إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

سبحان الله والحمد لله والله أكبر

الاثنين، 21 نوفمبر 2011

سورة الإسراء

سورة الإسراء

الكاتب: د./ رجب أبو مليح
        نمر على سورة الإسراء في خلال قراءتنا لكتاب الله  والتي يقول الله تعالى في بدايتها،سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (الإسراء:1).
        (1) السورة وتسميتها:
        إن هذه السورة سميت بسورة الإسراء على الرغم من أن الله سبحانه وتعالى, لم يذكر الإسراء إلا في آية واحدة منها هي الآية الأولى, وإذا عرفنا أن تسمية سور القرآن الكريم توقيفية, علمنا الحكمة من وراء ذلك, وكأن الله سبحانه وتعالى جعل هذا الاسم, إشارة وعلامةً للمؤمنين كلما قرؤوا كتاب الله  ومروا على هذه السورة تذكروا هذا الحادث الجليل العظيم, الذي لم يسبق لأحد من الأنبياء من قبل رسول الله  ولن يتأتى لأحد من بعده .
        فسماها الله سورة الإسراء كي تكون إشارةً وعلامةً واضحة بينة لكل مسلم يقرأ كتاب الله  فيذكر هذا الحدث العظيم الذي شاءت حكمة الله وقدرته  أن تكون بدايته من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى, ثم إلى السماوات العلى إلى حيث يريد الله سبحانه وتعالى, كانت إشارة أيضًا وعلامة إلى ما بين هذين المسجدين من علاقات, واختير المسجد الأقصى تحديدًا, لكي يعلم ويخبر الناس جميعًا أن موطن الرسالة في هذه الدنيا قد تحول من بني إسرائيل إلى رسول الله  ومنه من بعده إلى أمته, الذي قضى الله سبحانه وتعالى أن يكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول  عليهم شهيدًا.
        (2) المسجد الأقصى ورحلة الإسراء:
        تؤذننا هذه السورة بأهمية هذا المسجد, وما تدور حوله من أحداث الآن, وما يدور حوله من دوائر تتسع لتشمل جميع المسلمين حيث كانوا, وما يدبر ويكاد للمسلمين في كل مكان الآن, يبين ويوضح قيمة هذا المسجد, أن له قيمة ومنزلة عند المسلمين، ستكون بؤرة الصراع الذي يحدث الآن بين المسلمين وبين اليهود, المغتصبين للمسجد الأقصى وما حوله من هذه الأرض المباركة, هذا المسجد ليس مسجدًا خاصًا كباقي المساجد, وليست قطعة خاصة من الممكن أن يبيعها إنسان أو يشتريها, وأن يتصالح عليها وأن يتصرف فيها بشتى أنواع التصرفات, ولكنها وقف للمسلمين جميعًا, لا يملك أن يتصرف فيه إلا حسبما أراد الله سبحانه وتعالى, وحسب ما حدد لهم.
        فلا يجوز أن يتصرف أحد تصرفًا فضوليًا, ويفتات على سائر المسلمين جميعًا في هذا المكان، كما لا يملك أحد أن يبيع المسجد الحرام, أو يبيع جزءا منه, أو يخصص جزءا منه لفئة معينة من المسلمين, لا يملك أحد أن يتصرف في المسجد المبارك هذا التصرف مهما كان شأنه.
        (3) واجب المسلمين تجاه المسجد الأقصى وبقعته المباركة:
        هذه السورة تذكرنا بأهمية هذا المسجد, وبأهمية هذه البقعة المباركة, وتذكرنا أيضًا بواجبنا نحوها, نحن نرى ما يحدث لهذه البقعة وما يحدث لهذا المسجد, ويكفي أن سائر المسلمين لا يستطيعون صلاة آمنة في هذا المسجد, فإذا كان من داخل فلسطين لابد أن يسمح لهم العدو, وإن كانوا من خارج فلسطين لابد أن يسمح لهم أيضًا العدو المغتصب الذي يتصرف في حق غيره وفي ملك غيره, هو الذي يأذن للمسلمين في شتي بقاع العالم, بالدخول إلى هذا المكان أو بالخروج منه, ولكن الفلسطينيين أنفسهم وما يمثلهم من سلطة لا تملك من أمرها شيئًا, ولا تملك أن تعطي هذا الحق لأحد, فهو إذًا أسير ومغتصب من قبل أعداء الله سبحانه وتعالى.
        فما واجبنا نحو هذا المسجد وهذه البقعة المباركة التي نحن مسؤولون عنها؟
        • أول واجب في هذا هو الدعاء: والدعاء ليس بالأمر السهل, وليس بالأمر الهين عند المسلم فإنه سلاح المؤمن, ودعوة المظلوم ينصرها الله سبحانه وتعالى, ولو بعد حين فلا نغفل عن هذا السلاح وهو أقل ما يدفعه كل مسلم ويبذله تجاه هذا المسجد وتجاه هذه القضية التي تهم المسلمين جميعًا، وليس من باب نصرة إخواننا فحسب، ولكنها من باب أنها مسألة تخصنا جميعًا, ونحن مظلومون ويحال بيننا وبين الصلاة فيه صلاة هادئة مطمئنة, ويحال ما بين الفلسطينيين وغيرهم فإن هذه مسألة لا نغفلها أبدًا ونذكرها دائمًا في صلواتنا, وفي أوقات الإجابة, في أوقات السحر وفي غير ذلك هذه الأوقات.
        • الواجب الثاني هو الجهاد: وقد يختلط عند الناس مفهوم الجهاد, بمفهوم القتال, فيقول المسلم كيف أجاهد الآن وقد حالت بيني وبين الجهاد مشاق وصعاب,وحدود وسدود, ولا أستطيع أن أجاهد, أوأبذل شيئا في هذه القضية سوى الدعاء؟ قلنا: إن هذا الدعاء جزء منه ولكنه ليس كافيًا بمفرده, إنه جزء من واجبات المسلم.
        الجهاد في الإسلام أشمل وأعم من القتال:
        فالقتال نوع منه كما ذكر الإمام ابن القيم - رحمة الله عليه - في "زاد المعاد": أن الجهاد ثلاثة عشر نوعًا, وذكر منها القتال, فالقتال جزء من ثلاثة عشر جزءًا من الجهاد.
        فمن أنواع الجهاد الجهاد بالدعاء والكلمة: سواء كانت مسموعة أو مقروءة أو في جريدة أو موقع على الإنترنت أو في مسجد أو في كتاب أو في أي مكان يجاهد الإنسان بهذه الكلمة, ويوضح الحق حتى لا تخرج أجيال,ويجدون اليهودالمغتصبين, قد وضعوا أيديهم على هذه الأرض, فيتسرب إلى أذهانهم أو إلى أنفسهم أنهم أصحاب هذا الحق, كما يريدون هم من المسلمين.
        فلابد أن يكون الجهاد بهذه الكلمة وهذا حقٌ على كل مسلم وكل مسلمة صغيرًا كان أو كبيرًا, عالمًا أو غير عالم، ذا منصب أو غير ذي منصب, كل هؤلاء الناس عليهم أن يجاهدوا بالكلمة.. عليهم أن يورثوا هذه القضية ويعلموها ذراريهم وطلابهم وجيرانهم, وكل إنسان لابد أن يعقل ويرى ويعرف قيمة هذه القضية وأن هذا شعب مظلوم, ويعرف أن هذه أرض مغتصبة استولى عليها اليهود بغير حق يقره شرع أو عرف ولا يقره قانون دولي ولا محلي, كل ذلك يضرب به اليهود المغتصبون عرض الحائط, ويستولون على هذه الأرض بمنطق القوة,وبصلفهم وجبروتهم وقوتهم في هذا الوقت, فلابد أن يكون جهاد الكلمة موضحًا ومبينًا للناس على سائر الزمان حتى يكون هذا الكلام شاهدًا لنا وحجةً لنا بين يدي الله سبحانه وتعالى.
        • أيضًا من أنواع الجهاد جهاد المال: كما نجاهد بالدعاء ونجاهد بالكلمة, نجاهد بالمال, كلٌ يجود بما يريد ويستطيع وييسر الله سبحانه وتعالى له, لا نبخل بهذا المال وهو أقل من أن نجود بأنفسنا, فإذا حيل بيننا وبين أن نجود بأنفسنا ولا حيلة إلا أن ندفع هذا المال, إطعامًا لهؤلاء الجياع وكسوة للعرايا, يكون عونا لهم على صلف هؤلاء المتجبرين الجاحدين الذين لا يرقبون في مؤمنٍ إلاً ولا ذمة.
        • جهاد المقاطعة: ذلك الجهاد البسيط الذي يغفل الناس عنه ولا ينصرفون إليه،وهذا هو الجهاد السلمي, لا يتصور من المسلم أن يفعل أقل منه, نقاطع هذه البضائع وهذه المنتجات, وأن يقاطع الثقافات وأن يقاطع كل شئ أنتجه أعداؤنا ويتقوون به علينا, اللهم إلا إن كان شيئا لنا فيه حاجة ماسة ولا نجده عند غيرهم.
        • فعلى المسلم أن يحزم أمره وأن يأخذ نفسه بالعزيمةِ وهذا الأمر البسيط أنه يقاطع- يترك هذه السلعة ويأخذ سلعة أخرى يعتمد على صناعته المحلية حتى ولو كانت أقل جودة, فإن ذلك سوف تصب فائدتها بعد ذلك في جيوب واقتصاد هذا البلد الذي يعيش فيه, ويعلم هؤلاء الناس أن هناك أكثر من مليار وثلث مسلم يستطيعون أن يقولوا لا بهذه الطريقة السلمية, إذا كانوا يدفعون من أموالهم فهذا نوع من البذل, إذا كان يجاهدون بكلمتهم فهذا نوع من البذل, إذا كانوا يجاهدون بالدعاء فهذا نوع من البذل, والوقوف إلى الله  والشكوى إليه والتذلل له هذا نوع من البذل, والمقاطعة أيضًا نوع من البذل وإن كان بذلاً خفيًا, بذلاً بطريق السلب ولكنه يؤثر على هؤلاء الناس,ويعلمون أن هذه الأسواق التي يصدرون إليها منتجاتهم الثقافية, أو الاقتصادية أو غير ذلك, المسلمون يقاطعون هذه الأشياء, وهذا أمر جرب في مواطن كثيرة وجرب من المسلمين, وجرب من غير المسلمين وأثبت قوته وأثبت نجاحه,وهو أمر لا يكلف المسلم الشئ الكبير.
        • أيضًا وأخيرًا الجهاد بالنفس للذي يملك أن يجاهد بنفسه: وهو من أعلى أنواع الجهاد، فإننا مأمورون بهذا الجهاد, وهو فريضة قائمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها, وما تركه قوم إلا ضرب الله سبحانه وتعالى عليهم الذل, وضرب عليهم المسكنة, فلابد أن يكون هذا الجهاد حيًا في قلوبنا, وإن كان يحال بيننا وبينه الآن ولا يستطيع أن يذهب إليه أحد فلابد من أن يحدث الإنسان به نفسه أقل شئ, « من مات ولم يغز وتحدثه نفسه بالغزو مات ميتة الجاهلية ».
        • وإن كنا لا نستطيع أن نجاهد بأنفسها فلا أقل من أن نستحضر نية الجهاد في أنفسنا, ونية هذا الجهاد لن تتأتي إلا بعد أن نعد له عدته, فإن الله سبحانه قد عاب على قوم آخرين, أرادوا وكان عندهم الحماس الزائد وطلبوا من نبيهم أن يبعث لهم ملكًا نقاتل وراءه في سبيل الله سبحانه وتعالى, أَلَمْ تَرَ إِلَى المَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ أَلاََّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَََََََّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بَالظَّالِمِينَ(البقرة:246) ولكن الأكثرية هي التي تولت لأنها لم تعد لهذا لأمر عدته وَلَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً(التوبة:46) العدة: عدة بدنية- عدة نفسية- عدة تربوية, يتربى الإنسان على العبادات ويتربى على الطاعات ويتربى على عبادة الله سبحانه وتعالى, على هذه الأشياء البسيطة, حتى إذا سلمت له نفسه واستقامت على طاعة الله سبحانه وتعالى, فإن أمرها بعد ذلك وألزمها بالجهاد في سبيل الله فإنها تخرج مجاهدةً محتسبةً صابرةً لله سبحانه وتعالى, لا تكل ولا تضعف ولا تمل ولا تجبن ولا تفر من المعركة, ولا تخاف ولا تخشى في الله سبحانه وتعالى لومة لائم.
        هذه السورة جعلها الله سبحانه وتعالى حتى تذكرنا جميعًا, وتذكر المسلمين بأهمية هذه القضية, التي يجب أن تكون حية واضحةً صريحةً جليةً, في عقولنا وفي قلوبنا.. حية واضحةً في قلوب الناس أجمعين, نعمل على نشرها بالكلمة والخطابة وبالكتابة, والدفاع عنها بأموالنا وأنفسنا وبكل ما نملك وإلا كان ذلك حجةً علينا يوم القيامة, فإن الله سبحانه وتعالى جعل لنا هذه الأرض وبذل المسلمون في استردادها وتحريرها ما بذلوا, لكننا فرطنا فيها وأضعناها بغير حق, فإننا مسئولون عن هذه الأرض وهذه البقاع, ومسئولون عن هذا المسجد.
        والعجيب أن يذكر الله  بعد هذه الآية آية الإسراء والمعراج قصة موسى  وقصة بني إسرائيل وإفسادهم في الأرض, وقضاء الله سبحانه وتعالى عليهم أنه سيتبر هذا العلو، وكأنه يقول أن هذا العلو لن يتأتى هدمه أو تدميره إلا على أيدي هذه الفئة, وهي عباد الله سبحانه وتعالى, الذين استقاموا على طاعة الله وامتثلوا أمره فعلى أيديهم يكون النصر  وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا (الإسراء:51) وساعتها يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء من عباده.

ليست هناك تعليقات:

« كَفَّارَةُ المَجْلِسِ »

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ » .