إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

سبحان الله والحمد لله والله أكبر

الأحد، 11 ديسمبر 2011

بدء الخليقة بين العلم والدين

بدء الخليقة بين العلم والدين
الكاتب الأستاذ الدكتور / طه حبيشي
بدء الخليقة بين العلم والدين

ــ
محاولات قاصرة : ـ

خلق الله الإنسان طلعة يجري وراء المجهول، ويلهث خلف المستور بقصد استجلاء أسراره وهتك الحجب التي تفصل بينه وبينه وفضح معالمه حتى يظهر جلياً ناصع الجلاء واضحاً لا سترة به.
وهذه الطبيعة الإنسانية لكي تحقق غايتها من كشف المساتير لابد لها من وسائل وإمكانيات، ولابد لها من قدرة تتناسب مع هذا المجهول حتى يمكن كشف أسراره، كما أنه لابد من المنهج المتاح والوسيلة الممكنة التي يمكن من خلالها تحقيق الهدف وبلوغ المرام.
والعاقل من النوع الإنساني هو الذي يوازن بين الهدف والغاية المرتقبة، والمنهج والوسيلة التي هما مطيته لهذا الهدف المنشود.
وغير العقلاء من النوع الإنساني من يجري وراء الهدف بدون تقدير لهذه الموازنة أو إعطائها ما تحتاج إليه من الاهتمام الواجب إعطاؤه لها فيقع في خلط أكيد وربما يتراءى له الهدف على أنه واضح يمكن إدراكه أو على أنه قريب يتمكن هو من تحصيله ، وهذا الهدف في حقيقة الأمر ربما يكون أكثر شبهاً بسراب الصحراء الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً .
ونحن نقدم بهذا الحديث الموجز لندخل من خلاله إلى حقيقة هامة لفت القرآن إليها المسلمين الأوائل والعلماء الذين جاءوا بعدهم على طول العصور وتوالي الأزمان.
فالباحثون في مجال العلم على أي مستوى من مستويات العلم تنقسم الأهداف أمامهم باعتبار الوسيلة المؤدية إليها إلى قسمين :
1ـ فهناك هدف يمكن الوصول إليه لأن وسائله متاحة أمامنا كأن تكون ظواهره خاضعة للتجربة والملاحظة العلمية كما هو الحال في مسائل العلم التجريبي بمختلف أنواعه أو تكون ظواهره خاضعة للمنهج الاستردادي واستلهام الماضي بشرط أن يكون له آثار باقية تدل عليه كالحفريات الواضحة أو معالم الأبنية وما يشبهها مما يساعد على الوصول إلى نتيجة هي أقرب إلى اليقين ، وهذا النوع من العلوم أو تلك الأهداف التي يقصد الإنسان الوصول إليها يشجع القرآن والسنة النبوية على أن لا يتباطأ الإنسان فيها، فالله يقول في القرآن : " قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنظر عن قوم لا يؤمنون" ، "وفي أنفسكم أفلا تبصرون" ، "وكم من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون" ، "أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت* وإلى السماء كيف رفعت* وإلى الجيال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت" آيات كثيرة في هذا المجال كلها تزعج الإنسان من غفلته وتوقظه من سباته وتأخذه بشدة إلى أن يتأمل هذا الكون، وكيف لا وهو القائل : " قل سيروا في الأرض فانظروا " ، " قل سيروا في الأرض ثم انظروا " إن المجال مفتوح بل والنوع الإنساني مكلف بالبحث عن أسرار هذا الكون كل بقدر طاقته وبقدر ما أتيح له من وسائل وإمكانيات.
والدين الإسلامي حين يطلب ذلك إلى الأمة إنما يقصد أن يبلغ بهم إلى هدفين :
أن يحققوا إلى مجتمعهم الإسلامي بالعلم والمعرفة ما يجعلهم يسابقون الأمم الأخرى غير الإسلامية ويسبقونهم في مجال الخدمات والنفع الاجتماعي بأوسع معنى للكلمة بحيث تتحقق لهم الريادة والسيادة، وبهذا الهدف وحده تسقط كل دعاوي الكذب والريبة التي تدعي أن الإسلام كان سبب تخلف المسلين في فترة ما من الزمن وحقبة معينة من الدهور، والمتحدث بهذه الدعوى إنما يتحدث عن معاني في الكنيسة المسيحية والمجتمع الغربي ، بلغة عربية.
والإسلام يقصد بعد ذلك إلى أن يطبع شخصية العالم المسلم بالتواضع الجم بحيث لا يغتر بذاته وإنما يلتفت بقوة إلى مسبب الأسباب وراء هذا الكون وواضع القانون العام لهذا النظام، ولذا كان العالم المسلم هو الجدير وحده بأن يعترف بالتوحيد لله وأن يسجد له خاشعاً بعد أن يقف على سر الحقيقة في الكون وهو وحده الذي يستحق المدح بوضعه في مرتبة تالية بعد الله والملائكة في الآية الكريمة " شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولي العلم " وهو وحده الجدير بأن يخشى الله ويتقيه وهي منزلة راقية على مستوى البشرية كلها " إنما يخشى الله من عباده العلماء " .
2ـ أما القسم الثاني من العلماء : فهم يتعلقون بأهداف لا يمكن الوصول إليها ذلك أنها لا ظاهرة لها أصلاً أو أنها لها ظاهرة لا تعبر عن بداية وجودها فهي لا تخضع للتجربة المباشرة ولا تخضع للملاحظة العلمية كما أنها من ناحية أخرى لا تستجيب للمنهج التاريخي (الاستردادي) ولا تخضع في المدى المؤثر للمنهج الإحصائي.
وعلى الجملة : فإن ظواهر هذا النوع من المجالات التي يتعلق بها بعض العلماء ويحاولون عبثاً أن يستنتجوا نتائج يصفونها بأنها علمية لا تخضع قط لأي منهج من مناهج الدراسات ولا لأي طريقة من طرائق البحث والدرس، ومن يريد الوصول إلى هدف في هذا المجال فإنه كالسائر في البيداء يستحث ظهره إلى السير حتى يقطعه دون أن يصل إلى هدف معقول من وراء سيره.
ومن هذا النوع الأخير من العلماء من يحاول بالعلم أن يعرف بداية خلق الإنسان ويقف على سر وجود أول مخلوقات هذا النوع وهو عاجز عن استخدام أي منهج من مناهج العلم أو أي طريقة من طرائق التكفير والنظر.
فنحن لا نستطيع بالعلم وحده أن نرجع إلى الوراء لنقف على سر بداية خلق الإنسان الأول، ولا على كيفية هذا الخلق، ولا على تاريخ محدد أو تقريبي لهذه البداية إن هذه وأمثالها محاولات عابثة ونشاطات لا تعدو أن تكون جزءاً من الترف العقلي والسياحة الذهنية التي لا أمل يرجى من ورائها، ولا رجاء يعلق عليها سوى أنها سياحة ذهنية.
ولقد ابتلى الله الإنسانية في كل زمان بمن يدعي معرفة هذا السر ويقف على بداية خلق الإنسان.
ففي ماضي اليونان السحيق وأيام أن نشط المفكرون الطبيعيون فيهم سمعنا من المؤرخين أنهم قد نسبوا لليونان فكرة تقول : إن الإنسان متدرج عن حيوان غاية في الصغر درج في الماء ثم وصل إلى البر فعاش فيه ثم تدرج إلى أن وصل إلى أكثر الحيوانات قرباً من الإنسان ثم تحول إلى الإنسان أرقى الموجودات في هذا الكون.
ونحن حين ننسب هذه الفكرة إلى اليونان الأوائل تبعاً للمؤرخين لا نشك في أن أي إنسان يقرأ هذه النسبة دون أن يقف على تفاصيل الفكرة لا يشك في سذاجة التفكير وبساطة التعبير والمجافاة الشديدة التي تقع بين الفكرة والواقع ذلك أن هذه الفترة من الزمان كانت تعبر عن وهم يسيطر على التفكير العلمي سببه الأساسي أن الإنسانية كانت تعيش فترة من الطفولة ليس فيها مظهر واحد من مظاهر النضج العقلي.
والشئ الغريب أن الإنسانية بعد أن نضجت عادت في فترة من الفترات لهذا التفكير المقلوب وسلكت نفس الطريق المسدود فبدا علماء الحياة (1) بزعامة دارون يتحدثون عن بداية خلق الإنسان ويرددون نفس الكلام اليوناني القديم إ ذ إن الإنسان ليس إلا طوراً من الأطوار ومرحلة من المراحل لعملية انقلاب مستمر وتحول دائب من نوع إلى نوع آخر ترجع بدايته الأولى إلى حيوان غاية في الصغر أو ميكروب من الميكروبات ذات الخلية الواحدة، فهم يزعمون أن بداية هذا المخلوق كغيره من المخلوقات الحية كانت في عفونة رطبة واستمرت فترة طويلة في الماء العذب أو الملح واستمر الترقي وفقاً لقانون الانتخاب الطبيعي إلى أن توصل إلى الإنسان وتوقف.
وانبهر السذج في كل مكان بمثل هذه النظرية التي اعتقدوها حديثة وما هي إلا محاولة من المحاولات القديمة في اليونان ماتت وقبرت لتوها فنبش علماء الحياة المحدثون قبرها وجمعوا أوصالها من جديد وألبسوها ثوباً قشيباً وسكبوا عليها عطراً فواحاً بقصد ستر عفنها ونتنها.
والمتأمل في هذه الفكرة يجدها قد انطوت على عدة أخطاء علمية.
وأول هذه الأخطاء أنها دعوى بغير دليل ونظرية مزعومة بغير مقدمات، فهي لا تخضع إلى تجربة ولا تستجيب لملاحظة علمية، ولا هي قد مرت بمرحلة فرض الفروض وانتخاب الصالح منها وإنما هي على الجملة تنظير في فراغ وتقعيد بغير مقدمات ودعوى بغير دليل.
وكل ما استطاعوا أن يقدموه لنا هو ذلك الشبه الشديد من الناحية التشريحية بين الإنسان وغيره من سائر الحيوانات. وهذا الشبه الشديد لا يؤكد وحدة النوع ولا يثبتها، وإنما يؤكد فقط وحدة الجنس المشتمل على أنواع لكل نوع خواصه ومميزاته مع اشتراك جميع الأنواع المندرجة تحت جنس واحد في صفة تجمع بينهم، فعنصر الحياة هو المشترك بين الإنسان وغيره من الحيوانات إلا أن كل نوع من الحيوانات له ما يميزه عن غيره، وينفرد به عما عداه، فدليل وحدة التشريح دليل من لا يفهم الفرق بين النوع والجنس أو دليل من يفهم لكنه مغرض فيطمس حقائق العلم من أجل هدف يبغيه وقصد يطويه ومرام يريد أن يقصد إليه مهما كانت الوسائل غير شريفة.
والثاني من الأخطاء العلمية في فكر علماء الحياة المقلوب: أنهم قد أجازوا الانتقال من نوع إلى نوع في هذه الحياة، إذ إن من الجائز عنهم أن يتحول الفرد العادي إلى لون من القردة العليا ثم يتحول الأخير عن نوعه إلى الإنسان، وهذه الفكرة خطيرة في عالم العلم، إذ إنه من رحمة الله بعباده أن جعل الكون مستقراً من يوم أن خلقه بحيث يسبح كل نوع في فلكه وكل فلك في مداره وكل جنس في دائرته المرسومة له بحيث قد جعل لك نوعا أو جنسا أو مخلوقا أيا كان لمجموعة من القوانين تخصه هو ، ومجموعة من النظم يخضع لها أفراد النوع الواحد لا يتأتى أن تكون لغيره من الأنواع، وعلى أساس من هذا الثبات في النظام يمكن لنا أن نكتشف هذه القوانين وأن نستثمرها ونتعامل معها ونستفيد من آثارها ومعطياتها ونحن على يقين وثقة أن هذه القوانين من الثبات بحيث لا يطرأ عليها التغير ، ومن الاستقرار بحيث لا يعتريها التبدل أو التحول.
ولو افترضنا العكس المقابل لهذه الحالة بمعنى أن نفترض بأن الله قد خلق القوانين بغير استقرار والنظم بغير ثبات، والأسباب بحيث يمكن أن تنفصل تلقائياً عن المسببات بحيث يصبح قرد الأمس إنسانً اليوم ، وبحيث يصبح حجر اليوم ذهباً في الغد، وبحيث يمكن أن تتحول أخشاب الغد إلى معادن في مستقبل الأيام وهكذا ، لو افترضنا هذه الأشياء المبنية على نظام لا قرار له وقانون يتحول يوماً بعد يوم لشقيت البشرية بهذا الفرض ولكان علمها لا ثقة به وتوقعاتها لا أمان عندها، ولفقدت كل تطلع إلى المستقبل، ولنامت عن بلوغ الآمال وقعدت عن تحقيق الأهداف، إذ إن لا أمل يرجى في المستقبل وكل توقع أو تطلع يكون مبنياً على غير أساس، وبذلك يشقى الإنسان ويعيش مبتوراً مقطوع الصلة بكل عمل ذهني يرفع من قدره ويرسم له طريق حياته ويعبر به نحو الكمال.
من رحمة الله بالخلق أن جعل لهم القوانين ثابتة مستقرة (1) ، ويأتي أصحاب هذه النظرية الموتورة ليقولوا لنا بفكرة الترقي وتحول الأنواع عن أنواعها الأساسية إلى أنواع هي أعلى منها وأرقى.
وهذه النظرية لم يحترمها أصحاب الرأي الثاقب والفكر السديد، وإن كان المغرضون من أعداء الإسلام شرقاً وغرباً قد حاولوا أن يفرضوا على بني الإسلام أن يؤمنوا بهذه النظرية، ومما يؤسف له أنها قد قدمت إلى النشء من شبيبة الإسلام وهم في مراحل التعليم الأولى ليجعلوها غذاء لعودهم الذي لم يكتمل بعد مستغلين نقص الثقافة عندهم خصوصاً ما يتصل منها بأمور دينهم.
وعلى الجملة فإن تفسير العلم لبدء الخليقة يفتقر إلى المنهج الصحيح وإلى المقدمات التي توصل إلى النتائج ثم هو يجازف بحياة الإنسان العلمية حين يحكم على الأجناس بالتحول والانتقال .
أين الطريق ؟
وإذا حكم الإنسان عقله لن يقع في حيرة ولن يستسلم إلى الوهم.
ومقتضى العقل السليم والفطرة المستقيمة أن أقرب الأشياء تصديقاً لديه وأكثر الأحداث ثقة بها وأقر بها إلى القلب والوجدان هي تلك الأحداث التي رواها من شهدها وقصها علينا من صنعها، إذ إن صنعته لها ومشاهدته إياها تجعله أكثر علماً بها، وتجعلنا نحن أكثر تصديقاً وقبولاً لها ـ ونحن مختارون أو غير مختارين ـ لا طريق أمامنا إلا أن ننصت إلى كلام الله الثابت الذي لم يطرأ عليه تغيير لنستمع إليه وهو يروي قصة بداية الخليقة باعتبار أن الله هو الذي شاهد خلق الإنسان الأول، وأن الإنسان الأول هو صنعة ربه لم يشاركه غيره فيها فكان هو العليم بالكيف والابتداء معاً " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير " ؟ .
==========================
عقيدتنا

ليست هناك تعليقات:

« كَفَّارَةُ المَجْلِسِ »

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ » .