سورة ابراهيم
سورة ابراهيم |
|
الكاتب: الأستاذ الشيخ/ محمد الغزالي - رحمه الله . |
"كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد. الله الذي له ما في السموات وما في الأرض" (1_2).
في الحياة الدنيا ظلمات كثيرة، ظلمة الجهل، وظلمة الغرور، وظلمة الإثم، وظلمة العصيان. وقد أنزل الله كتابه على محمد خاتم الأنبياء ليخرج الناس من هذه الظلمات كلها، وليعلمهم أن هذه الحياة الدنيا مرحلة إلى ما بعدها، وأن الذين يستحبّون الدنيا على الآخرة ضالون، وأن الذين يقاومون الوحي ويكرهون العيش في مناره جائرون مُعوجُّون.
ومن قبل محمد أرسل الله موسى لينقذ قومه من ظلمات الذل والعبودية، ويمنّ عليهم بالحرية المطلقة، حرية العقل والضمير والحركة والمرح في نعمة الله!!
وكل ما طلبه منهم أن يذكروا هذا الفضل، ويعرفوا حق صاحبه "ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور" (5).
إن البشر _على امتداد العصور _ يخاصمون الوحي، ويكابرون المرسلين، ويحاولون البطش بهم، ويستغلون ما أوتوا من قوة لفتنة المؤمنين عن الحق، لكن المؤمنين يصمدون ويتحملون "ومالنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون" (12).
وإخراج أمة مّا من الظلمة إلى النور لا يتم بين عشية وضحاها، إنه يحتاج إلى زمان طويل، وقد مكث نبينا ثلاثا وعشرين سنة يتعهد العرب بالقرآن الكريم حتى محا بداوتهم وجهالتهم وتخلّفهم العلمي والحضاري، وأمسوا أهلا لصدارة العالم وقيادته.
إن الأمم المغلوبة على أمرها، المحجوبة بخواصّها عن السيادة والصدارة لا تبلغ القمة، وهي واهنة الإرادة مختلطة القصد! لابد أن يغيّر الإيمان أحوالها ويزوّدها بطاقات جديدة من اليقين والتجرُّد والجراءة، حتى تستطيع أن تقهر خصومها، وتضع على الأرض طابعا جديدا من العبودية لله، والازدراء لشهوات الدنيا.
عندئذ يحكم الله بزوال دول وإقامة أخرى "واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد" (15).
والغريب أن الكفار سوف يلجأون إلى هذه الرابطة في الدار الآخرة، ولكنها لا تغنى عنهم شيئا "وبرزوا لله جميعا، فقال الضعفاء للذين استكبروا: إنّا كنا لكم تبعا، فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء؟ قالوا لو هدنا الله لهديناكم! سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص"! (21).
وقد شرح الله هذه الحقائق للناس في يومهم القريب، حتى لا ينخدع رئيس بتابع، ولا تابع برئيس، ومع ذلك فإن نفراً من الرؤساء المغرورين خدعوا الجماهير، واستغلوا ثقتهم فجرُّوهم إلى الهلاك "ألم تر إلى الذين بدّلوا نعمة الله كفرا وأحلّوا قومهم دار البوار. جهنم يصلونها وبئس القرار" (28_29).
وتتفاوت الأمم بجملة الحقائق التي تستند إليها وتحيا بها، فإن هناك حقائق عقائدية وأخلاقية وعمرانية وحضارية.
والمفروض أن كلمة التوحيد جذر شجرة كثيرة الفروع، طيبة الثمر، غزيرته! وأنها تثمر حضارة يانعة لمن عرفها، واستنار بها، واستظل بأفنانها الكثيرة.
أما الباطل _فلأنه لا أصل له _ لا ينتج إلا القوارح والهزائم "ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتُثّت من فوق الأرض مالها من قرار" (26).
وتتحدث سورة إبراهيم عن ناحيتين يجب أن تتوفر للأمة المؤمنة:
الأولى: انشغال الأمة بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة أكثر من انشغال الأمم القومية بشئونها الخاصة، فالأمة صاحبة الرسالة الإلهية تستغل تمكينها في الأرض لإعلاء كلمة الله، ومواصلة ذكره وتمجيده: "قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال" (31). ومع شحوب التعاليم السماوية أو غروبها ترى الأمم مستغرقة في الطعام والتمتع والمكاثرة والمفاخرة، فإذا بكت على شيء فعلى هبوط مستواها الاقتصادي، وقلة المواد التي تستهلكها في ملذاتها.
والعالم اليوم محتاج إلى أمة تضرب المثل من نفسها في عبادة الله، والحديث عن أمجاده ووصاياه، وتلك هي الأمة الإسلامية..
وهنا تجىء الناحية الثانية، وهي ناحية توضح أن أهل الإيمان ملاّك لا عالة، وأن بأيديهم قياد الدنيا يصرفونه كيف شاءوا.
ويتضح هذا من الآيات الثلاث الآتية، والتي تكررت فيها كلمة (لكم) خمس مرات!! "الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار. وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار. وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها...)(32_34).
إن هناك مؤمنين شردوا عن الصراط المستقيم، وتجمدت مواهبهم، وعاشوا غرباء فوق أرض سخرت لهم، فسُخّروا فيها، وبدل أن ينصروا الله بما آتاهم ارتعشت أصابعهم، ونكصت أعقابهم، فتقدم أعداء الله إلى الزمام الخالي فامتلكوه، وسخروا الدنيا لكفرهم، وأحرجوا الإيمان في مواطنه فما يكاد يبين.
كان إبراهيم صالحاً مصلحا، جاب الآفاق داعيا إلى التوحيد، ومعلنا حربا شعواء على الأوثان.
ثم جاء إلى الحجاز وهو يدعو: "ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون" (37).
وهذا الفرع من ذرية إبراهيم هو إسماعيل من زوجته هاجر.
أما الفرع الآخر فهو إسحاق أبو اسرائيل من زوجته سارة، وقد رزق إبراهيم بهما على الكبر، ولذلك يقول: "الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء. رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء" (39_40).
والغريب أن اليهود يرون أنفسهم أبناء السيدة الحرة، أما العرب فهم دونهم، لأنهم أبناء أمة!.
وفي المعركة الأزلية بين الحق والباطل سيشعر بالضيم مستضعفون ومهزومون، وسيقولون لقاهريهم: "... ولنصبرنّ على ما آذيتمونا" (12) والظلم مرتعه وخيم.
وقد يعجل الله بعقوبته في الدنيا، ومهما تخلف الجزاء فالقصاص حق: "ولا تحسبّن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار"(42).
وقد تبين لنا من استقراء التاريخ أن كيد الكافرين شديد، وأن مكرهم سيىء، وأن الخطط التي يرسمونها لضرب الحق خبيثة ماهرة!! على أن ذلك كله لن يغير النتائج المقدورة: "وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال. فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام..."(46_47).
لقد بدأت سورة إبراهيم ببلاغ للناس أن الله أنزل الكتاب على نبيه الخاتم ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وها هي ذي السورة تختم ببلاغ مؤكد حاسم "هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب" (52).
على أولى الألباب أن يحترموا عقولهم فلا يعبدوا الأوهام ويسجدوا للأصنام، وعليهم أن يتدبروا الوحي الإلهي، ويتشبثوا بالحق الذي يضيء لهم الطريق، ويوضح الغاية، ويهدي إلى الرشد.
=============
المصدر : التفسير الموضوعي |
|
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق