ما نعلم وما لا نعلم |
الكاتب الشيخ / محمد الغزالي وقف مرة الأستاذ : آينشتاين" العالم الكبير عند درج صغير في أسفل مكتبه وقال: "إن نسبة ما اعلم إلى ما لا اعلم، كنسبة هذا الدرج إلى مكتبي" ولو انصف لقال: انه اقل من هذه النسبة. فانا لا نعلم أي شيء هو؟ إننا نعيش في عالم مملوء بالحقائق والقوى، ولا نعلم أي شيء. وهذا في الدنيا التي نعيش فيها، ونلمسها، ونزاول شؤوننا فيها، فكيف بالعوالم الأخرى البعيدة عنا؟ نقول: أن العالم مكون من ذرات، ونقول: إن الذرة مكونة من اليكترونات، أو من نواة وشحنة كهربائية سالبة وموجبة.. ويتغير رأينا في تكوين الذرة بمعدل مرة في كل أربع سنوات، وننجح فنعمل من الذرة قنابل ذرية، ونحن لا نعلم حقيقتها شيئا. نقول: إن الأجسام تسقط لقانون الجاذبية، والمصباح يشتعل بالكهرباء، ونسخر الكهرباء في إيجاد الحرارة، والبرودة، والحركة، وإيجاد الأمواج واستقبالها. ولكن ما الكهرباء؟ لا نعلم عن حقيقتها شيئا، وإنما نعلم كيف تستخدم. بل الحياة نفسها لم نعرف حقيقتها، وان كانت تسكن فينا، وكل ما حولنا لا نعلم حقيقته وإنما نعرف أعراضه. وبعبارة أخرى نعرف "كيف" ولا نعرف "ما" و "ماذا". ما الحب، ما الجمال، ما القبح، ما الحرية، ما كل شيء معنوي؟ كل هذه لا نعرف عن حقيقتها شيئا. وكل ما يستطيعه العقل، أن يعرف صفاتها. ما الدين، ما الخوف، ما الأمل، ما الشجاعة، ما الفضيلة، ما الرذيلة؟ لا شيء غير الصفات. قد نعلم أن اثنين واثنين أربعة، ثم نعلم اجزاءها ومضاعفاتها. أما سائر الأشياء فنعرف أعراضها، ولا نعرفها. وكأنه مُنحنا عقلا ليس من طبيعته أن يعرف شيئا عن الحقائق. وكل الذي يعرفه الإنسان –لو كان ذكيا- أن يوجه سلوكه في الحياة حسب طبائع الأشياء وحقائقها. ولذلك انصف أصحاب مذهب "البراجماتزم" إذ انكروا قدرة العقل على معرفة الحقيقة، وقصروه على معرفة الوسائل للغايات. والذين يشتعلون بالعلوم؛ ويقولون: أنهم وضعوا قوانينها كقوانين الجاذبية وقوانين الطبيعة والكيمياء، لا يزعمونها شرحا للحقائق، ولكن شرحا لأوصافها، وحتى هي شرح لصفاتها الظاهرة، لا صفاتها الباطنة. انك تقول: أن فلانا يحبني، وفلانا يكرهني. ولكن، ما حقيقة الحب والكره؟ لا نعرف. قد تكون معرفة الفن أسهل من معرفة العلم، أو بعبارة أخرى أسهل من معرفة الحقيقة؛ لان الفن عمل، والعلم فهم، ونحن على العمل اقدر منا على فهم الحقائق. ولذلك سهلت الحياة لأنها فن، وصعبت معرفة الحقائق، لأنها علم. انك تستطيع أن تعلم انك إذا صنعت القطار على نمط صحيح لا يصطدم ولا تخرج عجلاته، وتستطيع –بقدر الامكان- أن تتقي الأحداث، وتستطيع أن تترقب النجاح في عمل إذا سرت فيه سيرا حسنا، لان هذه كلها فن لا علم. وحتى أنت _ في هذه _ عرضة للخطأ ، فقد يحدث ما ليس في الحسبان، ويخرج القطار عن القضيب ، ويصطدم بجاموسة مرة _ عرضا _في الطريق . وتصطدم سيارتك بما لم تقدر مطلقا أنها تصطدم به . فكيف الحقائق المجهولة ؟ إن كان ذلك ، فكيف نأمل أن نعرف العقل والنفس ، وحقيقة الشعور ، وما إلى ذلك ؟ كل ما نتحدث به عن هذه الأشياء ألفاظ جوفاء ، وتشدق سخيف ،لا حقيقة وراءه. ولو أنصف مؤلفو المعاجم ، ومحاولو التعريفات لكفوا عن ذلك . لأنهم لا يصلون إلى حقيقته ، وإنما يدورون حول أنفسهم . ولو دققت النظر في تعريفاتهم، لوجدتها تعريفا بالمثل، لا تعريفا بالحقيقة. وأكثر الناس يعيشون بعقيدتهم لا بعلمهم، وبخرافاتهم وأوهامهم لا بعقلهم، فكيف وعقلهم لم يدرك حقيقة ما حوله؟ إن كان هذا حقا، فكيف يحاول العقل الإنساني البحث عن الله؟ انه يكون كقوم لم يعرفوا أرضهم، فبحثوا عن المريخ، أو لم يعرفوا ما أمامهم فحاولا أن يعرفوا ما فوقهم. ويعجبني ما نسب إلى الإمام علي كرم الله وجهه، في الله تعالى: "انه لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، ولا تراه النواظر، ولا تحجبه السواتر، لا بذي عظم تناهت به الغايات، فعظمته تجسيدا، ولا بذي كبر امتدت به النهايات فكبرته تجسيما". وما نقلنا آنفا عن الأستاذ "احمد أمين" تحديد حق للنطاق الذي يصل فيه عقل الإنسان وينتج. وقد زينت الحرية العقلية التي اتاحها الإسلام للباحثين تجاوز هذا النطاق فعدوا قدرهم، وخاضوا في بحوث لا طائل تحتها.. وبلغ بهم التيه في ميدان النظر أن تكلموا في ذات الله، هل صفاتها عينها؟ أو غيرها؟ أو لا عين ولا غير؟ ومضى بهم الجدل المحض إلى غير قرار! وأي قرار في أمر لا يمكن أن تصل إليه الأفكار؟ إن هذا البحث لو كان في ذات الإنسان لكان عسيرا، فكيف يسمح به في ذات الله –جل وعلا-؟ إن علماء المسلمين الذين كتبوا في العقائد لم يقصدوا إلا الخير. ولست أظن أن واحدا من الأولين والآخرين عمد إلى تشويه الدين أو مسخ آثاره في الأفئدة. وقد تأدى الجدل ببعضهم إلى التقاذف بتهم مريبة. وقد نبت في هذا العصر قوم يريدون إقحام العامة فيما لا يطيقون من بحوث، فبلبلوا الأفكار في وقت نحتاج فيه إلى تجميع الشمل وتركيز القوة ضد الحضارة المادية التي تريد أن تطوي أعلام التوحيد وتستأصل شأفة الإسلام. وما دام هناك من يعتنق مبدأ التأويل ويستمسك به، فليس من السائغ أن نرميه بالإفك ونسلخه من الملة كما يفعل الجهال. وحسبنا أن نذكر الحق المجرد، وان نعرف الناس جميعا، أن الله عز وجل ليس كمثله شيء؛ ثم لنطهر أنفسنا من الخلاف في الحظوظ والأهواء. ================ عقيدة المسلم |
إجمالي مرات مشاهدة الصفحة
الأربعاء، 11 يناير 2012
ما نعلم وما لا نعلم
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق