إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

سبحان الله والحمد لله والله أكبر

الاثنين، 21 نوفمبر 2011

سورة القصص

سورة القصص

الكاتب: د./ رمضان خميس
        تمهـــــــــــــــــــــيد:
        سورة القصص التي تمثل جانبا من الجزء العشرين من القرآن الكريم, هي سورة مكية تعنى بطابع القرآن المكي, النازل على رسول الله  في مكة، تعنى برصد سنة من سنن الله تعالى, وهي سنة الصراع بين الحق والباطل, هذه السنة الماضية التي لا تتبدل ولا تتحول, ليميز الله تعالى الخبيث من الطيب, وحتى يظهر الله  سلوك الناس إظهارًا حقيقيًا أمام أعينهم, وإن كان سبحانه يعلم طواياهم ونواياهم وهم في عالم الذر, هذه السنة التي تصورها سورة القصص, وتصور غيرها من السنن الرائعة, التي ينبغي للمسلمين أن يعيشوها عيشة حقيقية, ويعاينوها معاينة صادقة حتى يتبدل حالهم ويتبدل وضعهم, حتى لا يعيشوا على هوامش الحياة,ويعيشوا في قلب الحياة كما عاشها سلفهم الصالح من قبل.
        (1) الصراع بين الحق والباطل من خلال سورة القصص:
        تبدأ السورة الكريمة بقول الله تعالى  طسم  تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ المُبِينِ  نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ  وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ (القصص:5:1).
        صدر هذه السورة الكريمة كما قلنا يتحدث عن سنة الصراع بين الحق والباطل, هذه السنة التي تتكرر في كل زمان ومكان, وطابع القصص القرآني أن الله سبحانه وتعالى يوريه, بمعني أن الله يعطي نتيجتها في كل زمان ومكان, وهذا سر من أسرار القرآن الكريم لا يحدد أشخاص قصصه ولا يحدد أماكنهم تحديدًا دقيقًا, ولا يؤرخ العصور الحالية والقرون الماضية, وإنما يذكر من القصة مفادها, ومن العظة عبرها, ولو ألقينا نظرة سريعة علىالقصص في هذه السورة الكريمة وفي غيرها من سور القرآن الكريم لوجدنا أن الله سبحانه وتعالى يختم كل قصة من قصص القرآن, بخلاصة القصة, اقرأ إن شئت قول الله في نهايات سورة يوسف  لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى (يوسف:111)، واقرأ أيضًا قوله إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ (يوسف:90)، واقرأ قوله سبحانه وتعالى في قصة قارون في نهائياتها وتمحيصها وتخليصها تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(القصص:83)، واقرأ إن شئت أيها المؤمن الكريم في قصة أصحاب الجنة خلاصتها في جملة واحدة كَذَلِكَ العَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(القلم:33).
        هكذا تمضي سنة الله  في رصد هذا الجانب, وحشد هذا المعني من معاني القرآن الكريم  نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا جعلهم أحزابًا متفرقين متنازعين, وأوصالا متناحرة متنافرة, بدلا أن يجمع قلوبهم على الله سبحانه وتعالى يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ يستبقيهم للخدمة في مملكته إِنَّهُ كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ  وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ.
        وهذه إرادة الله  الغالبة ومشيئته النافذة الماضية أنه سبحانه وتعالى يتدخل بقدرته ومشيئته وإذنه في الساعة التي يستعد فيها أهل الحق للدفاع عن حقهم, ويبذل فيها أهل الصدق للذود عن صدقهم وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ (القصص6).
        هذا تصور سريع لقصة موسي  تأتي قبل أن يقص القرآن الكريم علينا ميلاد موسي ، لكن هناك ربطا رائعا بين هذا التصور الموجز وبين الحديث عن القصة لأنها كلها حلقة من حلقات الصراع بين الحق والباطل.
        (2) الصراع بين موسى وفرعون بدأ مع ولادته :
        قال تعالى:  وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ (القصص 7).
        لك أن تتأمل معي أيها المؤمن الكريم وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ انظر إلى خطاب العقل والقلب, حتى تدرك أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن, وأنه لن يقع في ملك الله إلا ما يريد, إن خطاب العقل يقول أن الإنسان إذا خاف على طفله أو ذويه أنه يحتضنه ويقربه, أما أمر الله سبحانه وتعالى لأم موسي  فإنه قال لها فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ (القصص7), حتى يعلم الله الدنيا بأسرها أن إرادة الله ماضية, وأن مشيئته نافذة, وأنه لا يقع في ملكه إلا ما قدره الله  وقضاه, فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (القصص8) انظر يا لسخرية القدر من هذه الطواغيت التي تحيا في كل عصر ومصر, والتي تمضي عليها سنة الله  في الخافقين, ولا تتوقف عند حد من الحدود, أو عدد من الأعداد, إنما تمضي على الناس جميعا في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم, والسعيد من وعظ بغيره والشقي من وعظ بنفسه.
        إن موسي  ولد في سنة الذبح, كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل سنة ويعفيهم سنة, فكان في مقدور الله أن يولد موسي  في سنة الإعفاء, لكن إرادة الله تريد أن تعلم الطغاة والجبابرة, وأن تعلم معهم أصحاب الدعوات وأصحاب الإيمان بالله  أن إرادة الله فوق إرادة البشر وأن مشيئة الخالق فوق مشيئة المخلوق, وأنه لا يقع في ملكه إلا ما قدره الله  وقضاه, كان من الممكن أن يولد موسي  في سنة الإعفاء, لكن ذلك لم يحدث, وكان من الممكن أن يعمى أبصار جند فرعون, فلا يرون القابلة وهي تدخل على أم موسي  ولكن ذلك لم يحدث.
        كان في مقدور الله  أن يتربى موسي  في أي مكان لكن مشيئة الله  تأبي إلا أن يتربى في حجر فرعون نفسه, وفي بيت هذا الطاغية ذاته, حتى يؤكد الله  قي قلوب المؤمنين اليقين,والإيمان الذي لا يتزعزع والثبات الذي لا يختل, حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله  فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ  وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا  (القصص 8-9).
        (3) موسى  يتربى في حضن أمه في بيت عدوه:
        وهذه أعظم من السابقة، الشق الأخر لفرعون يميل إلى موسي  ميل الأم الحنون إلى ولدها, بعد أن كان فرعون عدوه, أصبح موسي  في بيته مع زوجه في منزلة ولده, وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ  وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ (القصص 7) وهذه قيمة كبرى، هذا البلسم الشافي والعلاج الناجح الناجع الذي تمتد به يد القدرة من الله سبحانه وتعالى, تلمس هذه المرأة الصالحة فتسكن هذا القلب المضطرب, وتؤمن هذا الفؤاد الخائف, حتى تتم رسالة الله  وقدره المقدور إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ  وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ  وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (القصص11-12).
        ومن روائع القرآن الكريم, أن موسي  يعود إلى أمه لا عود الخائف المضطرب, وإنما عود الآمن المطمئن, وهي أمه  تستقبله لا استقبال الهلع إنما تستقبله استقبال المؤمن المطمئن الراسي قلبه, الواثق فؤاده في مقدور الله سبحانه وتعالى, فإن الذي أخرج موسي  من التنور الذي ألقته القابلة فيه, وأخرجته بعد أن غادر جنود فرعون المكان سليمًا لم يمسسه سوء, قادر سبحانه وتعالى على أن يتم عليه نعمته, وأن يديم عليه عافيته وأمنه واطمئنانه, وأن يبعد عنه الفزع والقلق والاضطراب فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ.
        ولاحظ أيها المؤمن الكريم تعبير القرآن الكريم بالقرار, والعين لا تقر إلا إذا رأت محبوبها, أو استقرت عينه عليه لأنه رأي ما يحب, فاستقرت عين أم موسي  بعد أن قال الله  قبلا لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا, بعد هذا التسكين الداخلي يبدأ التسكين الخارجي, حتى تكتمل السعادة شكلاً ومضمونًا, حتى تكتمل الهناءة جوهرًا ومخبرًا ومظهرًا, ذلك قدر الله  الذي لا يفهمه كثير من البغاة الطغاة في كل زمان ومكان, والذي لا يفهمه أيضًا كثير من أصحاب الدعوات, في زحمة الحياة ودوامة الأيام الطاحنة, ينسون أن لله  سننا ثابتة, وقوانين مستقرة مستمرة, لا تتبدل ولا تتحول  سُنَّةَ اللَّهِ الَتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً(الفتح:23) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (القصص 13).
        لا يتوقف الأمر عند اطمئنان القلب وراحة الفؤاد, ولا قرار العين بل يصل إلى اجتثاث جذور الحزن من قلبها كأن حزنًا لم يكن من قبل وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ.
        وهذه سنة أخري من سنن الله سبحانه وتعالى في القلة والكثرة, أكثر الناس لا يعلمون وأكثرهم لا يتذكرون وأكثرهم لا يعقلون, وأكثرهم لا يتوقفون عند قدر الله سبحانه وتعالى, وصدق الله العظيم إذ يقول وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (سبأ:13).
        إذا وعي المؤمنون مضامين الكتاب الكريم فإنهم سينتقلون من عالم الغيب الذي يتيهون فيه إلى عالم الشهادة, وإذا استوعبوا مفاهيم القرآن الكريم بصورة متفاعلة مؤثرة, فإنهم سيخرجون من هذا القمقم الذي يعيشون فيه قرونًا متطاولة وطال عليهم الزمن, وتراخت بهم الأيام أن يخرجوا إلى عالم الحضور والوجود, وأن يظهروا للدنيا من جديد, وأن يهتفوا للعالم من جديد ها نحن عدنا, أن نخرج العباد كما قال ربعي من قبل "ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد, ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة, ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
        هنا تهتف الدنيا بأسرها قد عاد المسلمون وساعتها يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ  بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ(الروم:5,4).

ليست هناك تعليقات:

« كَفَّارَةُ المَجْلِسِ »

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ » .