولنا إليه ونجاحنا فيه – يجب أن يتمثل فى تجمع حركى ، كما يجب أن يكون التجمع الحركى – فى الوقت ذاته – تمثيلاً صحيحاً ، وترجمة حقيقية لسلامة تصور هذه العقيدة .
تاسعاً : تقسيم آيات السورة موضوعيا
يقول صاحب الظلال عليه رحمة الله : لا يمكن تجزئة هذه السورة إلى مقاطع ، كل منها يعالج جانباً من الموضوع ، إنما هى موجات ... وكل موجة تتفق مع التى قبلها ...
ومع ذلك: فسوف نرى – كما يقول الاستاذ سعيد حوى عليه رحمة الله – نقاط علامٍ واضحة تحدد لنا أقسام السورة وفقرات كل قسم .
ولذا فتقسيم السورة فيما يرى صاحب الأساس على النحو التالى :
تنقسم سورة الأنعام إلى قسمين كبيرين ، وفى كل قسم منهما عدة فقرات :
والقسم الأول عبارة عن (94 آية).
من الآية الأولى حتى نهاية الآية (94).
ويبدأ: بصدر السورة وهو قوله تعالى{ الحمد لله الذى خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون }.
وهى آية: تتحدث عن الشرك وأهله فى الدنيا .
وينتهى: بقوله تعالى{ ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون} [الأنعام 94] .
وهى آية: تتحدث – كما هو واضح – عن الشرك وأهله يوم القيامة .
القسم الثانى : عبارة عن (71) آية.
من الآية (95) حتى نهاية الآية (165).
ويبدأ: بقوله تعالى { إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحى من الميت ومخرج الميت من الحى ذلكم الله ربكم فأنى تؤفكون }[الأنعام 95] .
وهى آية : تتحدث عما خلق الله للإنسان فى هذه الأرض .
وينتهى: بقوله تعالى{ وهو الذى جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم الله إن سريع العقاب وإنه لغفور رحيم }[الآية 165].
وهى تتحدث – كما هو واضح – عن كون الإنسان خليفة على هذه الأرض.
هذا .. ويلاحظ على هذه الأقسام ما يلى :
أولاً : وضوح الصلة ، وقوة الترابط بين بداية القسم ونهايته .
ففى القسم الأول : كان الحديث عن الشرك وأهله ، بدأ الحديث عنه فى الدنيا ، وانتهى القسم بالحديث عنه فى الآخرة .
وفى القسم الثانى : كان الحديث عن الأرض وما خلق عليها ، بدأ ببيان كون ذلك للإنسان ، وانتهى بتبيان خلافة الإنسان على الأرض ومسئوليته عنها وعما خلق له عليها .
الملحوظة الثانية : أن كل قسم من هذين القسمين يتألف من عدة فقرات ، كل فقرة منها تعالج موضوعاً من الموضوعات ، أو يوضح معنى من المعانى .
بيد أن تحديد هذه الفقرات – على التسليم بإمكانية – يواجه صعوبة لقوة تلاحم معانى السورة ، وترابط وتداخل موضوعاتها .
وهذا هو ما دفع صاحب الظلال لأن يقول – كما قدمنا – "لا يمكن تجزئة السورة إلى مقاطع ، كل منها يعالج جانباً من الموضوع ، إنما هى موجات .. كل موجة تتفق مع التى قبلها وتكملها" .
الملحوظة الثالثة : أن هذا التقسيم ليس أمراً مقصوداً – فى هذه السورة أو فى غيرها – لذاته ، وإنما هى عملية تقريبية ومحاولة توضيحية لتيسير الكشف عن كنوز السورة ونفائس محتوياتها ، وتسهيل الوصول إلى ذلك ، والانتفاع به .
عاشراً : أبرز موضوعات السورة
تتعدد موضوعات السورة وتتعانق لتصل إلى الهدف الذى كانت من أجله، واهتمت بإبرازه.
أولاً : عرض أصول العقيدة .
ومن أبرز موضوعاتها :
1) قضية الألوهية والوحدانية .
وهى تسلك لتوضيح وخدمة هذه القضية أسلوبين هما :
أ- أسلوب التقرير ب- أسلوب التلقين .
أ- أسلوب التقرير :
فى مثل قوله تعالى :{ الذى خلق السموات والأرض وجعل .. }[الآية 1]
وفى مثل قوله تعالى :{ الذى خلقكم من طين }[الآية 2] .
وفى مثل قوله تعالى:{ وهو الله فى السموات وفى الأرض يعلم سركم وجهركم .. }
[الآية 3] .
وفى مثل قوله تعالى :{ وله ما سكن فى الليل والنهار وهو السميع العليم }
[الآية 13].
وفى مثل قوله تعالى :{ وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير }[الآية 8].
وفى مثل{ وهو الذى يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبؤكم بما كنتم تعملون }[الآية 60] .
وفى مثل{ وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون }[الآية 61].
وفى مثل{ وهو الذى خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ فى الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير }[الآية 73].
وفى مثل{ فالق الحب والنوى يخرج الحى من الميت ومخرج الميت من الحى ذلكم الله فأنى تؤفكون }[الآية 95].
وفى مثل{ فالق الإصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً }[الآية 96].
وفى مثل { وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها فى ظلمات البر والبحر }
[الآية 97].
وفى مثل{ وهو الذى أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع }[الآية 98] .
وفى مثل{ وهو الذى أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به نبات كل شئ فأخرجنا منه خضراً نخرج منه حباً متراكباً ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه .. }[الآية 99].
وفى مثل{ بديع السماوات والأرض .. }[الآية 101].
وفى مثل{ لا إله إلا هو خالق كل شئ فاعبدوه وهو على كل شئ وكيل }
[الآية 102].
وفى مثل{ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير }[الآية 103].
وفى مثل{ وهو الذى أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفاً أكله والزيتون والرمان متشابهاً وغير متشابه .. }[الآية 99].
وفى مثل{ وهو الذى جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم }[الآية 165].
ب- أسلوب التلقين:
فى مثل قوله تعالى{ قل لمن ما فى السماوات والأرض قل لله .. }[الآية 12]
وفى مثل{ قل أغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض وهو يطعِم ولا يُطعم .. }[الآية 14].
وفى مثل{ قل أى شئ أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم .. }[الآية 19].
وفى مثل { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين }
[الآية 40] .
وفى مثل{ قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به .. }[الآية 46].
وفى مثل{ قل أرأيتم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون }[الآية 47].
وفى مثل{ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض .. }[الآية 65].
وفى مثل{ قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا كالذى استهوته الشياطين فى الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن الهدى هدى الله وأمرنا لنسلم لرب العالمين} [الآية 71].
وفى مثل{ قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين } [الآية 149].
وفى مثل{ قل إننى هدانى ربى إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين }[الآية 161].
وفى مثل{ قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين }[الآية 162].
وفى مثل{ قل أغير الله أبغى رباً وهو رب كل شئ ولا تكسب كل نفس لا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبؤكم بما كنتم فيه تختلفون }
[الآية 164].
2) قضية النبوة والرسالة :
ووظيفة الرسل محددة وواضحة، فى مثل قوله تعالى{ وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين }[الآية 48].
والمعاندون يطلبون منهم الآيات{ وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه }[الآية 37].
ويقسمون كذباً على الإيمان لو جاءت الآية{ وأقسموا بالله جهد إيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها } [الآية 109] .
ويكفرون لو جاءت الآية{ ولو نزلنا عليك كتاباً فى قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين }[الآية 7].
والمعاندون يطلبون أن ينزل عليه ملك{ وقالوا لولا أنزل عليه ملك .. }[الآية 8] .
وليس ذلك من صالحهم{ ولو أنزلنا ملكاً لقضى الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون }[الآيتان 8 ، 9].
ويكفرون – كذلك – لو تنزلت الملائكة ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله.. [الآية 111].
وهذه هى طبيعتهم وجبلتهم وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين { فقد كذبوا بالحق لما جاءهم .. }[الآية 4 ، 5].
ولذلك فهم – فوق تكذيبهم – يستهزءون .. فلا تهتم بذلك{ قد نعلم إنه ليحزنك الذى يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون * ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله.. }[الآيتان 33 ، 34].
والرسل كثيرون .. { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء.. }إلى قوله{ ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم} [الآيات 83 – 87].
3) قضية الكتاب :
وهو القرآن الكريم .
فى مثل قوله تعالى{ وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذى بين يديه ..}[الآية 92].
وفى مثل قوله{ وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون }
[ الآية 155] .
وفى مثل قوله تعالى{ وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ .. }[الآية 19].
وغير القرآن.
فى مثل قوله تعالى{ قل من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً .. }[الآية 91].
وفى مثل قوله{ أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة .. }[الآية 89] .
4) قضية الملائكة :
فى مثل قوله تعالى{ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى }[الآية 111].
وفى مثل قوله{ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتى ربك أو يأتى بعض آيات ربك }[الآية 185].
وفى مثل قوله{ ولو ترى إذ الظالمون فى غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم }[الآية 93].
5) قضية اليوم الآخر :
فى مثل قوله تعالى{ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها .. }[الآية 31].
وفى مثل قوله{ ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ... }
[الآية 94].
وفى مثل قوله{ ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا.. }[الآية 30].
وفى مثل قوله{ ولو ترى إذ وقفوا على ربهم فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين }[الآية 27].
وفى مثل قوله{ وله الملك يوم يُنفخ فى الصور عالم الغيب والشهادة }[الآية 73].
6) قضية التسليم بالقضاء والقدر:
فى مثل قوله تعالى{ وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما فى البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة فى ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا فى كتاب مبين } [الآية 59] .
وفى مثل قوله{ قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين }[الآية 162].
ثانياً : موضوعات معاونة
1) عناد أهل الكتاب وضلالهم .
أ- للرسول الذين آتيناهم الكتاب يعرفون كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون [الآية 20].
ب- للكتاب والذين آتيناهم الكتاب يعرفون أنه منزل من ربك بالحق
[الآية 114].
جـ- للدين إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً ليست منهم فى شئ إنما أمرهم إلى الله ثم ينبؤهم بما كانوا يفعلون [الآية 159] .
2) عناد المشركين وضلالهم .
{ ويوم يحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون * ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين * انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ..} [الآيات 22- 26].
{ وكذب به قومك وهو الحق .. }[الآية 66].
3) إبطال حجج المشركين بطريق الحوار والمناظرة .
{ وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ..} [الآيات 75 - 82].
4) إسقاط جميع الشركاء لله ولو كانوا من الجن .
{ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون }
[الآية 100].
5) بيان الحلال والحرام من المطعومات .
{ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ..} [الآيات 118 - 121].
{ وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء ..} [الآيات 138 ، 139].
ومن الأنعام حمولة وفرشاً كلوا مما رزقناكم [الآيات 144 - 146].
6) عموم الرسالة للجن والإنس .
{ يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتى وينذرونكم لقاء يومكم هذا .. }
[الآ130].
7) بيان الوصايا العشر .
{ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ..} [الآية 151 - 153].
8) قاعدة الثواب والعقاب الإلهية.
{ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ... }
[الآية160].
حادى عشر : بعض الدروس المستفادة
فى هذه السورة فوائد جليلة ودروس عظيمة .. منها :
1) السور مشتملة على : (11)
دلائل التوحيد ، والعدل ، والنبوة ، والمعاد ، وإبطال مذاهب المبطلين والملحدين.
وذلك يدل على أن علم الأصول فى غاية الجلالة والرفعة .
وأيضاً : فإنزال ما يدل على الأحكام ، قد تكون المصلحة أن ينزل الله تعالى قدر الحاجة ، وبحسب الحوادث والنوازل .
وأما ما يدل على علم الأصول : فقد أنزله الله تعالى جملة واحدة .
وذلك يدل على: أن تعلم علم الأصول واجب على الفور ، لا على التراخى .
2) إنه لمما يخدع الناس أن يروا الفاجر الطاغى ، أو المستهتر الفاسد ، أو الملحد الكافر ، ممكناً فى الأرض ، غير مأخوذ من الله .
ولكن الناس إنما يستعجلون .. إنهم يرون أول الطريق أو وسطه ، ولا يرون نهاية الطريق .
ونهاية الطريق لا ترى إلا بعد أن تجئ ، لا ترى إلا فى مصارع الغابرين بعد أن يصبحوا أحاديث .
والقرآن الكريم يوجه – مباشرة – إلى هذه المصارع – ونهايات الطريق – ليتنبه المخدعون الذين لا يرون – فى حياتهم القصيرة – نهاية الطريق ؛ فيخدعهم ما يرون فى حياتهم ، ويحسبونه نهاية الطريق .
وذلك ما يفهم ويستفاد من قوله تعالى فأهلكناهم بذنوبهم من قوله تعالى ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم فى الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدراراً وجعلنا الأنهار تجرى من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين [الآية 6].
وهذا المعنى : يتكرر فى القرآن كثيراً .. لأنه يقرر حقيقة ، ويؤكد سنة ، ويوضح طرفاً من التفسير الإسلامى لأحداث التاريخ – كما يقول المرحوم سعيد حوى - .
نعم .. يتكرر .. ليقرر الله تعالى حقيقة أن الذنوب تهلك أصحابها ، وأن الله هو الذى يهلك المذنبين بذنوبهم .
وهذه سنة ماضية – ولو لم يرها فرد فى عمره القصير ، أو جيل فى أجله المحدود – ولكنها سنة تصير إليها الأمم ، حين تفشوا فيها الذنوب ، وحين تقوم حياتها على المعاصى .
كذلك : فإن هلاك الأجيال ، واستخلاف الأجيال ، من عوامله : فعل الذنوب فى جسم الأمم ، وتأثيرها فى إنشاء حالة تنتهى إلى الدمار ، إما بقارعة من الله عاجلة ، وإما بالإنحلال البطئ الفطرى الطبيعى ، الذى يسرى فى كيان الأمم – مع الزمن – وهو توغل فى متاهة الذنوب .
والتفسير الإسلامى للتاريخ – بشموليته وحديثه وصدقه وواقعيته – لا يغفل – فى نفس الوقت – أثر العناصر المادية – التى يجعلها التفسير المادى هى كل شئ – ولكنه يعطيها مكانها الذى تستحقه فى رقعة الحياة العريضة ..
ويبرز العناصر الفعالة الأخرى، – التى ينكرها الماديون المعاندون – حيث يبرز ..
أن قدر الله تعالى من وراء كل شئ .
ودور التغير الداخلى فى الضمائر والمشاعر ، والعقائد والتصروات .
وأثر السلوك الواقعى والعنصر الأخلاقى .
بل .. لا يغفل عاملاً واحداً من العوامل التى تجرى بها سنة الله فى الحياة.
3) أنه ما من شئ إلا وفى القرآن الكريم بيان عنه .(16)
وقد جاء ذلك فى هذه الآية المعجزة المتفردة ما فرطنا فى الكتاب من شئ .
حيث جاء هذا التقرير الإلهى فى سياق كلام الحكيم الخبير .. عن كون كل نوع من دواب الأرض ، وكل نوع من الطور : أمة ، لها من الخصائص والقوانين واللغة والعادات ، ما به تسمى "أمة" .
حيث يقول تعالى{ وما من دابة فى الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا فى الكتاب من شئ ثم إلى ربهم يحشرون } [الآية 38] .
وقد أعطانا علم "دراسات الحيوانات" – حتى الآن – من هذا : الكثير ، والكثير.
ويساعدنا فى هذا الفهم ، ويعطينا هذه الإفادة : أن هناك اتجاهين للمفسرين فى لفظ (الكتاب) فى الآية الكريمة.
حيث يذهب بعض العلماء .. إلى أن المراد بالكتاب هنا : هو اللوح المحفوظ .
بينما يذهب آخرون .. إلى أن المراد هو القرآن الكريم .
يقول العلامة الآلوسى – وهو ممن يذهبون إلى الرأى الثانى ، والمراد من الكتاب : القرآن ... فإنه ذكر فيه جميع ما يُحتاج إليه من أمر الدين والدنيا ، بل غير ذلك ، إما مفصلاً ، وإما مجملاً .
فقد روى البخارى فى صحيحه عن ابن مسعود رضى الله عنه .. أنه قال: ولعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات ، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله .
فقالت له امرأة فى ذلك .. !! .
فقال : وما لى لا ألعن من لعن رسول الله وهو فى كتاب الله تعالى .
فقالت له : لقد قرأت ما بين الدفتين – تعنى المصحف – فما وجدت شيئاً مما تقول..!!.
قال : لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه .. أما قرأت وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا
[الآية 7] .
قالت : بلى .
قال : فإنه عليه الصلاة والسلام قد نهى عنه .
كما أخرج ابن جرير.. وابن أبى حاتم عنه أنه قال : "أنزل فى هذا القرآن كل علم ، وبين لنا فيه كل شئ ، ولكن علمنا يقصر عما بين لنا فى القرآن".
وعن الشافعى رضى الله عنه : ليست تنزل بأحد فى الدنيا نازلة إلا فى كتاب الله تعالى الهدى فيها .
4- بمناسبة الكلام عن الأمم التى أرسل الله لها رسلاً ، وسنة الله فيها ، وذلك فى قوله تعالى{ ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون * فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون * فلما نسوا ما ذكروا فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون * فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين }
[الآيات 42 - 45].
يقول صاحب الظلال عليه رحمة الله :(16)
ولقد عرف الواقع البشرى كثيراً من هذه الأمم ، التى قص القرآن الكريم على الإنسانية خير الكثير منها ، قبل أن يولد "التاريخ" الذى صنعته الإنسان ! فالتاريخ الذى سجله بنو الإنسان حديث المولد ، صغير السن ، لا يكاد يعى إلا القليل من التاريخ الحقيقى للبشر على ظهر الأرض ! وهذا التاريخ الذى صنعه البشر حافل – على قصره – بالأكاذيب والأغاليظ ، وبالعجز والقصور عن الإحاطة بجميع العوامل المنشئة ، والمحركة للتاريخ البشرى ، والتى يكمن بعضها فى أغوار النفس ، ويتوارى بعضها وراء ستر الغيب ، ولا يبدو منها إلا بعضها، وهذا البعض يخطئ البشر فى جمعه ، ويخطئون فى تفسيره ، ويخطئون أيضاً فى تمييز صحيحه من زائفه – إلا قليلاً – ودعوى أى بشر أنه أحاط بالتاريخ البشرى علماً ، وأنه يملك تفسيره تفسيراً "علمياً" وأنه يجزم بحتمياته المقبلة أيضاً .. هى أكبر أكذوبة يمكن أن يدعيها بشر ! ومن عجب أنه بعضهم يدعيها ! والأشد إثارة للعجب أن بعضهم يصدقها ! ولو قال ذلك المدعى : إنه يتحدث عن (توقعات) لا عن (حتميات) لكان ذلك مستساغاً ... ولكن إذا وجد المفترى من المغفلين من يصدقه فلماذا لا يفترى ؟! .
والله يقول الحق ، ويعلم ماذا كان ولماذا كان . ويقص على عبيده – رحمة منه وفضلاً – جانباً من أسرار سننه وقدره ؛ ليأخذوا حذرهم ويتعظوا ؛ وليدركوا كذلك ما وراء الواقع التاريخى من عوامل كامنة وأسباب ظاهرة ؛ يفسرون بها هذا الواقع التاريخى تفسيراً كاملاً صحيحاً، ومن وراء هذه المعرفة يمكن أن يتوقعوا ما سيكون ، واستناداً إلى سنة الله التى لا تتبذل .. هذه السنة التى يكشف الله لهم عنها .." .
"ولقد كان لهذه الأمم من الحضارة ؛ وكان لها من التمكين فى الأرض ؛ وكان لها من الرخاء والمتاع ؛ ما لا يقل – إن لم يزد فى بعض نواحيه – عما تتمتع به اليوم أمم مستغرقة فى السلطان والرخاء والمتاع ؛ مخدوعة بما هى فيه ؛ خادعة لغيرها ممن لا يعرفون سنة الله فى الشدة والرخاء ..
هذه الأمم لا تدرك أن هناك سنة ، ولا تشعر أن الله يستدرجها وفق هذه السنة . والذين يدورون فى فلكها يبهرهم اللآلاء الخاطف ، ويتعاظمهم الرخاء والسلطان ، ويخدعهم إملاء الله لهذه الأمة ، وهى لا تعبد الله أو لا تعرفه ، وهى تتمرد على سلطانه ، وهى تدعى لأنفسها خصائص ألوهيته ، وهى تعيث فى الأرض فساداً ، وهى تظلم الناس بعد اعتدائها على سلطان الله .
ولقد كنت – فى أثناء وجودى فى الولايات المتحدة الأمريكية – أرى رأى العين مصداق قول الله سبحانه : فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ .. فإن المشهد الذى ترسمه هذه الآية .. مشهد تدفق كل شئ من الخيرات والأرزاق بلا حساب ! .. لا يكاد يتمثل فى الأرض كلها كما يتمثل هناك ! وكنت أرى غرور القوم بهذا الرخاء الذى هم فيه ، وشعورهم بأنه وقف على الرجل الأبيض" وطريقة تعاملهم مع الملونين فى عجرفة مرذولة ، وفى وحشية – كذلك بشعة ! وفى صلف على أهل الأرض كلهم وبخاصة إذا كان هؤلاء الملونون من المسلمين .
كنت أرى هذا كله فأذكر هذه الآية ، وأتوقع سنة الله ، وأكاد أرى خطواتها وهى تدب إلى الغافلين .{ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون * فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين }[الآيتان 44 ، 45] .
وإذا كان الله قد رفع عذاب الاستئصال بعد بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فهناك ألوان من العذاب باقية.
والبشرية – وبخاصة الأمم التى فتحت عليها أبواب كل شئ – تذوق منها الكثير ، على الرغم من هذا النتاج الوفير، ومن هذا الرزق الغزير !
إن العذاب النفسى ، والشقاء الروحى ، والشذوذ الجنسى ، والانحلال الخلقى .. الذى تقاسى منه هذه الأمم اليوم ، ليكاد يغطى على الإنتاج والرخاء والمتاع ! وليكاد يصبغ الحياة كلها بالنكد والقلق والشقاء ! ذلك إلى جانب الطلائع التى تشير إليها القضايا الأخلاقية السياسية ، التى تباع فيها أسرار الدولة ، وتقع فيها الخيانة للأمة ، فى مقابل شهوة أو شذوذ .. وهى طلائع لا تخطئ على نهاية المطاف ! .
وليس هذا كله إلا بداية الطريق .. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال : إذا رأيت الله يعطى العبد من الدنيا – على معاصيه – ما يحب: فإنما هو استدراج .. ثم تلا : فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون... (رواه ابن جرير وابن أبى حاتم) .
غير أنه ينبغى - مع ذلك - التنبيه إلى سنة الله فى تدمير الباطل: أن يقوم في الأرض حق يتمثل فى أمة .. ثم يقذف الله بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق .. فلا يقعدن أهل الحق كسالى يرتقبون أن تجرى سنة الله بلا عمل منهم ولا كد ، فإنهم حينئذ لا يمثلون الحق ، ولا يكونون أهله .. وهم كسالى قاعدون ... .
5- بمناسبة قوله تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول : (16)
ولا أعلم الغيب من قوله قل لا أقول لكم عندى خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إنى ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلى قل هل يستوى الأعمى والبصير أفلا تتفكرون [الآية 50] .
يقول صاحب الظلال : "ولقد شاعت فى الجاهليات المتنوعة صور من "النبوءات" الزائفة ، يدّعيها "متنبئون" ويصدقها مخدوعون 00 ومن بينها نبوءات السحر والكهانة والتنجيم والجنون ! حيث يدعى المتنبئون قدرتهم على العلم بالغيب ، والاتصال بالجن والأرواح ، وتسخير نواميس الطبيعة بالرقى ، والتعاويذ ، أو بالدعوات والصلوات ، أو بغيرها من الوسائل والأساليب . وتتفق كلها فى الوهم والضلالة ، وتختلف بعد ذلك فى النوع والشكل والمراسم والأساليب".
"فنبوءة السحر يغلب عليها أنها موكلة بالأرواح الخبيئة تسخرها للإطلاع على المجهول أو السيطرة على الحوادث والأشياء . ونبوءة الكهانة يغلب عليها أنها موكلة "بالأرباب !" . لا تطيع الكاهن ، ولكنها تلبى دعوته وصلواته وتفتح لها مغالق المجهول فى يقظته أو منامه وترشده بالعلامات والأحلام ، ولا تلبى سائر الدعوات والصلوات ! ولكنهما – نبوءة السحر ونبوءة الكهانة- تخالفان نبوة الجذب والجنون المقدس .
لأن الساحر والكاهن يدريان بما يطلبان ، ويريدان قصداً ما يطلبانه بالعزائم والصلوات ، ولكن المصاب بالجذب أو الجنون المقدس مغلوب على أمره ، ينطلق لسانه بالعبارات المبهمة وهو لا يعنيها ، ولعله لا يعنيها، ويكثر بين الأمم التى تشيع فيها نبوة الجذب أن يكون مع المجذوب مفسر يدعى العلم بمغزى كلامه ، ولحن رموزه وإشاراته.
وقد كانوا فى اليونان يسمون المجذوب "مانتى" manti ويسمون المفسر "بروفيت" prophet أى المتكلم بالنيابة عن غيره .
ومن هذه الكلمة نقل الأوربيون كلمة النبوة بجميع معانيها . وقلما يتفق الكهنة والمجذوبون ؛ إذ أن يكون الكاهن متولياً للتفسير والتعبير عن مقاصد المجذوب ، ومضامين رموزه وإشاراته ، ويحدث فى أكثر الأحيان أن يختلفا ويتنازعا لأنهما مختلفان بوظيفتهما الاجتماعية ، مختلفان بطبيعة النشأة والبيئة .
فالمجذوب ثائر لا يتقيد بالمراسم والأوضاع المصطلح عليها .
والكاهن محافظ يتلقى علمه الموروث – فى أكثر الأحيان – من آبائه وأجداده .
وتتوقف الكهانة على البيئة التى تنشأ فيها الهياكل والصوامع المقصودة فى الأرجاء القريبة والبعيدة ؛ ولا يتوقف الجذب على هذه البيئة ، لأنه قد يعترى صاحبه فى البرية ، كما يعتريه فى الحاضر المقصود من أطراف البلاد" .
وهكذا حلفت الجاهليات – ومنها الجاهليات التى انحرفت عن التصور الصحيح الذى جاءت به الرسالات السماوية – بمثل هذه التصورات الباطلة عن طبيعة النبوة وطبيعة النبى .
وكان الناس ينتظرون ممن يدعى النبوة مثل هذه الأمور ، ويطالبونه بالتنبؤ بالغيب تارة ، وبالتأثير فى النواميس الكونية عن طريق الكهانة أو طريق السحر تارة ..
ومن هذا المعين كانت اقتراحات المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولتصحيح هذه الأوهام كلها جاءت التقريرات المكررة فى القرآن الكريم عن طبيعة الرسالة وطبيعة الرسول ومنها هذا التقرير :
قل لا أقول لكم عندى خزائن الله ، ولا أعلم الغيب ، ولا أقول لكم : إنى ملك ، إن أتبع إلا ما يوحى إلى ، قل : هل يستوى الأعمى والبصير ؟ أفلا تتفكرون ؟ .. [الأنعام 50] .
أقول : لقد أكرم الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن أطلعه على بعض الغيوب ، وقد يكرم الله – عز وجل – مسلماً بأن يلهمه حقاً ، أو يجرى على لسانه كلمة حق ، وقد يكرم الله المسلمين باستجابة دعاء فيسخر لهم ما يسخر ولكن ذلك ليس هو الأساس الذى يبنى عليه المسلم مواقفه .
إن كثيرين من مسلمى عصرنا بسبب من رؤية كرامة لولى ، أو بسبب من إلهام حق لصالح: يتابعون صاحب ذلك فى كل شئ، وينسون تكليف الله لهم فى القيام بأمره ونصرة شريعته ، ووجوب التعاون مع المسلمين على الخير ، ووجوب كون المسلمين صفاً واحداً .
إن هذه الآية تصحح مفاهيم خاطئة كثيرة فى أمر النبوة وفى أمر الدخول فى الإسلام ، وفى أمر المتابعة عليه .
فليس رسول الله ملكاً؛ ومن ثم يّتابع ، وليس رسول الله عالماً بالغيب ، ومن ثم يُتابع. وليس بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم خزائن الله؛ ومن ثم يُتابع.
إنه يُتابع: لأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد يعطيه الله ويعطى من تابعه ، وقد يكرمه الله بشئ من علم الغيب ، ثم هو أكرم على الله من ملائكته، ولكن صفته هى أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولا زالت القضايا التى صححتها الآية محل غلط عند كثير من المسلمين : فالرّفاه عند بعضهم: هو الهدف من حمل الإسلام والمطالبة بإقامته ، إن الرفاه سيتحقق بإذن الله ، ولكن الدخول فى الإسلام والمطالبة بإقامته مطلوب من الإنسان فى كل حال وجد رفاه أو لم يوجد .
والصف الإسلامى يقدّم قيادته الراشدة .
وهذه القيادة واجبة الطاعة على تفصيلات .
وقد يكرم الله – عز وجل – هذه القيادة بإلهام .
ولكن : وجود القيادة ووجوب طاعتها .. ليس متعلقاً بذلك .
6) نلاحظ هنا: أنه قد ذكر إبراهيم فى سورة الأنعام ، ومن قبل ذكر فى سورة البقرة وغيرها.
ويذكر فى سورة كثير من القرآن . وكذلك غيره من الرسل ، كما تذكر قصص أقوام فى أكثر من مكان .
والشئ الذي ينبغى أن نلاحظه: أنه فى كل مكان تذكر قصة ، أو تكرر ، فإنها تذكر لتخدم غرضاً يتفق مع السياق الخاص ، ويتفق مع السياق القرآنى العام ، ومن ثم فإنها تؤدى حيث ذُكرت غرضاً خاصاً فى محلها ، "فقصة إبراهيم عليه السلام فى سورة البقرة: تؤدى غرضاً ينسجم مع السياق الخاص والعام فى سورة البقرة ، حيث تخدم موضوع القيام حق القيام بأمر الله ، وقصة إبراهيم عليه السلام هنا: تخدم موضوع الإيمان بالله ، والطريق إليه ، وما يقتضيه هذا الإيمان من أمن ، وما يكافئ الله – عز وجل – به أهل التوحيد .
وهكذا .
ومن تأمّل كيف أنّ القصّة الواحدة تؤدى كل مرة غرضاً خاصاً فى سياقها الجزئى والكلى - إن من تأمل هذا الموضوع - ظهر له شئ من إعجاز هذا القرآن وكيف أنه لا تنقضى عجائبه .. !!
7) قال ابن كثير بمناسبة قوله تعالى { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً }
[الأنعام 102].
وروى ابن جرير وابن أبى حاتم عن السّدّى أنه قال فى تفسير هذه الآية : لما حضر أبا طالب الموت.
قالت قريش : انطلقوا فلندخل على هذا الرجل ، فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه ، فإنا نستحيى أن نقتله بعد موته، فتقول العرب : كان يمنعهم ، فلما مات قتلوه.
فانطلق أبو سفيان وأبو جهل ، والنضر بن الحارث ، وأميّة ، وأبيّ ابنا خلف ، وعقبة بن أبى معيط ، وعمرو بن العاص، والأسود بن البخترى ، وبعثوا رجلاً منهم يقال له "المطلب" قالوا : استأذن لنا على أبى طالب ، فأتى أبا طالب فقال : هؤلاء مشيخة قومك يريدون الدخول عليك ، فأذن لهم عليه .
فدخلوا عليه فقالوا : يا أبا طالب ، أنت كبيرنا وسيدنا ، وإن محمداً قد آذانا وآذى آلهتنا ، فنحب أن تدعوه ، فتنهاه عن ذكر آلهتنا ، ولندعه وإلهه ...
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ..... ، هل أنتم معطىّ كلمة ، إن تكلمتم بها ملكتم بها العرب ، ودانت لكم بها العجم ، وأدّت لكم الخراج ؟
قال أبو جهل : وأبيك لنعطيكها وعشرة أمثالها.
قالوا : فما هى ؟
قال : قولوا لا إله إلا الله.
فأبوا واشمأزوا .
قال أبو طالب : يا ابن أخى قل غيرها ، فإن قومك فزعوا منها .
قال : يا عم : ما أنا بالذى يقول غيرها حتى يأتوا الشمس فيضعوا ما فى يدى ، ولو أتوا بالشمس فوضعوها فى يدى ما قلت غيرها إرادة أن يؤيسهم .
فغضبوا وقالوا : لتكفن عن شتم آلهتنا أو لنشتمنّك ونشتمنّ من يأمرك .
فذلك قوله: فيسبوا الله عدواً بغير علم .
ومن هذا القبيل : وهو ترك المصلحة لمفسدة أرحج منها .
ما جاء فى الصحيح : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ملعون من سب والديه . قالوا : يا رسول الله، وكيف يسبّ الرجل والديه ؟ قال : يسبّ أبا الرجل فيسبّ أباه ، ويسبّ أمّه فيسبّ أمّه . أو كما قال صلى الله عليه وسلم .
ومن ثم فإن الداعية إلى الله: عليه أن يكون دقيقاً جداً فى طرق الخطاب، وفى مواقفه، وفى مناقشاته .
ففى كثير من الأحيان لا يؤدى التجريح المباشر والمواجهة به إلى خير فى نقل الإنسان من حالة إلى حالة أطيب وأكرم .
ووضع الأمور فى مواضعها: هو الحكمة .
والحكمة معنى زائد على العلم ، ومعرفة الحكم الشرعى .
8) فى قوله تعالى{ وكذلك جعلنا لكل نبى عدواً شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون }
[الآية 112] .
- وصف الله – عز وجل – ما يوحى به شياطين الجن والإنس بـ زخرف القول غروراً .
ولو أنك تأملت ما تقذف به المطابع فى العالم وما يقوله الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر من فلسفات وآراء: لوجدته كلاماً مزخرفاً فارغاً ، ظاهره غرور وباطنه فراغ ..!!
فليحذر المسلم أن يصغى بقلبه لكلام الذين لا يؤمنون بالآخرة .(16)
9- فى قوله تعالى{ وإن تطع أكثر من فى الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون }[الأنعام 116] .
ما يفيد : أن الأكثرية ليست دائماً على الحق .
وهذا يتكرر فى القرآن الكريم كثيراً .
إن هذه الآيات: توضح كيف أن الإيمان بالله .. له مستلزماته وله مقتضياته .
وأن الإيمان بالله.. يقتضى إيماناً بشريعته وتسليماً له ، ورفضاً لشرائع غيره.
لاحظ قوله تعالى :{ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون }[الآية 121] .
هذا النص نزل فى مناقشة الكافرين للمسلمين فى شأن شريعة الذبائح .
فإذا كان هذا هو الشأن: فأى غفلة غفلها المسلمون حتى استطاع أعداؤهم أن يخدعوهم عن شريعة الله تحت شعارات العلمانية ، وفصل الدين عن الدولة ، وإبعاد الدين عن السياسة ؟
أى خديعة هذه الخديعة ؟
حتى أصبحت الدساتير والقوانين والأعراف والقيم والتصورات وغير ذلك: لا تنضبط بإسلام ، ولا تحكم به ، ولا تبالى .
ألا: ما أكثر الدوائر التى تسهر على هذا وتعمل له ..!!
وما أكثر الذين يساعدون هذه الأوضاع على الاستمرار ..!!
وما أكثر الذين يبررون لأنفسهم القعود عن العمل لتغيير هذه الأوضاع ..!!
بل ما أكثر الذين يبررون لأنفسهم مسايرة هذه الأوضاع والتعاون معها..!!
وفى كثير من الأحيان: تتظاهر الدولة الماكرة – وهى تجهد لتعطيل الإسلام وإحلال غيره محله – أنها تحترم الدين ولا تحاربه ..!!
وهو أسلوب: أثبت قدرته على إنهاء الدين وتجميده بحيث لم يتفوق عليه فى ذلك إلا الأسلوب الشيوعى حديثاً ، وأسلوب محاكم التفتيش قديماً .
يقول صاحب الضلال :
"وإن كان ينبغى أن ندرك دائماً: أسلوب الجاهلية التى تقيم نظاماً أرضياً ، الحاكمية فيه للبشر لا لله، ثم تزعم أنها تحترم الدين وتستمد منه أوضاعها الجاهلية ..
أن ندرك أن هذا الأسلوب من أخبث الأساليب وأمهرها على الإطلاق !
ولقد عمدت الصليبية العالمية والصهيونية العالمية إلى هذا الأسلوب فى المنطقة التى كانت يوماً تحكم بشريعة الله، بعدما تبين لها فشل التجربة التركية التى قام بها البطل الذى صنعوه هناك ! ..
لقد أدت لهم هذه التجربة دوراً هاماً فى تحطيم الخلافة كآخر مظهر للتجمع الإسلامى فى الأرض .
ولكنها بعلمانيتها السافرة .. قد عجزت عن أن تكون نموذجاً يؤثر فى بقية المنطقة.
لقد انخلعت من الدين .. فأصبحت أجنبية عن الجميع ، الذين ما يزال الدين عاطفة غامضة فى قرارات نفوسهم ..
ومن ثم غيّرت الصليبية والصهيونية فى التجارب الكمالية التركية اللاحقة .
فوضعت على هذه التجارب ستاراً من الدين وتقيم له أجهزة دينية تضفى عليه الصفة ، سواء بالدعاية المباشرة ، أو باستنكار جزئيات هزيلة يوهم استنكارها أن ما عداها سليم .
وكان هذا من أخبث الكيد الذى تكبده الإنس والجن لهذا الدين .
على أن الأجهزة الصليبية والصهيونية التى تعمل بكل ثقلها فى هذه الفترة، وبكل تضامنها وتجمعها ، بل تجاربها وخبرتها: تحاول أن تستر الغلطة فى التجربة التركية ذاتها ، بأن تزعم أن هذه التجربة ذاتها كانت حركة من حركات البعث الإسلامى، وأننا يجب ألا نصدقها فيما أعلنته عن نفسها من أنها (علمانية) تنبذ الدين وتعزله عن الحياة عزلاً ! .
ويجهد المستشرقون - وهم الأداة الفكرية للاستعمار الصليبى الصهيونى - فى تطهير التجربة الكمالية من تهمة الإلحاد جهداً كبيراً ..
ذلك أن انكشاف إلحادها جعلها تؤدى دوراً محدوداً .. وهو سحق آخر مظهر للتجمع الإسلامى فى الأرض .. ولكنها عجزت بعد ذلك أن تؤدى الدور الآخر – الذى تحاول أن تؤديه التجارب التالية فى المنطقة – من تفريغ المفهومات الدينية والحماسة الدينية فى أوضاع وأشكال جاهلية ! ومن تبديل الدين باسم الدين ! ومن إفساد الخلق والمقومات الفطرية الأصلية باسم الدين أيضاً ! ومن إلباس الجاهلية ثوب الإسلام لتؤدى به دورها فى كل البقاع التى ما يزال فيها عاطفة دينية غامضة ، وقيادتها بهذا الخطام المزور الخادع إلى محاضن الصليبية والصهيونية .. الأمر الذى عجزت عنه الحملات الصليبية والصهيونية طوال ألف وثلاث مائة عام ، من الكيد للإسلام ! " .
10- بمناسبة قوله تعالى : { وجعلنا له نوراً يمشى به فى الناس }[الأنعام 122] .
يروى ابن كثير هذا الحديث يقول : وفى مسند الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن الله خلق خلقه فى ظلمه ثم رش عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النور اهتدى ، ومن أخطأه ضلّ .
وبمناسبة هذه الآية يقول صاحب الظلال :
"إن هذه العقيدة تنشى فى القلب حياة بعد الموت ، وتطلق فيه نوراً بعد الظلمات .
حياة يعود بها تذوق كل شئ .
وتصور كل شئ تحت أشعته وفى مجاله جديداً كما لم يبد من قبل قط لذلك القلب الذى نوّره الإيمان ".
هذه التجربة: لا تنقلها الألفاظ ، يعرفها فقط من ذاقها ..
والعبارة القرآنية: هى أقوى عبارة تحمل حقيقة هذه التجربة ؛ لأنها تصوّرها بألوان من جسمها ومن طبيعتها .
إن هذا الكفر: انقطاع عن الحياة الحقيقية الأزلية الأبدية ، التى لا تفنى ولا تغيض ولا تغيب . فهو موت . وانعزال عن القوة الفاعلة المؤثرة فى الوجود كله .. فهو موت .. وانطماس فى أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية .. فهو موت ..
والإيمان اتصال ، واستمداد ، واستجابة .. فهو حياة ..
إن الكفر: حجاب للروح عن الاستشراف والاطلاع .. فهو ظلمة ..
وختم على الجوارح والمشاعر .. فهو ظلمة ..
وتيه فى التيه وضلال .. فهو ظلمه ..
وإن الإيمان: تفتح ورؤية ، وإدراك واستقامة .. فهو نور بكل مقومات النور .
إن الكفر انكماش وتحجُّر .. فهو ضيق .. وشرود عن الطريق الفطرى الميسر .. فهو عسر .. وحرمان من الاطمئنان إلى الكنف الآمن .. فهو قلق ..
وإن الإيمان انشراح ويسر وطمأنينة وظل ممدود ..
وما الكافر ؟
إن هو إلا نبته ضالة لا وشائج لها فى تربة هذا الوجود ولا جذور .. إن هو إلا فرد منقطع الصلة بخالق الوجود ، فهو منقطع الصلة بالوجود .
لا تربطه به إلا روابط هزيلة من وجوده الفردى المحدود ، فى أضيق الحدود ، فى الحدود التى تعيش فيها البهيمة ، حدود الحس وما يدركه الحس من مظاهر هذا الوجود ! .
إن الصلة بالله والصلة فى الله: لتصل الفرد الفانى بالأزل القديم والأبد الخالد ، ثم تصله بالكون الحادث والحياة الظاهرة .. ثم تصله بمواكب الإيمان ، والأمة الواحدة الضاربة فى جذر الزمان ، الموصولة على مدار الزمان .. فهو فى ثراء من الوشائج وفى ثراء من الروابط .
وفى ثراء من "الوجود" الزاخر الممتد اللاحق الذى لا يقف عند عمره الفردى المحدود.
ويجد الإنسان فى قلبه هذا النور .. فتنكشف له حقائق هذا الدين ، ومنهجه فى العمل والحركة ، تكشفاً عجيباً ..
إنه مشهد رائع باهر .. هذا الذى يجده الإنسان فى قلبه حين يجد هذا النور ..
مشهد التناسق الشامل العجيب فى طبيعة هذا الدين وحقائقه .
ومشهد التكامل الجميل الدقيق فى منهجه للعمل وطريقته .
إن هذا الدين لا يعود مجموعة معتقدات وعبادات وشرائع وتوجيهات .. إنما يبدو "تصميماً" واحداً متداخلاً متراكباً متناسقاً .. متعاشقاً يبدو حياً يتجاوب مع الفطرة وتتجاوب معه ، فى ألفة عميقة ، وفى صداقة وثيقة ، وفى حب ودود ! .
ويجد الإنسان فى قلبه هذا النور .. فتنكشف له حقائق الوجود ، وحقائق الحياة ، وحقائق الناس ، وحقائق الأحداث التى تجرى فى هذا الكون وتجرى فى عالم الناس .. تنكشف له فى مشهد كذلك رائع باهر ..
مشهد السُنّة الدقيقة التى تتوالى مقدماتها ونتائجها فى نظام محكم ولكنه فطرى ميسر..
ومشهد المشيئة القادرة من وراء السُنّة الجارية تدفع بالسنة لتعمل وهى من ورائها محيطة طليقة ..
ومشهد الناس والأحداث وهم فى نطاق النواميس وهى فى هذا النطاق أيضاً .
ويجد الإنسان فى قلبه هذا النور .. فيجد الوضوح فى كل شأن ، وفى كل أمر ، وفى كل حدث ، يجد الوضوح فى نفسه ، وفى نواياه وخواطره وخطته وحركته ، ويجد الوضوح فيما يجرى حوله سواء من سّنة الله النافذة ، أو من أعمال الناس ونواياهم وخططهم المستترة والظاهرة .
ويجد تفسير الأحداث والتاريخ فى نفسه وعقله وفى الواقع من حوله كأنه يقرأ من كتاب .
ويجد الإنسان فى قلبه هذا النور .. فيجد الوضاءة فى خواطره ومشاعره وملامحه ، ويجد الراحة فى باله وحاله ومآله .
ويجد الرفق واليسر فى إيراد الأمور وإصدارها ، وفى استقبال الأحداث واستدبارها ، ويجد الطمأنينة والثقة واليقين فى كل حالة وفى كل حين .
11) وبمناسبة قوله تعالى : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام .
يذكر ابن كثير روايات متعدّدة لحديث
ثم يقول .. فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة يشدد بعضهاً بعضاً .
ونحن نجترئ منها برواية هى : (16)
روى عبد الرزاق عن أبى جعفر قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أى المؤمنين أكيس ؟ قال : أكثرهم ذكراً للموت ، وأكثرهم لما بعده استعداداً
قال : وسئل النبى صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام.
قالوا : كيف يشرح صدره يا رسول الله ؟
قال : نور يّقذَف فيه ، فينشرح له وينفسح .
قالوا : فهل لذلك من أمارة يُعرف بها ؟
قال : الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافى عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت .
فهذه علامة إسلام المرء وعلامة إرادة الله به خيراً .
ومن تأمّل: رأى ضعف هذا المعانى فى عصرنا.. فلا حول ولا قوة إلا بالله .
12) وبمناسبة قوله تعالى : {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يَصّعد فى السماء} [الآية 125].
نقول : اختلفت عبارات المفسرين القدماء فى شرح هذه الآية ، لعدم وضوح ما اتضّح فى عصرنا من أمرها .
وأحقُّ الحقِّ فيها ما قاله ابن كثير : "وقال ابن المبارك عن ابن جريج : ضيقاً حرجاً بلا إله إلا الله ، حتى لا يستطيع أن تدخله ، كأنما يَصّعد فى السماء من شدة ذلك عليه ..
وقال السّدى : كأنما يَصّعد فى السماء من ضيق صدره .
أقول : وفى هذا النص معجزة من أبلغ المعجزات القرآنية .
وذلك أنه تبيّن فى عصرنا: أنّ الضغط الجوى.. يخف كلما ارتفع الإنسان فى الجو حتى يتلاشى ، وأن الإنسان كلما صعد فى السماء .. ضاق صدره حتى يصل لدرجة الاختناق .
فتشبيه الحالة المعنوية بهذه الحالة الحسية التى لم تكن معروفة يوم نزول القرآن ، ولم تعرف إلا بعد ثلاثة عشر قرناً ونصف ، إن هذا لمعجزة عظيمة تشهد على أن هذا القرآن أنزله الذى يعلم السرّ فى السموات والأرض .
وإن مجئ هذه المعجزة فى سياق المعجزة التى بدأت بذكر طلب الكافرين آية ، وفى سياق الفقرة التى وصفت القرآن بالتفصيل والعدل والصدق: لقضية ذات دلالة .
13- مبدأ شخصية العقوبة .
... ولا تكسب كل نفس إليها عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبؤكم بما كنتم تختلفون [الآية 164] .
14- مسئولية الخلافة .
وهو الذى جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم [الآية 165] .
ثانى عشر : مصادر المفاتيح و هوامش البحث
1- أنظر : القرطبى .. الجامع لأحكام القرآن (سورة الأنعام) .
السخاوى .. جمال القراء 1/36 .
الفيروز ابادى .. بصائر ذوى التمييز 1/187 .
2- فى الآيات 136 ، 138 ، 139 ، 142 .
3- فى الآيات 142-144 .
4- الأنعام .. تقال : للإبل والبقر والغنم ، ولا يقال لها أنعام ، حتى يكون فى جملتها الإبل (المفردات – مادة : نعم) .
5- الزركشى .. البرهان (النوع 14) السيوطى .. الاتقان (النوع 17) .
6- القاسمى .. محاسن التأويل (تفسير سورة الأنعام) .
7- الفيروز ابادى .. بصائر ذوى التمييز 1/187 ، 186 .
8- القرطبى .. الجامع لأحكام القرآن (تفسير الأنعام) .
9- أنظر : مكى بن أبى طالب .. التبصرة ص 191 .
السخاوى .. جمال القراء 1/202 .
الفيروز ابادى .. بصائر .. 1/186 ,
الآلوسى .. روح المعانى (سورة الأنعام) .
10- أى : صوت رفيع عال .
11- أنظر : الفخر الرازى .. التفسير الكبير (سورة الأنعام) .
القرطبى .. الجامع لأحكام القرآن (سورة الأنعام) .
12- نجائب القرآن .. أى : أفاضل سوره .
13- رشيد رضا .. تفسير المنار (سورة الأنعام) .
14- الآلوسى .. روح المعانى (سورة الأنعام ) .
15- سيد قطب .. فى ظلال القرآن (سورة الأنعام) .
16- سعيد خوى .. الأساس فى التفسير (سورة الأنعام) .
17- ابن كثير .. تفسير القرآن العظيم (سورة الأنعام) .
فضيلة الدكتور عبد الحي الفرماوي
رئيس قسم التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر
|
 |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق