أولاً:اسم السورة
وهذه السورة تسمى بما يلي :-
1- سورة الشعراء (1) .
وذلك : لأن الله تعالى قد ختمها بأحوال الشعراء , ردا على المشركين , في زعمهم : أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان شاعرا ؛ وأن ما جاء به إنما هو من قبيل الشعر , بقوله تعالى {والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون} 00 [الآيات 224-226] .
حيث فارق بين الشعر والقرآن , وأثبت للأخير : علو مقامه , واستقامة
مناهجه , وعز مرامه , وصدق وعده ووعيده , وعدل تبشيره وتهديده (2).
وللإشارة : إلى اختصاص السورة بتمييز الرسل عن الشعراء ؛ لأن
الشاعر 00 إن كان كاذبا : فهو رئيس الغواة , لا يتصور منه الهداية 00 وإن كان صادقا : لا يتصور منه الافتراء على الله (3).
وللإشارة كذلك : إلى أن ذكر الشعراء فيها 00 لبيان أنهم في معزل عن
الرسالة , وتبرئة مقام الرسول صلى الله عليه وسلم عما افتروا عليه من أنه شاعر (3).
2- الجامعة .
فقط وقع في تفسير الإمام مالك , تسميتها بـ (الجامعة)
(4) ويبدو أنها سميت بذلك : لأنها جمعت من الموضوعات الشيء الكثير , أو جمعت من قصص الأنبياء – عليهم السلام – الكثير , والله أعلم .
3- طسم الشعراء (5) .
وذلك : لبيان المغايرة بينها وبين "طسم القصص" .
1ويذكر الإمام البقاعي – لهذه السورة – اسما ثالثا , وهو :
3- الظلة (2).
وذلك : من قوله تعالى {فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم
عظيم} [الآية 189].
ويلاحظ : أن {عذاب يوم الظلة} , الذي أخذ {أصحاب الأيكة} وأهلكهم لما كذبوا نبي الله شعيب عليه السلام 00 لم يذكر في غير هذه السورة – بهذا اللفظ وهذه الصيغة – من سور القرآن الكريم .
ويبدو كذلك : أن هذا الاسم 00 للإشارة إلى أن الله تعالى أحرق من الظلة لمن يبارزه بعصيانه (2) .
ثانياً : عدد آيات السورة و كلماتها و حروفها
وعدد آياتها (6) : (227) مائتان وسبع وعشرون آية وكلماتها (1277) الف ومائتان وسبع وسبعون كلمة , حروفها (5542) خمسة آلاف وخمسمائة واثنان وأربعون حرفا.
ثالثاً : ترتيب السورة فى المصحف و فى النزول
أ- في المصحف 00 بعد سورة "الفرقان" وقبل : سورة "النمل" .
ب- في النزول 00 بعد : سورة "الواقعة", وقبل : سورة "النمل"
رابعاً : سبب نزول السورة
لم نعثر على أثر في ذلك .
خامساً : مكية السورة و مدنيتها
هذه السورة : مكية.. إلا الآيات من قوله تعالى {والشعراء يتبعهم الغاوون ..} إلى آخر السورة ..فمدنية .
سادساً : فضل السورة
ورد في فضل هذه السورة :
أ- عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
(( أعطيت السورة التي تذكر فيها البقرة : من الذكر الأول , وأعطيت "طه" و"طسم" من ألواح موسى , وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم سورة البقرة : من تحت العرش , وأعطيت المفصل : نافلة ))(7) .
ب- وعن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن الله أعطاني السبع الطوال : مكان التوراة ، وأعطاني المئين : مكان الإنجيل , وأعطاني الطواسين : مكان الزبور , وفضلني بالحواميم والمفصل ؛ ما قرأهن نبي قبلي ))(8).
سابعاً : صلة السورة بما قبلها
لهذه السورة علاقة وثيقة بما قبلها وبما بعدها .
أ- فعلاقتها بما قبلها تتضح فيما يلي :-
(1) أنهما بدئتا بمدح الكتاب العزيز .
فإذا كان تعالى يقول في فاتحة الفرقان مدحا في هذا الكتاب {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا}
فإنه تعالى يقول في صدر الشعراء {تلك آيات الكتاب المبين} .
(2) أنهما ختمتا بالوعيد والتهديد للمكذبين .
فإذا كان تعالى ختم الفرقان بقوله {قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما}.
فإنه تعالى ختم الشعراء بقوله {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} .
(3) أن الشعراء قد بسطت وفصلت بعض ما أجمل في سورة الفرقان (9).
***
ب- أما علاقتها بما بعدها فيتضح فيما يلي : -
أن هذه السورة وسورة النمل بعدها وسورة القصص بعدهما كلها مبدوءة بحرف الطاء , والذي لا يظهر في فواتح سور القرآن بعد ذلك .
وهذه السور الثلاث تتشابه بداياتها إلى حد كبير – ليس في الأحرف فقط , بل – في الافتتاح :
فسورة الشعراء بدايتها {طسم تلك آيات الكتاب المبين} .
وسورة النمل بدايتها {طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين}.ش
وسورة القصص بدايتها {طسم تلك آيات الكتاب المبين} .
مما يوحي بأن هذه السور الثلاث :
تصب في بحر واحد , وتتحدث عن محور واحد , وتدور في فلك واحد مع
احتفاظ كل سورة بخصائصها , ومواصفاتها , وأسلوبها (10).
ثامناً : هدف السورة
ؤمن بين ما تهدف إليه هذه السورة الكريمة :
(1) بناء الجماعة المسلمة على التقوى .
(2) بناء الجماعة المسلمة على الطاعة .
(3) التنفير من الظلم وتهديد الظلمة .
وتتعانق موضوعات وقصص السورة الكريمة في توضيح هذه الأهداف
وترسيخها في النفوس .
وفي الوقت نفسه فهذه الأهداف من الأمور الضرورية جدا في بناء أفراد هذه الأمة بل في بناء الأمة ذاتها .
وكانت هذه الأمور مما تركز عليه السورة بهذا الشكل الواضح :
أ- لأن التقوى هي مطلب الله تعالى من كل عبد ؛ إذ الإسلام مجموعة أحكام الله في كل شيء , ولكن ما يطالب الله به كل مسلم من هذا الإسلام – وما به تستقيم هذه الأحكام – هو التقوى (10) .
والتقوى : علاقة بين العبد وربه .
وهدف دعوات الرسل جميعا : توصيل الناس في علاقتهم مع ربهم إلى التقوى .
ولهذا نلاحظ : أن مادة "التقوى" وردت (17) مرة تقريبا في السورة بل في كل قصة من قصص السورة ما عدا قصة إبراهيم عليه السلام , و وردت كلمة {ألا يتقون} ففي قصة موسى {أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون}
وفي قصة نوح {ألا تتقون} .
وفي قصة هود {ألا تتقون}.
وفي قصة صالح {ألا تتقون}.
وفي قصة لوط {ألا تتقون} .
وفي قصة شعيب {ألا تتقون}(10).
هذا 00
ب- ولأن المسلم جزء من جماعة 00!!
ولأن مظهر التزامه بالجماعة هو الطاعة 00!!
فهناك تلازم بين التقوى والطاعة (10).
نلاحظ ذلك في :
قول نوح لقومه {فاتقوا الله وأطيعون} مرتين [الآيتان 108, 109]
وقول هود لقومه {فاتقوا الله وأطيعون} مرتين [الآيتان 126 , 131]
وقول صالح لقومه {فاتقوا الله وأطيعون} مرتين [الآيتان 144 , 150]
وقول لوط لقومه {فاتقوا الله وأطيعون} مرة [الآية 163]
وقول شعيب لقومه {فاتقوا الله وأطيعون} مرة [الآية 179]
بل نلاحظ في قول صالح عليه السلام {فاتقوا الله وأطيعون * ولا تطيعوا أمر المسرفين * الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون} [الآيات 150-152]
ما يفيد أن الطاعة :
ينبغي أن تعطى للرسول صلى الله عليه وسلم كاملة .
كما ينبغى أن لا تعطي لكل مسرف مفسد غير مصلح .
***
وموضوع الطاعة الذي ركزت عليه السورة : من أخطر مواضيع العصر .
فنادرا ما نجد مسلما يضع الطاعة في محلها .
فهو :
إما متمرد على كل شيء .
أو مطيع لمسرف .
أو يرفض الطاعة لأن أحد .
أو لا يعرف لمن يعطي الطاعة .
إن الطاعة في الإسلام : يجب أن تعطى :
لرسول الله صلى الله عليه وسلم , وأمرائه الذين أمرهم .
ثم لخلفائه الراشدين , ومن أمره الخلفاء الراشدون .
ثم لجماعة المسلمين وإمامهم , حيث وجد للمسلمين جماعة وإمام .
ولا يجوز أن تعطى منى مسلم : لكل صاد عن سبيل الله غير ملتزم بالإسلام (10).
جـ- وإذا توافرت التقوى في أفراد المجتمع الإسلامي 00!!
وإذا سادت الطاعة وأصبحت السمة الرئيسية في المجتمع الإسلامي 00!!
فلا محل للظلم وأهله بين هؤلاء .
ومن هنا : كان تركيز السورة على إعلان الحرب على الظلم , وتهديد أهله
نلاحظ ذلك جيدا في إرسال كل رسول لمقاومة الظلم والانحراف .
فقصة موسى : (59 آية)
تبرز انحراف مجتمع فرعون وظلمه في تعسفه في المعاملة البشرية .
وقصة إبراهيم : (36 آية)
تبرز انحراف المجتمع وظلمه لنفسه في عبادة الأوثان .
وقصة نوح : (18 آية)
تبرز انحراف المجتمع وظلمه لنفسه في عبادة الأوثان كذلك .
وقصة هود : (18 آية)
تبرز انحراف مجتمع عاد وظلمه في الاعتزاز بالقوة المادية والطغيان بها وبسببها .
وقصة صالح : (19 آية)
تبرز انحراف مجتمع ثمود وظلمهم في سوء توزيع الثروات .
وقصة لوط : (16 آية)
تبرز انحراف مجتمع لوط وظلمهم وشذوذهم في المعاملة الجنسية .
وقصة شعيب : (16 آية)
تبرز انحراف أهل مدين وظلمهم وإجحافهم في المعاملات المالية (11).
ولاحظ وضوح هذا الهدف في قول الله تعالى {وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين * قوم فرعون} [الآيتان 10 , 11]
ولما كانت صور الظلم هذه كلها موجودة في دنيا الناس من لدن محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم الساعة 00!!
ولما كانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم خاتمة 00
كان التركيز على حرب الظلم وأهله واضحا في كتاب الله , ولذا نراه واضحا في أسلوب التهديد الذي يناسب الظلمة ويطاردهم في مقدمة السورة وفي خاتمتها .
ففي المطلع {فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون} [الآيات 6-8]
وفي الخاتمة {كذلك سلكناه في قلوب المجرمين * لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم * فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون * فيقولوا هل نحن منظرون * أفبعذابنا يستعجلون * أفرايت إن متعناهم سنين * ثم جاءهم ما كانوا يوعدون * ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون }[الآيات 200- 207]
وللرغبة في بقاء هذا الهدف ماثلا في الذهن , باقيا أثره في النفس كان ختام السورة بتهديد الظلمة في كل عصر وبيئة وعلى أية صورة كان هذا الظلم .
إذ يقول تعالى {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون }.
تاسعاً : تقسيم آيات السورة موضوعيا
تنقسم هذه السورة إلى : مقدمة , ومجموعة من القصص النبوي , وخاتمة (10).
أما المقدمة 00 فهي عبارة عن (9)آيات .
وفيها : الحديث عن القرآن , والرسول صلى الله عليه وسلم , وعن تكذيب القوم له , وتهديدهم , وإقامة الحجة عليهم .
ثم تختم بقوله تعالى {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم}.
وأما مجموعة القصص النبوي 00 فهي عبارة عن (182) آية , وتتكون من قصص سبع .
قصة موسى عليه السلام .
وقصة إبراهيم عليه السلام .
وقصة نوح عليه السلام .
وقصة هود عليه السلام .
وقصة صالح عليه السلام .
وقصة لوط عليه السلام .
وقصة شعيب عليه السلام .
ويلاحظ : أن كل قصة منها تختم بقوله تعالى {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم} .
وأما خاتمة السورة 00 فهى عبارة عن (36) آية .
وفيها : الحديث عن القرآن , والرسول صلى الله عليه وسلم , وعن تكذيب القوم له , وتهديدهم , وإقامة الحجة عليهم .
عاشراً : أبرز موضوعات السورة
موضوع السورة الرئيسي : هو موضوع السور المكية جميعها (12).
وهي موضوعات : العقيدة ؛ من توحيد الله , والبعث , والإيمان بالكتاب والرسل 00 إلخ
يضاف إلى ذلك (13):
تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم .
الاستدلال بالآيات الكثيرة على وجود الإله وقد تكرر قوله تعالى {إن في ذلك لآية } (8)مرات .
قصص الأنبياء مع أممهم لبيان العبرة .
إثبات أن القرآن وحي من الله لا كلام تنزل به الشياطين .
بيان أن محمدا ليس بكاهن ولا شاعر .
التهديد والوعيد للظلمة وعباد الأوثان والمنحرفين عن سواء السبيل .
حادى عشر : بعض الدروس المستفادة
1- في قوله تعالى {واتل عليهم نبأ إبراهيم}[الآيات 69-104]
قال الزمخشري :
وما أحسن ما رتب إبراهيم عليه السلام كلامه مع المشركين حين سألهم أولا عما يعبدون سؤال مقرر لا مستفهم . ثم أنحى على آلهتهم فأبطل أمرها بأنها لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع . وعلى تقليدهم آبائهم الأقدمين , فكسره وأخرجه من أن يكون شبهة , فضلا أن يكون حجة .
ثم صور المسألة في نفسه دونهم حتى تخلص منها إلى ذكر الله عز وعلا , فعظم شأنه وعدد نعمته من لدن خلقه وإنشائه , إلى حين وفاته مع ما يرجى في الآخرة من رحمته . ثم أتبع ذلك أن دعاه بدعوات المخلصين , وابتهل إليه ابتهال الأوّابين .
ثم وصله بذكر يوم القيامة وثواب الله وعقابه , وما يدفع إليه المشركون يومئذ من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال , وتمني الكرة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا .
ثم بين سبحانه أن الجنة تكون قريبة من موقف السعداء , ينظرون إليها ويغتبطون بأنهم المحشورون إليها . والنار تكون بارزة مكشوفة للأشقياء بمرأى منهم يتحسرون على أنهم المسوقون إليها (14).
2- في قوله تعالى {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}[ الآية 227 ]
الآية فيها : تنفير من الظلم وتخويف منه , وإبعاد عنه .
والظلم : وضع الشيء في غير موضعه , وأخذ المرء ما ليس له .
وقد وردت المادة (289) مرة في القرآن الكريم (15) وقد يكون : للنفس .
ومن ذلك ( اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا فاغفر لي 000) (15) في الأمور المعنوية , وقد يكون للغير روي عن مجاهد أنه قال "المعلم إذا لم يعدل بين الصبيان كتب من الظلمة (16)" في التعاملات المادية {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون}[ البقرة 278 , 279] ولا ظلم بين المسلمين .
عن ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
(( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه , ومن كان في حاجة أخيه : كان الله في حاجته .
ومن فرج عن مسلم كربة : فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة .
ومن ستر مسلما : ستره الله يوم القيامة ))(17).
3- رد المظالم :
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء : فليستحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم .
إن كان له عمل صالح : أخذ منه بقدر مظلمته .(17)
وإن لم تكن له حسنات : أخذ من سيئات صاحبه محمل عليه )).
***
عن صفوان بن محرز المازني قال : بينما أنا أمشي مع ابن عمر رضي الله عنهما آخذ بيده إذْْ عرض رجل فقال : كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النجوى ؟ فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (17) :
(( إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره , فيقول : أتعرف ذنب كذا ؟ أتعرف ذنب كذا ؟ فيقول : نعم أي رب , حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك : قال سترتها عليك في الدنيا , وأنا أغفرها لك اليوم .
فيعطى كتاب حسناته .
وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد : {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين }[هود 18] ))
4- في الحكم
عن عائشة رضي الله عنها قالت :
كتب أبي في وصيته سطرين :
"بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قحافة عند خروجه من الدنيا , حين يؤمن الكافر , وينتهي الفاجر ويصدق الكاذب 00 إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب , فإن يعدل : فذاك ظني به ورجائي فيه , وإن يجر ويبدل : فلا أعلم الغيب {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} (10)".
وفي بهجة البالس 1/368 وقال كعب لعمر بن الخطاب "ويل لسطان الأرض من سلطان السماء " فقال عمر : "إلا من حاسب نفسه" (16) .
وقال الشاعر :
إذا جار الأمير وكاتباه وقاضي الأرض داهن في القضاء
فويل ثم ويل ثم ويل لقاضي الأرض من قاضي السماء
5- دعوة المظلوم :
قال صلى الله عليه وسلم : (( اتق دعوة المظلوم : فإنها ليس بينها وبين الله حجاب ))(17).
وفي صحف إبراهيم "اتق دعوة المظلوم , فإني لا أردها ولو كانت من كافر , أقول : وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين" .
ويقول الشاعر (16) :
نامت جفونك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم
6- عقوبة الظلمة .
عند الموت .
{ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون 000}[الأنعام 93] .
عند معاينة العذاب .
{وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل * وتراهم يعرضون علهيا خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين في عذاب
مقيم }[الشورى 44 ,45] .
{ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة}[يونس 47].
{يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار}[غافر , 52]
عند الجزاء .
{إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا}[الكهف 29]
{ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون 000} [إبراهيم , 4-52]
وقوله تعالى : {ألم تر أنهم في كل واد يهيمون} استشهاد على أن الشعراء إنما يتبعهم الغاوون , وتقرير له .
أي ألم تر أنهم في كل واد من أودية الخيال يهيمون على وجوههم , لا يقفون عند حد معين , بل يركبون للباطل والكذب وفضول القول كل مركب .
دينهم الهجاء , وتمزيق الأعراض , والقدح في الأنساب , ومدح من لا يستحق المدح , والغلوّ في الثناء والهجاء .
ثم استثنى تعالى الشعراء المؤمنين الصالحين بقوله :
{إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا , وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} .
{إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا} أي : في شعرهم , بأن كان غالبه في توحيد الله والثناء عليه والحكمة والموعظة والآداب الحسنة {وانتصروا} أي بشعرهم على عدوّهم بأن هجوه {من بعد ما ظلموا} أي فكان هجاؤهم على سبيل الانتصار ممن يهجوهم , جزاء وفاقا .
قال تعالى : {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} [النساء 148]
وقال تعالى : {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } [البقرة 194]
قال ابن كثير : وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان (18) :
(( اهجهم , أو قال هاجهم , وجبريل معك )) .
ويروي الإمام أحمد (19) عن كعب بن مالك أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إن الله عز وجل قد أنزل في الشعر ما قد علمت , وكيف ترى فيه ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه . والذي نفسي بيده ! لكأن ما ترمونهم به نضح النبل )).
في قوله تعالى {والشعراء يتبعهم الغاوون}[ الآية 224 ] ذم الشعر , والمبالغة في المدح والهجو وغيرهما من فنونه , وجوازه في الزهد والأدب ومكارم الأخلاق وجواز الهجو لمن ظلم انتصارا . انتهي .
وحكى الزمخشري عن عمرو بن عبيد أن رجلا من العلوية قال له : إن صدري ليجيش بالشعر .
فقال : فما يمنعك منه فيما لا بأس به ؟ والقول فيه : إن الشعر باب من الكلام , محسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام .
قال ابن كثير : لكن هذه السورة مكية , فكيف يكون سبب نزول هذه الآيات في شعراء الأنصار ؟ وفي ذلك نظر .
ولم يرو فيه إلا مرسلات لا يعتمد عليها . والله أعلم .
ولكن الاستثناء دخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم , حتى يدخل فيه من كان متلبسا من شعراء الجاهلية بذم الإسلام وأهله , ثم تاب وأناب ورجع وأقلع , وعمل صالحا , وذكر الله كثيرا , في مقابلة ما تقدم من الكلام السيئ , فإن الحسنات يذهبن السيئات , وامتدح الإسلام وأهله في مقابلة ما كان يذمه .
كما قال عبد الله بن الزَّبَعْرَى لما أسلم :
يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت , إذ أنا بور
إذ أجاري الشيطان في سنن الغي ومن مال ميله مثبور
وكذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب , كان من أشد الناس عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم فهو ابن عمه وأكثرهم له هجوا .
فلما أسلم لم يكن أحد أحب إليه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم . انتهى .
وقوله تعالى {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} تهديد شديد ووعيد أكيد , لما في {سيعلم} من تهويل متعلقه .
وفي {الذين ظلموا} من إطلاقه وتعميمه .
وفي {أي منقلب ينقلبون} من إبهامه وتهويله .
وكأنه لا يمكن معرفته , وقد رأوا ما حاق بهم في الدنيا .
ولعذاب الآخرة أشد وأبقى .
ثانى عشر : مصادر المفاتيح و هوامش البحث
1- انظر : السخاوي , الفيروزابادي , السيوطي , الشوكاني , الألوسي , القاسمي "مصادر سابقة في السور السابقة" .
2- البقاعي / نظم الدرر في تناسب الآيات والسور "سورة الشعراء"
3- القاسمي / محاسن التأويل "تفسير سورة الشعراء"
4- انظر : السيوطي , الشوكاني , الألوسي "مصادر سابقة"
5- انظر : السخاوي , والقرطبي, والشوكاني "مصادر سابقة"
6- انظر : مكي بن أبي طالب / التبصرة ص278
السخاوي / جمال القراء 1/210
الفيروزابادي / بصائر 1/344
الألوسي / روح المعاني "تفسير سورة الشعراء"
نثر المرجان 5/2
7- القرطبي / الجامع لأحكام القرآن "تفسير الشعراء "
8- نفسه .
9- انظر الألوسي / روح المعاني "تفسير سورة الشعراء "
المراغي / تفسير المراغي "تفسير سورة الشعراء"
10- سعيد حوى / الاساس "تفسير سورة الشعراء"
11- د/ محمد البهي / تفسير سورة الشعراء ص7
12- سيد قطب / في ظلال القرآن "تفسير سورة الشعراء"
13- المراغي / تفسير المراغي "تفسير سورة الشعراء"
14- القاسمي / محاسن التأويل "تفسير الشعراء "
15- محمد فؤاد عبد الباقي / المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم " مادة ظلم "
16- أبو عمر القرطبي / بهجة المجالس وأنس المجالس 1/363 وما بعدها
17- رواه : البخاري 00 ك المظالم .
18- رواه : البخاري 00 ك بدء الخلق , باب ذكر الملائكة ,ومسلم 00 ك فضائل الصحابة .
19- مسند أحمد 3/456 ط الحلبي
فضيلة الدكتور عبد الحي الفرماوي
رئيس قسم التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر
|
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق