هو انعدام الصفات التي من أجلها اختير للخلافة، وأكثر الفقهاء هنا يشترط انعدام الصفات وليس مجرد نقصها لأن القاعدة عندهم أن الخروج على الخلافة أو عزل الخليفة منوط باكتمال النقص وليس بمجرد النقص وهذا بخلاف قاعدتهم في ابتداء تولية الخليفة حيث يكون تولية الخليفة منوطًا بكمال سلامته، إلا أنهم يفرقون بين نوعين من الصفات:
الأول: ما يتعلق بعدم قدرة الخليفة على القيام بواجباته الشرعية كجنون الخليفة أو بطلان أعضائه أو حواسه، أو خرفه، أو كبره، فالفقهاء بالنسبة لهذه الصفات يكادون أن يتفقوا على أنها تعد أسبابًا لعزل الخليفة؛ لأنه في هذه الأحوال يتعذر عليه القيام بما يختص به الخليفة كما أن لها تأثيرًا بالغًا على علمه وجودة رأيه في تدبير شئون الأمة بلغ حدًّا يصل إلى انعدامها.
الثاني: ما يتعلق باستقامته كالجرح في عدالته وفسقه وهذه الصفات اختلف الفقهاء حول جعلها أسبابًا للعزل.
فذهب الماوردي (ص15 ـ 16) من الشافعية إلى أن الفسق إذا كان متعلقًا بأفعال الجوارح بارتكابه المحظورات وإقدامه على المنكرات تحكيمًا للشهوة وانقيادًا للهوى يخرج الخليفة من ولايته، أما إذا كان متعلقًا بالاعتقاد فيروى الاختلاف حول العزل بسببه، وإن كان يبدو أن الإمام الماوردي يرى العزل بسبب ذلك.
ويذهب الحنفية أيضًا إلى جواز العزل في حالة الجور والفسق، فيقول صاحب «المسايرة»: «إنه إذا قلد إنسان الإمامة حال كونه عدلاً ثم جار في الحكم وفسق لا يعزل ولكن يستحق العزل إن لم يستلزم عزله فتنة، ويجب أن يدعى له بالصلاح ولا يجب الخروج عليه، كذا نقل الحنفية عن أبي حنيفة وكلمتهم قاطبة متفقة في توجيهه» «المسامرة بشرح المسايرة ص 323».
والراجح من مذهب الإمام أحمد ومالك أنه لا يجوز عزل الإمام بمجرد الفسق، ويرى الإمام أبو يعلى في «الأحكام السلطانية» (ص4) أن الفسق لا يمنع من استدامة الإمامة سواء كان متعلقًا بأفعال الجوارح وهو ارتكاب المحظورات وإقدامه على المنكرات اتباعًا لشهوته أو كان متعلقًا بالاعتقاد وهو المتأول بشبهة يذهب فيها خلاف الحق.
كما يذهب الزرقاني في «شرح الموطأ» (ج 2/ص262) إلى أن الصبر على طاعة الجائر أولى من الخروج عليه لما فيه من استبدال الخوف بالأمن وإهراق الدماء وشن الغارات والفساد وذلك أعظم من الصبر على جوره والأصول تشهد والنقل أن أقوى المكروهين أولاهما بالترك.
وهذا الرأي الأخير هو رأي جمهور أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتعلمين؛ بأنه لا ينعزل الإمام بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك بل يجب وعظه وتخويفه وهو الراجح من حيث الدليل ولأن الفسق وقد تعلق بشخص الخليفة لا يكون له التأثير البالغ على انعدام ثورته في القيام بواجباته الشرعية ومن ثم لا يصل إلى حد الإضلال الموجب لحل العقد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق