ظهور آدم عليه السلام
ظهور آدم عليه السلام |
|
الكاتب الأستاذ الدكتور/ طه حبيشي
ظهور آدم
غير أنه إلى الآن وإلى هذه المرحلة التي نتحدث عنها لم يظهر آدم ظهوراً فعلياً للعيان، وكل ما حدث أن الإرادة الإلهية قد تعلقت بهذا المخلوق الجديد لإيجاده وعند اللحظة المحتومة لوجود آدم كونه الله من عناصر ومادة الأرض، فيحدثنا القرآن مرة بأنه قد خلق آدم من تراب ومرة يقول : " إني خالق بشراً من طين"ومرة يقول : " من طين لازب " ومرة يقول : " من صلصال من حمإ مسنون"، ثم يقول في موضع آخر : "من صلصال كالفخار" . وهذه التنوعات في الحديث عن آدم تشير إلى أمرين هامين :
أحدهما : أن آدم في خلقه مر بمراحل متعددة يبتدئ من التراب إلى صلصال كالفخار، والقرآن يعبر في كل موضع عن مرحلة منها، ولما كان القرآن كالحرف الواحد في تماسكه وشدة ترابطه كان من الممكن جمع المراحل كلها لتعبر عن أطوار آدم هذا المخلوق الجديد. ثم يدخل بعد هذا الطور الأخير من مرحلة العنصرية الأرضية وبها إلى مرحلة الإضافة القدسية عليه. "ونفخت فيه من روحي" فيتحرك لحماً ودماً بحيوية وإحساس ووجدان ومنطق، وعلى الجملة إنساناً كاملاً في خلقته على النحو الذي أرادته المشيئة الإلهية.
وهذا التنوع في الخطاب بعد استكماله وجمعه يعطينا بدهية مسلمة، وهي أن الإنسان في أولي مراحله قد تكون من العناصر الأرضية ويحتفظ بها ذريته إلى اليوم في أجسادهم، فهم يحتفظون بعناصر الأرض بكل معنى الكلمة من يابس وماء، فلو أننا أخذنا قطعة مادية من جسم الإنسان وحللناها معملياً لوجدناها تحتوي على العناصر الترابية في الأرض، بل نحن نرى أن الإنسان بعد أن تنتهي حياته ويوارى التراب يتحلل جسمه إلى عناصر ترابية.
والجانب الرطب في الإنسان الذي يعبر عنه بالمائية يمكن أن نفهمه من قوله تعالى: "وجعلنا من الماء كل شئ حي" وهذه الجملة قد فهمها علماء الحياة فهماً خاطئاً ففسروها على نحو ما ذكرناه سلفاً بأن بدايات الحياة الأولى كانت في الماء ، ثم تطورت طبقاً لقانون الانتخاب الطبيعي، غير أن الكثرة من المحدثين يرون أن المراد من الماء هو ما يحمله الإنسان في داخله من سيولة ورطوبة لازمة للحياة واستمرارها.
والحياة بهذا المعنى ، لم تترك الماء قط ، ذلك أن جميع صور الحياة تستمر بفضل البروتوبلازم وتمارس نشاطها داخله، وقد عرف أحد المعاجم البروتوبلازم بأنه مادة زلالية نصف سائلة تعد الأساس الأول للحياة الطبيعية التي تتطور منها جميع الكائنات الحية وتكون المواد التي يتكون منها البروتوبلازم ذائبة في الماء أو عالقة به، فالماء أساس البروتوبلازم ، والبروتوبلازم أساس الحياة، فالحياة والماء في هذا الكوكب متلازمان لا ينفصل أحدهما عن الآخر (1).
=================================
(1) مع الأنبياء في القرآن الكريم ـ تأليف عفيفي عبد الفتاح طبارة ص 47.
عقيدتنا |
 |
|
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق